«يوم الزينة».. درس في تحييد الإعلام

ليس الحضور على الهواء مباشرة وتحدثك بلباقة هو العلامة الفارقة في نجاحك، بقدر ما تعكس ما عانيته من تجارب وخبرات وإعداد طويل، كانت نهايته الثبات والحضور، وجذب قلب المشاهد والجمهور، فالمهارة الإعلامية هي عصارة تجارب مريرة ودربة ومثابرة، تكشف الإعداد الجيد والمدروس وتراكم الخبرات.

تجربة السنين العشر لنبي الله موسى عليه السلام كانت بداية لأكبر معركة إعلامية تحدث عنها القرآن الكريم، ألا وهي «يوم الزينة» التي كشفت زيغ وأباطيل أكبر شخص تألّه على الله وادّعى لنفسه الربوبية، فلا شك أن الإعداد لإسقاط شخص بهذا الحجم ليس كأي إعداد، لذلك أفرد له القرآن مساحة هي الأكبر في حديثه عن نبي في مواجهة خصومه.

تجربة السنين العشر

من المعلوم أن موسى عليه السلام حينما كبر وترعرع في قصر فرعون، كان يسير معه بمنزلة الولد مع الوالد، فمهما كانت نفسه شفافة ورقيقة، فلن تدرك مشاعر الفقراء والمعدمين، خاصة في هذه المرحلة الموغلة في حياة البشر، فكانت قصة هروبه من ملأ فرعون وتوجهه إلى مدين بداية جديدة وإعداداً على عين الله تعالى ليواجه فرعون لاحقاً، لذا كان الإعداد لمعركة الإعلام ليس كغيره من الإعداد(1).

كانت تجربة السنوات العشر التي قدمها موسى عليه السلام كمهر لزوجته مليئة بالدروس والعبر، التي قام فيها برعي الأغنام في بيئة موحشة وموغلة في العالم القديم، وإذا أطلقنا العنان لخيالنا بدون تكلف، يمكن أن نقول: كم رأى موسى من الحيّات والأفاعي؟ وكم مرة قتل فيها حية؟ وكم مرة نجا فيها من حية؟ نعم؛ (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه: 40).

كانت بداية التجربة معاناة ومكابدة طويلة، لكن كانت نقطة التحول عند إكرامه بالنبوة، وتحولت عصاه التي كان يستأنس بها إلى حية تسعى، وهو لا يدري أنها أول تجربة ميدانية للمعركة الفاصلة.

الورقة الأخيرة.. موعدكم «يوم الزينة»

حينما أراد الله إسقاط هيبة فرعون كانت بالإعلام، وتجلت عبقرية التخطيط من موسى في اختيار الزمان، والمكان، وكيفية جمع الناس؛ فموسى كان قادراً أن يجري المناظرة بشكل نهائي داخل القصر ومن أول مرة، ولكن هذا لا يكفي، وربما تعرض لحملة إعلام مضادة لا يحمد عقباها.

لذلك عندما طلب خصمه فرعون أن يحدد موعداً لإجراء مناظرته ومعركته؛ (فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَاناً سُوًى) (طه: 58)، هنا يكمن جمال الترتيب والإعداد من موسى، الذي وافق على الموعد، ووظفه بأكبر قدر من استخدام الوسائل التي تمكنه من الفوز في معركته.

فقال: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (طه: 59)، ولم يقل له: موعدك، بل طلب الجميع -أهل مصر- وأن يكون الحشد غير مسبوق، وذلك في «يوم الزينة» الذي لا يتخلف فيه أحد من أهل مصر عن الحضور، كما يكون ذلك ضحى أول النهار وصفاء الرؤية، حتى يراها الجميع بدون لبس فيسهل خداعهم.

بل إن بعض وجوه التفسير تكشف لنا جانباً آخر في أوراق المعركة الإعلامية الكبرى، وهو أن موسى في مقابلاته ومناظراته السابقة كان يُري فرعون الآيات ولكنه كان يخفي عنه «آية العصا»، لتكون ورقته الأخيرة في كسب معركته؛ فقد روى ابن عباس أن فرعون سأله عن آياته، فأدخل يده في جيب قميصه، ثم أخرجها بيضاء لها شعاع مثل شعاع الشمس، غلب نورها على نور الشمس فعجب منها، ولم يره العصا إلا يوم الزينة(2).

كما كان اختيار الأرض التي تجري عليها المعركة أرضاً «سوى» لا يمكن فيها أن يُحجب أحد من الحاضرين عن الرؤية، بل الكل متساوون في إثبات المشهد، حتى لا يتم خديعتهم لاحقاً(3).


اقرأ أيضاً: الكلمة والسيف


لقد جاء خضوع السحرة -الإعلام المضلل- للمشهد الحق بعد عملية من الدربة والممارسة والإعداد تفوق طاقات البشر العاديين، فإن تجربة السنين العشر تكشف لنا متوالية من الجد والإعداد وقدر التحديات التي لاقاها موسى عليه السلام في الطريق إلى كسب معركته، كما تكشف لنا أن هدفه الأكبر هو إحقاق الحق الذي لم يفته لحظة واحدة حتى في ساحة معركته المليئة بالآلاف، حينما خاطبهم بقلب رحيم ومشفق: (لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) (طه: 61)، ولكنه قالها مع الأخذ بكل الوسائل الممكنة لتحقيق النجاح من توظيف الزمان والمكان وتحييد الجماهير، لقبول ما هو حق وصدق، بدون لبس أو تلبيس.

امرأة العزيز

فكما كانت تجربة السنين العشر إعداداً ربانياً لكسب أكبر معركة إعلامية، كانت أيضاً تجربة «بضع سنين» إعداداً ربانياً أيضاً موجهاً للأمة لكسب معركة إعلامية من نوع آخر، حيث كانت معركة فاصلة وإعداداً جيداً من يوسف عليه السلام، لكي يثبت براءته بنزاهة وفي مجمع عام دون أن يشوّه خصومه تشويهاً لا رجعة فيه، فالمطلب الأول هو إثبات براءته وعفته لا التشفي من خصومه، لذلك كان المعنى القرآني دقيقاً في طبيعة هذا الإعداد، واقتناع الملك بشخص يوسف عليه السلام.


اقرأ أيضاً: المجتمع النسوي من خلال سورة «يوسف»


ففي المرة الأولى قال الملك: (ائْتُونِي بِهِ) (يوسف: 50)، ولكنه رفض حتى تثبت براءته، ويسأل النسوة وهنّ علية القوم ومن خلفهن أزواجهن صنّاع القرار، ضمن يوسف عليه السلام معرفة الجميع لبراءته من التهم التي لاحقته زوراً.

وعندما انكشفت الحقيقة، كان المكسب الأكبر دقيقاً للغاية بوصف القرآن على لسان الملك هذه المرة: (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) (يوسف: 54)، حيث تغيرت قناعة الملك بين المرتين، وهو ما دفع يوسف عليه السلام في الأولى لرفض الخروج من السجن، ودفع الملك لتغيير خطابه الإعلامي مرتين بين (ائْتُونِي بِهِ) و(ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي والخطابين، تكمن براعة التخطيط من يوسف لكسب معركته ورد اعتباره بدون تزييف وخداع للجماهير، لتكشف حزمة من الحقائق، وهي:

- التخطيط العلمي المدروس المتمثل في تعبير الرؤيا بدقة متناهية.

- الثبات على القيم في الشدة والرخاء، ولذلك رفض يوسف الخروج حتى تثبت براءته.

- حسن الأدب في عرض القضية وعدم التشفي من الخصوم، فيوسف عليه السلام كانت خصومته بالدرجة الأولى مع امرأة العزيز، ولكنه طلب من الملك الفحص عن أمر النسوة عامة، حتى لا تختزل قضيته كخصومة شخصية، فظهر حسن أدبه لدى الملك.

- توظيف شهادة الخصم والعيان المتمثلة في امرأة العزيز المعترفة بعفته، وساقي الملك المعترف بأخلاقه وعلمه.

كانت النتيجة مبهرة في علو قدر يوسف عليه السلام وانتهاء معركته الإعلامية بمزيد من الحفاوة والاستقلالية مع الملك، الذي استخلصه لنفسه وصار يوسف قيمة ملوكية؛ لأن الملوك من طبيعتهم الانفراد بالنفائس فعلم أن يوسف نفيس الطبع لا يمكن تكراره فاستخلصه لنفسه(4).

إن الثبات على القيم وحده لا يكفي بدون وسائل الإعلام والإعداد لها بطريقة علمية مدروسة واقعياً وميدانياً، وضمان تحييدها وفق خطط مدروسة قد تستغرق سنوات من الصعود والهبوط، كما علمتنا إياه تجربتا السنين العشر مع كليم الله موسى عليه السلام، وتجربة بضع سنين مع الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام.

 





_________________________

(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.

(2) تفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن.

(3) تفسير الكشاف للزمخشري.

(4) تفسير الرازي: مفاتيح الغيب.


الرئيسية

مرئيات

العدد

ملفات خاصة

مدونة