الأبعاد الشرعية والدستورية لمواجهة المشروع الحوثي في اليمن

مسلحون حوثيون بزي عسكري يحملون الأسلحة وقاذفاً صاروخياً

يتساءل الكثير مِن أبناء الأمَّة المسلمة عن الأسباب الدافعة لقتال الشعب اليمني لجماعة الحوثي، وذلك نتيجة جهلهم بالواقع اليمني والأحداث التي قادت إلى هذا الوضع المأساوي الذي فرض على اليمنيين حمل السلاح ضدَّ هذه الجماعة، وفهم حقيقة المشروع الحوثي في اليمن وتداعياته.

المشروع الحوثي في اليمن.. من التوافق إلى المواجهة

ابتداءً ينبغي القول بأنَّ الأصل في فرق وطوائف ومذاهب المسلمين هو التعايش بينهم، وتغليب القواسم الدينية المشتركة، وجعلها منطلقاً للإمساك عن عدوانهم وبغيهم على بعضهم البعض، ومرجعاً لحلِّ نزاعاتهم وخلافاتهم، كما أن العيش في وطن واحد ودول واحدة يوجب على أيِّ شعب أن يتكيَّف مع التنوُّع والاختلاف القائم بين مكوِّناته الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية؛ وأن يلتزموا الدستور والقانون الذي تراضوه بينهم طالما أنَّ الحقوق والحرِّيات مكفولة ومصانة.

في اليمن، اتَّفقت جميع مكوِّنات الشعب اليمني في مؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقِد عامي 2013 و2014م، بمن فيهم جماعة الحوثي التي شاركت وحضرت المؤتمر، وقدَّمت مطالبها ورؤاها في صياغة المستقبل اليمني، وانتهى المؤتمر بوثيقة تضمَّنت كلَّ الحلول والمعالجات لأزمات اليمن ومشكلاته المختلفة، بما في ذلك قضية صعدة، والتنوُّع المذهبي في اليمن، وعلى إثر ذلك تشكَّلت لجنة وطنية لصياغة الدستور في ضوء مخرجات المؤتمر التي تضمَّنتها وثيقة المؤتمر، وأعدَّت اللجنة دستوراً مقترحاً للرئيس، عبدربه منصور هادي، صدرت مسوَّدته في 17 يناير 2014م، وضمَّ 446 مادة، لتأسيس دولة اتِّحادية فيدرالية، وكان هذا التوافق تتويجاً للمرحلة الأولى مِن خارطة «المبادرة الخليجية»، التي رعتها دول الخليج.

انقلاب الحوثيين على التوافق السياسي والدستوري

رحبت كل الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية والدينية بوثيقة المؤتمر الوطني، وبمسوَّدة الدستور الجديد؛ غير أنَّ اليمنيين تفاجؤوا، في 21 سبتمبر 2014م، باقتحام مسلَّح للعاصمة صنعاء، نفَّذته الجماعة بالتحالف مع القوات الموالية للرئيس الأسبق، علي عبدالله صالح، مسقطة المؤسَّسات السيادية والوزارات الرسمية، منقلبة على الاتِّفاق والإجماع الوطني.

ورغم عقد اتِّفاق جديد برعاية المبعوث الأممي، جمال بن عمر، في منزل الرئيس هادي، لعودة الأوضاع إلى ما قبل 21 سبتمبر وإشراك الحوثيين في السلطة، فإنَّ الجماعة مضت في استكمال مشروعها للانقلاب على السلطة والدولة معاً، وبدأت في تهديد رموز الدولة بعد حصارهم واستهدافهم؛ ما دفع الرئيس هادي، في 25 مارس 2015م، لتوجيه رسالة إلى قادة مجلس التعاون الخليجي لاستنقاذ اليمن من العدوان والانقلاب الحوثي، واستعادة الدولة.

ورغم كل المناشدات والوساطات، الداخلية والخارجية، وجهود الأمم المتحدة لحل الأزمة وإقناع الجماعة بالتراجع عن قراراتها أحادية الجانب، ورغم صدور قرارات مجلس الأمن المختلفة بشأن اليمن، فإنَّ الجماعة رفضت كل المناشدات والوساطات والجهود والقرارات الأممية.

أسباب مواجهة الحوثيين في اليمني

وعليه، شرع اليمنيون بحمل السلاح وقتال جماعة الحوثي، ويمكن تقسيم الأسباب التي دفعت اليمنيين لقتال جماعة الحوثي من خلال الجانب الرسمي الحكومي، والجانب الشعبي الوطني، إلى شقَّين:

1- أسباب دستورية قانونية، تعود إلى النصوص والمواد في الدستور والقوانين اليمنية، وتشكِّل المرجعية للحكومة اليمنية والمؤسَّسات العسكرية والأمنية.

2- أسباب دينية واجتماعية، وهي تلك التي تستند للنصوص والأحكام الشرعية، والأعراف والتقاليد القبلية.

ولا شكَّ أنَّ هذا التقسيم ليس على سبيل التضادِّ، بل هي أسباب متعاضدة ومترابطة، غير أنَّ زاوية النظر فيها تختلف بحسب المسؤولية القانونية والأثر العمليَّاتي.

ففي حين تفرض التنظيمات الإدارية والخطط العسكرية والأمنية ترتيباً معيَّناً لخارطة القتال، فإنَّ هذه الخارطة قد لا تستجيب لاحتياجات المجتمع في مواجهة بغي وعدوان جماعة الحوثي، إمَّا لاعتبارات مالية أو دعم لوجستي أو ضغوط سياسية؛ ما فرض على المجتمع اليمني في الإطار الشعبي حمل السلاح ومقاومة الجماعة بجهد ذاتي، مِن خلال الأطر القبلية والمقاومة الشعبية التي تشكَّلت في عدَّة محافظات بعد عام 2015م.

الأساس الدستوري والقانوني لمواجهة الحوثيين

في الجانب الدستوري والقانوني، تعدُّ جماعة الحوثي جماعة متمرِّدة على الدولة، وخارجة عن القانون، وقوَّة انقلابية، وتنظيماً إرهابياً قام بكلِّ الجرائم الإرهابية؛ وذلك بالرجوع إلى منظومة التشريعات الدستورية والقانونية للجمهورية اليمنية، بما في ذلك:

  • قانون القوَّات المسلَّحة (67 لسنة 1991م).
  • قانون العقوبات العسكرية (21 لسنة 2006م).
  • قانون غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب (1 لسنة 2010م).
  • قانون الجرائم والعقوبات (القرار بالقانون: 12 لسنة 1994م).
  • قانون مكافحة جرائم الاختطاف والتقطُّع (24 لسنة 1998م).

موقف الحكومة اليمنية من جماعة الحوثي

كما أنَّ الحكومة اليمنية صنَّفت جماعة الحوثي كجماعة «متمرِّدة، خارجة عن النظام والقانون»، وذلك خلال فترة الحروب الستَّة التي اندلعت بين عامي 2004 و2010م، في خطابها الرسمي على مستوى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء؛ وفي قراراتها التنفيذية على مستوى وزارتي الدفاع والداخلية؛ وفي بيانات مجلس النوَّاب، وفي أغسطس 2009م، مع اندلاع الحرب السادسة، أصدرت الحكومة اليمنية (مجلس الوزراء بالتنسيق مع مجلس الدفاع الوطني والرئاسة)، قراراً وصفت فيه جماعة الحوثي باعتبارها عصابة متمرِّدة خارجة على الدستور والنظام والقانون.

كما أصدر مجلس النوَّاب عدَّة بيانات تؤيد قرارات وجهود الحكومة والجيش خلال المواجهات، معطياً الحكومة -في سبتمبر 2009م- تفويضاً لمواجهة ما وصفه بـ«التمرُّد الحوثي التخريبي في صعدة»، في بيان اعتبر تصرُّفات الجماعة خروجاً مسلَّحاً على الدستور والوحدة الوطنية ومؤسَّسات الدولة الشرعية.

المواد الدستورية والقانونية المتعلقة بالحوثيين

وتعدُّ أعمال جماعة الحوثي بحسب الدستور والقانون اليمني:

  • تقويضاً لمبدأ السيادة ووحدة الأراضي اليمنية (المادة 1).
  • اغتصاباً لإرادة الشعب والسلطة (المادة 4).
  • تهديداً للأمن القومي بإنشاء تشكيلات مسلَّحة موازية ومحظورة (المادة 36).
  • قياماً بتمرُّد مسلَّح ومقاومة للقوَّات المسلَّحة (المادة 37) مِن الدستور، وقانون العقوبات العسكري (21).
  • انقلاباً على السلطة (المادة 121) مِن قانون الجرائم والعقوبات اليمني (القرار بالقانون: 12 لسنة 1994م).
  • خيانة عظمى وتخابراً مع دولة أجنبية (المواد 122، 127، 128) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني.
  • جرائم الحرابة وإثارة الحرب الأهلية (المادة 133) مِن ذات القانون.

وقد قرَّر مجلس الدفاع الوطني عام 2022م، تصنيف جماعة الحوثي رسمياً «منظَّمة إرهابية»، وهو تصنيف يستند إلى قانون غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب (1 لسنة 2010م وتعديلاته)، والاتِّفاقية العربية لمكافحة الإرهاب عام 1998م، نظراً لأنَّ اليمن طرف فيها، والقوانين الدولية.

الأحكام القضائية بحق قيادات الحوثيين

لم يقتصر الأمر على التكييف النظري لقضية الحوثي، بل تحوَّل إلى أحكام قضائية صادرة عن المحاكم المختصَّة، فقد أدانت المحكمة العسكرية الابتدائية، بالمنطقة الثالثة (مأرب)، عام 2021م، مسؤولي الجماعة، وعلى رأسهم عبدالملك الحوثي، و70 آخرين، بتهم تشكيل تنظيم إرهابي مسلَّح، بمساعدة خبراء مِن «حزب الله» وإيران، والانقلاب العسكري، واختطاف المسؤولين، وارتكاب جرائم حرب، وقضى الحكم بإعدامهم ومصادرة جميع أموالهم، كما أنَّ النيابة العامة اليمنية أصدرت أوامر قبض قهري بحقِّ قادة الجماعة، كونهم «فارِّين مِن وجه العدالة»، ومطلوبين جنائياً في قضايا تمسُّ أمن الدولة والقتل العمد والتخريب.

الأبعاد الشرعية لمواجهة الحوثيين

ومِن خلال تتبُّع فتاوى علماء ودعاة اليمن، والجدل والنقاش العلمي الدائر بينهم، يمكن القول: إنَّ فتاواهم نظرت لضرورة قتال الجماعة مِن عدَّة مداخل:

1- فرأي يرى بأن قتالهم قتال الطائفة الممتنعة، سواء لتركها شرائع من الإسلام أو ارتكابها محرَّمات معلومة مِن الدين بالضرورة.

2- ورأي يرى بأنَّ قتالهم قتال خوارج، فالحوثيون يرون استحلال دماء اليمنيين على أصول أصَّلوها وكفَّروا مخالفهم بمقتضاها، فهم يجعلون الإمامة والولاية وحبَّ آل البيت بزعمهم أصولاً من أصول الإيمان، ويكفِّرون مَن لا يراها ولا يلتزمها، ويستحلِّون دماءهم وأعراضهم وأموالهم.

3- ورأي يرى أنَّ قتالهم قتال متمرِّدين على السلطة وخارجين على الدولة بغير حقٍّ، وفي الحديث: «مَن أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتكم فاقتلوه» (رواه مسلم)، وهذا الأمر لا يتعلَّق بعقيدتهم، بل بخروجهم على سلطان الدولة التي تواطأ عليها المجتمع.

4- ورأي يرى أنَّ قتالهم قتال الفئة الباغية التي -وإن لم تكفر- إلَّا أنَّها بغت على اليمنيين، وقاتلتهم دون وجه حقٍّ، وأبت الصلح ونقضت العهود والمواثيق، منذ عام 2004م وحتَّى الآن.

5- ورأي يرى بأنَّ قتالهم قتال أهل الحرابة وقطَّاع الطرق والمفسدين في الأرض، نظراً لما أظهره الحوثيون مِن جرائم وجنايات تروِّع الآمنين، وتهدِّد السلم الاجتماعي، وتضرُّ بمصالح الناس الدنيوية في الطرق والحركة والتجارة واقتحام البيوت والمحال ونهبها والاعتداء على أصحابها.

6- ورأي يرى أنَّ قتالهم قتال دفع صائل، حماية للنفس والعرض والمال، وهؤلاء يرون الأمر في بعده الفردي نظراً لوجود اعتداء مستمرٍّ على الأفراد.

7- ورأي يرى أنَّ قتالهم قتال خونة وعملاء وجنود لأجنبي يسعى للاستيلاء على المنطقة بفكر دخيل وأجندات باطلة.

8- ورأي يرى أنَّ قتالهم قتال لكلِّ ما سبق، إذ ما مِن أمر ممَّا سبق إلَّا وفيهم مِنه نصيب وطرف.

وهذا ما يجعل اليمنيين متحفِّزين لقتالهم، لولا الظروف الإقليمية والدولية التي تتحكَّم بمسار الملفِّ اليمني والقضية اليمنية.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة