الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. بين خيرية الأمة وقيادة الأمم
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل
عمران: 110)، في هذه
الآية الكريمة، عقد الله تعالى صفة الخيرية للأمة المسلمة بعقدٍ وثيق الصلة
بوظيفتها الرسالية؛ فلم تكن الخيرية امتيازاً عرْقياً أو جنسياً، بل كانت ثمرةً
لممارسةٍ فعليةٍ تتمثّل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإن المتأمل في
أحوال الأمم والشعوب يجد أن قيادة الأمم وتحقيق السيادة الحضارية لا تقوم على كثرة
المال ولا على جبروت السلاح فحسب، بل على صلابة المبادئ وقوة المناعة الأخلاقية، وتبرز
الإشكالية الجوهرية؛ كيف يمكن لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن تكون
أداة فاعلة لنهضة الأمة، وعنواناً لخيريتها، ومفتاحاً لقيادتها للأمم في زمن اختلت
فيه موازين القيم؟
تأصيل مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف في
اللغة هو كل فعلٍ تأنس إليه النفس وتطمئن إليه الفطرة، وفي الشرع هو ما أمر به
الله ورسوله وأقرّه من عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات، أما المنكر فهو نقيضه؛ ما
أنكرته الشريعة واستقبحته العقول السليمة، وهذه الفريضة ليست هامشاً في الدين، بل
هي عماد الدين كما ورد في الأثر، وهي صورة عملية لتحقيق التكافل الاجتماعي،
وتجسيدٌ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة»، حيث شملت النصيحة «لله
ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم».
غير أن هذه
الشعيرة العظيمة تخضع لضوابط راشدة؛ فلا تكون بالجهل والعنف، بل بالعلم الذي يميز
المعروف من المنكر، وبالرفق الذي يفتح القلوب، وبالقدرة التي تراعي المآلات،
وبالتدرج الذي يراعي الأولويات.
إن مقاصدها
العليا لا تقف عند حدّ تقويم السلوك الفردي، بل تتعداه إلى تحقيق التوازن
المجتمعي، وحفظ الكرامة الإنسانية، ونشر روح الفضيلة في المجتمع، حتى تصبح الأمة
كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساس خيرية الأمة
إن خيرية الأمة
في الآية الكريمة ليست خيرية ذاتية منغلقة على ذاتها، بل هي خيرية متعدية إلى
الغير؛ فهي خير لنفسها بطاعتها، وخير للآخرين بإصلاحها، فالأمة التي تأمر بالمعروف
إنما تقدم للبشرية نموذجاً في الرقيّ الأخلاقي، وتنهى عن المنكر فتحمي المجتمعات
من التفكك والانهيار.
ولقد ارتبطت هذه
الخيرية بالرسالة العالمية للأمة، حيث جعلها الله شهداء على الناس، فلا يمكن للأمة
أن تشهد على غيرها وهي تعيش في وحل المنكرات، ولا يمكنها أن تنهض بدورها القيادي
وهي غارقة في الفساد، لذا، فإن خيرية الأمة لا تعني ادعاء الكمال أو التميّز
العنصري، بل هي دعوة دائمة للسعي نحو الإصلاح والبناء، والارتقاء بالفرد والمجتمع
إلى مصاف الكرامة التي أرادها الله للإنسان، إنها خيرية تعني تحمّل المسؤولية، لا
التمتع بالامتيازات.
من خيرية الأمة إلى قيادة الأمم
عندما تتحقق
خيرية الأمة، تنطلق نحو قيادة الأمم، ولكن القيادة في المنظور الإسلامي ليست
استعلاءً أو هيمنة، بل هي قيادةٌ قائمة على القدوة الحسنة، والعدل الذي يُنصف
الضعيف من القوي، والرحمة التي تسع البشر، والإصلاح الذي يعمّر الأرض لا يخربها، إن
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنح الأمة رؤيةً واضحةً في التعامل الحضاري مع
الآخر؛ فهي تأمر بالخير الذي اتفقت عليه الفطر السليمة من عدل وصدق وأمانة، وتنهى
عن الشر الذي تفسد به الحياة من ظلم وفساد وخيانة.
والأمة القائدة
لا تفرض قيمها بالسيف، بل تقدمها كمنهج حياة يُبْتغى بالحكمة والموعظة الحسنة، إن
دورها اليوم لا يقتصر على مجرد الرد على الشبهات، بل يتعداه إلى تقديم نموذج حضاري
بديل يعالج أزمات الروح والمادة التي يعاني منها العالم المعاصر، قيادة الأمم
اليوم تعني أن تمتلك الأمة مشروعاً للعالم يقوم على التعايش الإنساني، والاستخلاف
في الأرض بالبناء والعمران، وهو بالضبط جوهر الأمر بالمعروف حين يُمارس كقيم كونية
وليس كشعارات جوفاء.
ضوابط التطبيق المعاصر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أمام تحديات
العصر من عولمة طاحنة، وتنوع ثقافي غير مسبوق، وانفجار معرفي عبر وسائل التواصل
التي جعلت العالم قرية صغيرة، تبرز الحاجة الملحّة إلى تجديد فهمنا لآليات تطبيق
هذه الفريضة، حيث إن من أعظم الضوابط في زماننا مراعاة الأولويات؛ فتقديم إنكار
منكر صغير على حساب جلب مفسدةٍ أكبر، أو التغاضي عن منكرٍ عظيم لأجل درء فتنةٍ
أعظم، كل ذلك يستدعي فقهاً عميقاً في مقاصد الشريعة.
كما أن تحويل
هذه الفريضة إلى وسيلةٍ للتنفير عن الدين، أو إلى أداة للتطرف والعنف، هو تحريفٌ
جسيمٌ لمعناها السامي، يجب أن ندرك أن تغيير المنكر يتطلب حكمةً تضع الأمور في
نصابها، وبصيرةً تنظر إلى النتائج، لذلك، لا بد من التمييز بين الإنكار الفردي
الذي يكون بالنصح والإرشاد في العلاقات الخاصة، والإنكار المؤسسي الذي يتم عبر
القوانين والأنظمة الرادعة للفساد، مع الموازنة بين النصح العلني والتجريح المجاني
الذي يهدم ولا يبني، ويُفرّق ولا يؤلّف.
نماذج تطبيقية تاريخية ومعاصرة
إن التاريخ
الإسلامي حافل بنماذج رائعة في تطبيق هذه الفريضة بوعي وحكمة، ففي مكة المكرمة،
ركز النبي صلى الله عليه وسلم على بناء الإنسان داخلياً وتصحيح العقيدة، متحلياً
بالصبر والأناة، وعندما انتقل إلى المدينة المنورة، أقام دولةً على أساس القيم
الأخلاقية، فكان تأسيس المجتمع المدني نفسه صورةً من صور الأمر بالمعروف في العدل
والتعاون.
وإذا نظرنا إلى
مواقف الصحابة والفقهاء، نجد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يغيّر بعض التطبيقات
الفقهية وفقاً لمصلحة الناس، كما في منعه لتأليف القلوب بالزكاة، أو تركه العمل
ببعض الأحاديث لمراعاة المصلحة العامة، وهو تطبيق عملي لمراعاة فقه الأولويات، أما
في عصر النهضات الإسلامية، مثل الدولة العثمانية في أوجها، كانت القيادة تقدم
للعالم نموذجاً في التسامح والتعايش بين الأديان والأعراق، وهو ما جعلها قبلة
للأمم.
وعلى صعيد
المقارنة، نجد أن قيادة الأمم في الغرب المعاصر نهضت أيضاً بقيم ومبادئ دستورية
تدعو إلى الحرية والعدالة، مما يؤكد أن القيادة الحضارية الحقيقية لا تقوم على
القهر، بل على جاذبية القيم، وهنا يكمن التحدي أمام الأمة المسلمة لتستعيد هذه
الجاذبية، ليس باعتبارها وصيةً على العالم، بل كشريك فاعل في إرساء دعائم السلام
والعدل الإنساني، عبر تطبيق معروفٍ يشمل الرفق بالحيوان والبيئة، ونبذ الفساد،
وإتقان العمل، وهذا هو جوهر الدعوة المعاصرة.
إن العودة إلى
جوهر الآية الكريمة تذكرنا بأن خيرية الأمة ليست شعاراً يُتغنى به، بل هي مسؤولية
بناء وإصلاح، وقيادتها للأمم ليست استئثاراً بالريادة، بل التزامٌ بتقديم القدوة
الصالحة في كل ميدان، لقد آن الأوان لتجديد فهمنا لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، بما يتناسب مع مستجدات العصر، وبما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الضرورات
الخمس، ويرتقي بالأمة من حالة الدفاع عن النفس إلى حالة البناء والإعمار للعالمين.
إن الأمة التي
تقود الأمم اليوم هي تلك التي تقدم للعالم نموذجاً متكاملاً في العدل، والإصلاح،
والتعايش، وفي احترام الاختلاف، والإتقان في العمل، والعناية بالمستضعفين.
أصلحوا سرائركم
تصلح علانيتكم، وتمسكوا بحبل الله جميعاً، وكونوا دعاة إلى الخير بالقول والفعل،
عسى أن تتحقق للأمة وعد ربها بالخيرية، وترقى إلى مقام الشهادة على الناس؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ
حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً