1000 يوم.. سنوات غزة العجاف!

1000 يوم.. سنوات غزة العجاف!

لأيام متتالية أهم بها في الكتابة لكن أجد نفسي لا تقوى على ذلك، فالكلمات ثقيلة وكيف لا وهي تحمل أوجاعاً غائرة لحكايات غزة بعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب عليها؟!

البعض يستغرب عن رؤية هذا الرقم ويسأل بعلامات الاستغراب: ألا توجد هدنة؟!

سرعان ما تزول عنك علامات التعجب حينما تعلم أنها هدنة مزعومة إعلامياً، لم ينل منها أهل غزة استحقاقها، فالصواريخ لم تقرأ بنود الاتفاق، فما زالت تلقى على رؤوس أهل غزة بمن فيهم أطفالها، فلقد استشهد بعد هذه الهدنة المزعومة أكثر من ألف شهيد.

معابر غزة ما زالت مغلقة وإن كنت سمعت بخروج مرضى وجرحى فعدد الخارج قليل جداً؛ حيث يخرج بين أيام وأخرى نحو 8 مرضى أو ماب ين ذلك، وإذا قورن ذلك العدد بالحاجة الفعلية لأكثر من 22 ألفاً بحاجة للعلاج بالخارج ستعلم وقتها أنها زوبعة إعلامية تحاول تمرير جمل من سم الخياط، خاصة إذا علمت أن عدد الجرحى فاق 172 ألف جريح؛ أكثر من نصفهم حالات بتر.

قبل أيام قليلة، كانت شروق زوجة شهيد وأم يتيم، بترت قدمها اليسرى، وكانت تأمل للسفر من أجل العلاج حفاظاً على قدمها الأخرى، لكن الانتظار، طال فكان البتر مصير القدمين لشابة لم يزد عمرها على 25 عاماً، فقدت جزءاً كبيراً من جسدها كما فقدت عدداً أكبر من عائلتها.

كلمات مثقلة

من الصعب الحديث عن غزة بعد أكثر من ألف يوم وما زال العدد في تزايد، فالكلمات وقفت عاجزة متعبة، فكثير ما كانت تتوقف وتقول: «تعبت»، فهذه حال أهل غزة!

وعن دخول المساعدات والمواد الغذائية، فإلى الآن ما يدخل لا يفي بالحاجة، فالحاجة ماسة وأكبر مما تم الاتفاق عليه، وحجم المساعدات عدده في تراجع واضح، أما ما يدخل من مواد غذائية من خلال التجار فما زالت الأسعار غالية، والمسموح به ليس أساسياً بقدر ما هو ترفيهي يضر الجسد من السكريات وغيرها.

وإلى اليوم لا يسمح بدخول مسمار واحد ولا أي شيء من مواد البناء بالمطلق، حتى الكشاف اليدوي للإضاءة ممنوع.

خيمة اللهب

ما زالت المعاناة تتدحرج مثل كرة الثلج في حجمها الذي يزاد يوم عن يوم، فحياة الخيمة صعبة جداً، فإنها صفيح على نار مشتعلة على جسد ساكنيها.

الخيمة المهترئة كادت أن تنطق وجعاً على حالها وحال ساكنيها، فقد تعبت كثيراً فلا تكاد أوتادها تحملها، وكم الحياة صعبة في داخلها للأطفال خاصة وكبار السن والنساء اللاتي يرتدين حجابهن رغم لهيب الحرارة العالية!

ولا تظن أن هنالك ماء يطفئ لهيب العطش، فإلى اليوم نبحث عن الماء من مكان إلى آخر ولا نعلم مدى صلاحيته للشرب، لكن لا مجال للتفكير بذلك، فالحاجة أعظم، ورغم ثقل جالون الماء، فإنك ستجد طفلاً صغيراً يحمل واحداً في يديه وآخر بأسنانه!

ورغم ارتفاع حرارة الصيف، فإنك تجد النساء يوقدن النار من أجل إعداد الخبز والطعام، فعدد ما يدخل من غاز الطهي قليل مقارنة بالحاجة والعدد، والكثير منهم بالأصل لا يملك أنبوبة غاز بعد أن فقدوا بيوتهم وكل ما تحتويه، فقد تم قصف أكثر من 610 آلاف مبنى.

لكل بيت حكايته، ومن البيوت من محيت عائلات ساكنيه بالكامل، فقد محي من السجل المدني أكثر 2700 عائلة، وبعضها تبقى منها الناجي الوحيد؛ يعني كل العائلة استشهدت وتبقى منها فرد واحد قد يكون رضيعاً أو طفلاً لا نعلم كيف سيقضي ما تبقى من عمره وهو يحمل هذا اللقب بفقدانه كل عائلته!

ماء بارد

الماء البارد أصبح حلماً للكثير، والكهرباء منذ 3 سنوات مقطوعة، ومن يتوفر لديه كهرباء عبر اشتراك مولدات أصحابها تجار! ومن يمتلك ألواح طاقة فيكون ملاذاً لشحن الهواتف النقالة.

ولنا أن نتخيل كيف لزوجة شهيد تحمل الماء مسافات وتغسل الملابس على اليدين والعيش في خيمة والطهي والخبز على النار، كل هذا التعب وهي تحمل في قلبها وجعاً كبيراً، وأغلبهن صغيرات في العشرينيات، والأعداد مخيفة نحو 47 ألف أرملة، وهنا الحديث عن زوجات شهداء هذه الحرب، فالأعداد أكبر من ذلك إذا اجتمعت مع شهداء الحروب السابقة.

مسافات طويلة

حينما ترغب في الخروج فإنك تفكر مراراً وتحسب بُعد المسافات فما زال هنالك الكثير من المناطق لا يتوفر بها وسيلة نقل، فمشوارك مهما كان قريباً يحتاج منك وقتاً لا يقل عن ساعات ما بين المشي والحصول على وسيلة نقل فهي مكلفة ومتعبة.

والمؤلم أنه حينما يكون لك مشوار سيكلفك الكثير وفي طريقك ترى الجامعات العريقة الشاهقة ما هي إلا عبارة عن ركام وخيام للنازحين، فقد كانت المؤسسات التعليمة هدفاً أساسياً لصواريخ الاحتلال وكذلك لعلمائها، وطلابها.

والحديث يطول عن معاناة المرضى والجرحى فما زال الدواء ممنوعاً، والمعدات الطبية كذلك وحتى الحصول على عكاز طبي كذلك ممنوع!

أهل غزة يشتهون طعم النوم! لا نستغرب، فالأمر لا يتعلق بارتفاع حرارة الصيف فحسب وانعدام وسائل التبريد، فالقوارض والحشرات أعدادها هائلة تجول بحرية في الخيام والشوارع وما تبقى من أجزاء البيوت.

حقيقة، الكلام من الصعب له أن ينتهي في الحديث عن حال غزة بعد أكثر من 1000 يوم تم خلالها قصفها بأكثر من 223 ألف طن من المتفجرات.

وأنا أكتب هذه الكلمات أشعر بتعب ثقلها في حياتنا اليومية وحرماننا من أبسط حقوقنا في أبسط الأشياء، لا أستطيع أن أخفي أننا تعبنا، فقد أرهقتنا إبادة حرمنا فيها من قطعة خبز، ودعنا كثيراً من الشهداء، ما زال الكثير منهم بيوتهم قبورهم فلم تُنتشل جثامينهم بعد.

فلا يعقل أن نخوض بإمكانات بسيطو أطول حرب تتجاوز 1000 يوم، فإن كان البعض يراها رقماً، إلا أنه بالنسبة لنا أكبر من ذلك، فكل يوم بمثابة سنين عجاف ثقيلة أرهقتنا كثيراً في صمت عالمي مطبق!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة