قراءة لغوية في الهدي النبوي
الصحبة وأثرها في النفس.. بين عبير المسك ودخان الكير
الإنسان بفطرته
كائن اجتماعي لا يحيا بمعزل عن الآخرين، تتشكل شخصيته من محيطه؛ فهو يتعلم ممن
يسمعهم، ويقتدي بمن يعجب بهم، ويتأثر بما يتكرر أمامه من مواقف وتصرفات، والصحبة
ليست مجرد لقاءات تجمع الأجساد، بل هي تفاعل تلتقي فيه الأفكار، وتتأثر به
الأخلاق، وقد رسم رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- صورتها في مشهد حسي تجسيديّ
بالغ الدقة فقال: "إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ
السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا
أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ
رِيحًا طَيِّبَةً. وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا
أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً" (صحيح مسلم: 8/37).
ألفاظ ترسم أثر الصحبة
(إِنَّمَا مَثَلُ) بدأ الحديث الشريف بـ"إِنَّمَا"، وهي أداة تفيد توكيد الكلام وتخصيصه، لبيان أن أحوال الجلساء محصورة تماماً في هذين الصنفين؛ وهو ما يلفت انتباه المستمع لحصر الخيارات أمامه وتحديد مصيره باختياره لصديقه.
(الْجَلِيسِ)
عبر عن الصاحب بالجَلِيس بوزن (فعيل) وهي صيغة مبالغة والمراد الذي يكثر من الجلوس
معك.
وهنا قد يتبادر
إلى الذهن سؤال: لماذا اختار -صلى الله عليه وسلم- لفظ (الجليس) في بدلًا من لفظ
(الصديق)؟ لأن الصديق قد يكون بعيدًا لا يلتقي الإنسان به كثيرًا، أما الجليس
فتكثر مخالطته ومجالسته المباشرة؛ حيث تتبادل الطباع، وتنتقل العادات وهذا أوقع في
التأثير.
(فَحَامِلُ
الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ)، الفاء استئنافية وإِمَّا: حرف تفصيل وتخيير
يفيد حتمية الوقوع.
(يُحْذِيَكَ)
معناها في اللغة: العطاء، والهبة بلا مقابل، والتكرم بالهدية، (فالإحذاء) يحمل في
طياته معنى اللطف، والود، والتأثير الإيجابي، وهذا ما يفعله الجليس الصالح مع
جليسه من النصح والدعاء والخير دون أن ينتظر منه مقابلا.
(وَإِمَّا أَنْ
تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً) تكرار أداة
التخيير (إِمَّا أَنْ، وَإِمَّا أَنْ...) يثير التشويق أولًا ويفيد في الوقت نفسه
(التأكيد) على حتمية وقوع أحد هذه البدائل، فلا يمكن لمجالسٍ أن يسلم من التأثر
بصاحبه.
(يحذيك، تبتاع،
تجد، يحرق) التعبير بالفعل المضارع: لاستحضار الصورة في ذهن السامع، وكأن المشهد
ماثل أمام البصر في الحاضر والمستقبل.
«وَنَافِخُ
الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً»..
(الكِير) هو: منفاخ من جلد غليظ يستخدمه الحداد للنفخ في النار وإشعالها واختيار
هذه الآلة تحديداً يجعل الصورة حية مجسّدة في ذهن السامع (الدخان الكثيف، والشرر
المتطاير، والصوت المزعج)، مما يحدث صدمة تنفيرية في نفس المؤمن ليتجنب جليس السوء
فوراً، فنافخ الكير يجمع بين الأذى البصري والسمعي والشمّي فالضرر واقع ومحتوم لا
محالة؛ إذ لا يمكن لشخص أن يجلس بجوار حداد ينفخ كيره ويخرج ناصع الثياب طيب
الرائحة، فكذلك لا يمكن لمن يجالس أهل الفساد أن يسلم من شرهم أو من تشويه سمعته.
وهنا قد يثار
سؤال: ما السر في اختيار (نافخ الكير) بدل من (نافخ التنور، أو الموقد)؟ لأن نافخ
التنور فيه نفع مع وجود النار؛ لأن التنور يُطبخ فيه الطعام ويُخبز، أما نافخ
الكير فناره فيها أذى وتشويه، إذ تُستخدم لإذابة المعادن وتطاير الشرر، وتنبعث
منها رائحة كريهة، وهو الوصف المطابق تماماً لجليس السوء الذي لا يأتي من ورائه أي
منفعة لدين المرء أو دنياه.
وهذا ما أكده
القرآن الكريم عندما صور ندم الإنسان حين يكتشف أن صديقه قد قاده إلى طريق الهلاك،
فيقول سبحانه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا *
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: 28-29].
المسك والكير.. صورتان وعاقبتان
لقد جمع رسولنا
الكريم في هذا التصوير البليغ بين دقة اللغة، وعمق المعنى، وجمال الصورة، وتحويلها
إلى لوحة حسية مجسّدة تُرى وتُشم، وهو ما يترك أثرًا عميقًا في النفس للتفريق بين
الصنفين. ومن ذلك:
1- التشبيه
التمثيلي: بدأ بالتشبيه التمثيلي الذي يقرب الصورة في ذهن السامع، ويجعلها ماثلة
أمام عينه، حيث شبّه هيئة الجليس الصالح وما يترتب على مجالسته من أثر الإيجابي بـ
(هيئة حامل المسك الذي لا يأتيك منه إلا الخير سواء أهداك، أم باع لك، أم شممت منه
رائحة طيبة)؛ وفي المقابل، شبه (هيئة جليس السوء وأثره المدمر) بـ (هيئة نافخ
الكير الذي يؤذيك إما بحرق ثيابك بالشرر أو بإفساد هوائك بالرائحة الخبيثة).
2- المقابلة:
الحديث مبني على مقابلة بديعية كاملة بين صورتين متضادتين (المسك) يقابله الكير،
(الرائحة الطيبة) تقابلها (الرائحة الخبيثة)، (العطاء والانتفاع) يقابله (الاحتراق
والأذى)، وهذا يزيد المعنى وضوحا؛ لأن الشيء يزداد ظهوره بجوار نقيضه، فالسامع
ينتقل من صورة العطر والانتفاع إلى صورة النار والدخان، فيشعر بالتباين بين
العاقبتين.
3- الإجمال ثم
التفصيل: لأن في الإجمال تشويق الذهن وجذب الانتباه ثم ترسيخ المعنى وإقناع العقل
بالدليل الحسي في التفصيل.
4- الدقة
البلاغية في اختيار الألفاظ وعلاقتها بالواقع: فاختيار "المسك" يوحي
بالجمال، السمو، والراحة النفسية، واختيار "الكير" يوحي بالضيق والأذى.
5- التدرج في
ذكر النفع والضرر: حيث بدأ مَعَ حَامِلِ المِسْكِ من الأعلى إلى الأدنى فبدأ
بِالأَعْلَى نَفْعًا (العَطِيَّة)، ثُمَّ الأَقَلَّ (الشِّرَاء)، ثُمَّ الأَدْنَى
(مُجَرَّد الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ)، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مُجَالَسَةَ
الصَّالِحِ لَا يَخْلُو المَرْءُ مِنْهَا مِنْ خَيْرٍ بِأَيِّ حَالٍ فقد ينتفع
المرء بالعلم الذي يسمعه، أو بالأخلاق التي يراها، أو بمجرد وجوده في بيئة صالحة.
وَعَكَسَ ذَلِكَ
مَعَ نَافِخِ الكِيرِ، حيث بَدَأَ بِالضَّرَرِ الأَكْبَرِ (إِحْرَاقِ الثِّيَابِ)،
ثُمَّ الضَّرَرِ الآخَرِ (الرَّائِحَةِ الخَبِيثَةِ)، وفي هذا تحْذِير بَلِيغ مِنْ
خُطُورَةِ الصحبة مع أَهْلِ الشر أو الاقتراب منهم؛ لأن أذاهم قد يقتصر في البداية
على أثر خفي يعلق بالنفس، ثم يتطور مع طول المخالطة.
من مجالسة الأشخاص إلى متابعة الحسابات
وفي عصرنا
الحاضر مع وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد الصحبة محصورة في الجليس الذي نراه؛
فقد يكون المرء بعيدًا عنا مكانًا، لكنه قريب منا فكرًا وتأثيرًا عبر ما ينشره وما
نتابعه باستمرار. ومن ثمّ، أصبح اختيار المحتوى الذي نشاهده، والحسابات التي
نتابعها، والمجموعات التي نتشارك فيها، جزءًا من تشكيل وعينا وسلوكنا.
هذا الهدي
النبوي يرسم لوحة إرشادية تبقى في الذاكرة تهدف إلى الوعي بما تتركه الصحبة في
النفس والسلوك موضحًا أثرًا معنويًا قد لا ينتبه إليه الإنسان بسهولة، وهو انتقال
الطباع والأفكار والعادات بالمجالسة، ومن هنا تبرز إحدى أهم الحقائق النفسية
والاجتماعية: "قل لي من تصاحب، أقُل لك من أنت".
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً