المجاورة في العربية.. من حق الجار إلى تناسب الألفاظ

العنوان وصورة الكاتبة وصور تعبيرية لحقوق الجار

تتجاوز المجاورة في العربية معنى القرب المكاني إلى علاقةٍ يظهر أثرها في حياة الناس وفي بناء اللغة؛ فكما أن للجار حقًّا على جاره، فإن لتجاور الألفاظ أثرًا في أصواتها وصيغها وتراكيبها ودلالاتها. و«الجار» مأخوذ من مادة «ج و ر»، ومن معانيها: القرب والمجاورة؛ ويقال: جاوره يجاوره مجاورةً، أي كان قريبًا منه وساكنًا بجواره.

وقد توسعت العرب في استعمال كلمة «الجار»، فلم تجعلها مقصورة على مَن يسكن البيت الملاصق، أو التعبير عن مجرد موقع جغرافي فحسب، بل أطلقتها على صور متعددة تحمل في أعماقها معنى العلاقة القائمة على القرب والتي تقتضي نوعًا من الرعاية، والتعهد والحفظ والمراعاة؛ فالصاحب في السفر جار، والزميل في العمل جار، فالجوار في الوعي العربي أن أشعر أن وجودك إلى جواري يحمّلني مسؤولية أخلاقية تجاهك.

وقد أوصى الإسلام بحق الجوار وشدد عليه في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء: 36).

وبلغ الاهتمام بالجار في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغًا كبيرا جعله يتوقع أن الجار في منزلة الوارث من شدة ما ورد في حقه من الوصية من جبريل عليه السلام جاء ذلك في حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".

المجاورة في العربية.. تناسب الألفاظ والتراكيب

إن الكلمة في العربية لا تعيش منعزلة، بل تكتسب أبعاداً دلالية جديدة فالتجاور يولد طاقة تعبيرية هائلة، قد تحيل اللفظة من معناها الحقيقي إلى معنى مجازي بليغ.

ويقصد بتجاور الألفاظ والتراكيب ذلك التوافق والانسجام الحاصل بين كلمتين أو جملتين نتيجة وقوعهما جنبا إلى جنب في سياق تعبيري واحد؛ فالتجاور اللفظي ليس مجرد صف عشوائي للمفردات، بل هو نظام دقيق يحكمه قانون "الحق اللغوي"؛ إذ لكل لفظة حق في موقعها، ولكل تركيب حق في سياقه؛ وهو ما يجعل النص لوحة فنية متناسقة الأجزاء.

وقد راعت العرب حق الجوار في ألفاظها المتصلة والمنفصلة وجميع مستوياتها (النحوية والصرفية والصوتية، والبلاغية).

ومن مراعاة المجاورة في العربية في المفردات قولهم: «صِبية، وعِلية» أصلها صِبوة من «صبوت» وعِلوة من «علوت» ولكن لما جاورت الواو الكسرة ولم يعتد الساكن لضعفه قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة.

ومنه أيضا جواز إبدال الواو همزة لمجاورة الضمة نحو: مؤسى أدؤر في موسى وأدور فالواو لما جاورت الضمة صارت كأنها مضمومة فجاز همزها وعليه جاءت قراءة ابن كثير «فَاسْتَوَى على سؤقه» مَهْمُوز.

الجوار النحوي.. حين تتأثر حركة الإعراب

وهو أن تأخذ الكلمة حركة إعرابية تخالف ما تستحقه أصالةً، وذلك لمجرد مجاورتها لكلمة أخرى تحمل تلك الحركة. ومن أشهر أمثلته: في النعت "هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"؛ فكلمة "خربٍ" جاءت نعتا لـ"جُحرٌ" (المرفوع لأنه خبر)، وكان القياس أن يقال "خربٌ"، ولكنها جُرّت بالكسرة، وقد خرجوها على مجاورتها المباشرة للمضاف إليه المجرور وهو كلمة (ضبٍّ). وهذا المثال هو أشهر الشواهد اللغوية التي ركز عليها النحاة القدامى.

وجاء مراعاة الجوار في شعر العرب كثيرا، ومنه قول الشاعر:

أَطُوف بهَا لَا أرى غَيرهَا   كَمَا طَافَ بالبيعةِ الراهبِ

فخفض "الراهب" على الجوار، وَالْوَجْه فِيهِ الرّفْع لأنه فاعل كما جاء في القراءات القرآنية المتواترة كما في قوله تعالى: (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٍ) (الإنسان: 21).

قرأ ابن عامر "وإِسْتَبْرَقٍ" بِالْجَرِّ، وخرجها بعضهم على المجاورة لكلمة "سُندُسٍ" المجرورة بِتَقْدِيرِ: وَثِيَابُ إِسْتَبْرَقٍ، مع أنها معطوفة في الأصل على "ثيابُ" المرفوعة (أو خُضرٌ).

التناسب الصرفي.. أثر الجوار في بنية الكلمة

من ذلك زيادة الحرف على اللفظ لمناسبة الفواصل في كلمة (السبيلا) في قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب: 67).

وأصلها "السبيلَ" وزاد الألف ليتناسب مع الفواصل التي قبله (الرسولا) والتي بعده (كبيرا) ومثاله أيضا نقل حركة الحرف الموقوف عليه إلى الساكن الصحيح قبله كراهة اجتماع الساكنين نحو: هذا بكُرْ، ومررت ببكِرْ.

الانسجام الصوتي.. أثر الجوار في نطق الحروف

تتأثر الأصوات داخل الكلمة الواحدة أو بين كلمتين متجاورتين لتسهيل النطق وتحقيق الانسجام الصوتي؛ من ذلك إبدال الحروف لمجانسة المجاور (الصراط): في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، الأصل اللغوي للكلمة هو (السراط) (بالسين)، ولكن قلبت السين صاداً لمجاورتها حرف (الطاء). فالطاء حرف مفخم مستعلٍ، والصاد تشاركها في التفخيم والاستعلاء، بينما السين حرف مرقق؛ فجاء الإبدال لمراعاة تجاور الحروف المفخمة لخفة النطق.

ومنه فك الإدغام بسبب التقارب والجوار: ومثال المجاورة في العربية ما جاء في الحديث أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لنسائه: "لَيْتَ شِعْري أيَّتُكن صاحبةُ الْجمل الأدْبَبِ تنبحَها كِلابُ الحَوْأَبِ". والأصل "الأدَبِّ" فأظهر التَّضْعِيف، ليناسب كلمة الحَوْأَبِ

صيغ الإتباع اللفظي: وهي كلمات يقرنها العرب ببعضها على وزن واحد لمجرد المجاورة والمشاكلة الموسيقية، كقولهم: "ما تركت السنة شَفرا ولا ظَفرا"؛ ففتحوا ظاءه وأصله الضم (ظُفر)؛ لأنه وقع جوار كلمة شفر مفتوحة الفاء للمشاكلة الموسيقية بينهما.

المشاكلة البلاغية.. حين تستعير المعاني ألفاظ جاراتها

تظهر مراعاة المجاورة في العربية في صياغة الجمل والتركيب البلاغي عبر ما يُعرف بـ المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ومجاورته، ومنه ما جاء في قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) (الشورى: 40).

فالقصاص العادل ورد العقوبة، ورفع الظلم ليس "سيئة" في الحقيقة، ولكنه سُمي "سيئةً" لمجاورته ومشاكلته للفظ السيئة الأولى في التركيب.

ومنه قول الشاعر عمرو بن كلثوم:

ألا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا   فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِيْنَا

سمى رد اعتداء الجاهلين بـ«الجهل» مراعاةً لمجاورته للفظ جهل المعتدين، والرد في حقيقته عقوبة وانتصار وليس جهلاً.

إن العناية بتجاور الألفاظ والتراكيب فن كلامي بديع، والعرب مولعون بمراعاة مبدأ التناسب؛ طلبا للخفة في كثير من ألفاظ لغتهم على مستويات مختلفة مما يقود الكاتب والشاعر نحو التميز والإبداع؛ فالكلمات كالنجوم في السماء، لا يكتمل سناها إلا بحسن صفها وجودة توزيعها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة