من سير التابعين

حين تُختبر الأمانة.. الحسن بن الحسن والحجاج

د. نصر حسن

01 نوفمبر 2026

11

تصوير رمزي لأمانة إدارة الوقف وحفظ شروطه، وليس وثيقة تاريخية أصلية.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن الزبير بن بكار، أن الحسن بن الحسن بن علي كان يتولى صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن الحجاج بن يوسف طلب منه أن يُدخل عمه عمر بن علي في الصدقة، فرفض الحسن تغيير شرط علي، ثم قصد عبد الملك بن مروان، فأكرمه وكتب له كتابًا إلى الحجاج لا يتجاوزه(1).

تطرح هذه الواقعة سؤالًا عن صيانة الأمانة حين تضغط السلطة والقرابة على القرار، وتُختبر حدود المسؤولية، فلا يقتصر حفظ الحق على رفض ما يخالفه، بل يمتد إلى حسن تدبير الخلاف والسعي إلى الإنصاف.

وتتصل أمانة القرار بسلامة المرجع الذي يستند إليه، وعدالة المعيار الذي يُطبَّق، وحسن اختيار الوسيلة التي يُعالَج بها النزاع، فالمسؤول لا يملك أن يتصرف في الحقوق وفق رغباته، كما لا يكفي أن يتمسك بموقفه دون أن يسعى إلى معالجة الخلاف بالطريق المشروع، وتظهر الأمانة في اجتماع هذه الجوانب: سلامة التصرف، والقدرة على بيان أساسه، والسعي إلى الإنصاف دون محاباة أو تعسف.

الحسن بن الحسن ....حدود التصرف الإداري في الوقف والمال العام

تقوم الولاية على المال على التمييز بين سلطة إدارته وملكيته؛ فحق التصرف فيه لا يتجاوز الغرض الذي خُصص له، والناظر مؤتمن على المال، ومسؤوليته مقيدة بالغرض الذي جُعل من أجله.

وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم أصل هذا المعنى في الوقف، حين أرشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أرض خيبر إلى حبس أصلها والتصدق بثمرتها، فقال: «‌إِنْ ‌شِئْتَ ‌حَبَسْتَ ‌أَصْلَهَا ‌وَتَصَدَّقْتَ ‌بِهَا»(2)؛ فقد جُعل أصل الأرض محبوسًا، ومنفعتها موجهة إلى الصدقة، فلا ينفصل التصرف فيها عن الغرض الذي خُصصت له، وهذا هو الفارق بين ولاية المال وملكيته: أن الولاية تمنح حق التصرف في حدوده المشروعة، ولا تمنح صاحبها حق تغيير الغرض الذي خُصص له.

ولا يقتصر هذا القيد على الأوقاف، بل يشمل المال العام الذي يُعهد إلى المسؤول تدبيره؛ إذ لا يكفي اعتياد الانتفاع من مورد عام لتبرير استمراره، وإنما ينبغي أن يبقى الصرف مرتبطًا بالحاجة والمصلحة التي أُجيز من أجلها، وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، والي المدينة، معاتبًا إياه بشأن ما كان يُصرف لأمراء المدينة من الشمع، وذكّره بحاله قبل الولاية، فقال: «ولعمري أنت يومئذ خير منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك»(3)، فالممارسة الإدارية المعتادة لا تتحول بمجرد تكرارها إلى استحقاق، ولا تعفي المسؤول من مراجعة مشروعية الصرف وضرورته.

وفي المؤسسات الخيرية اليوم، يقتضي القرار المسؤول تحديد الاختصاص والتحقق من حدود التفويض، ثم مراجعة الغرض الذي جُمع المال أو خُصص من أجله، فحفظ المال لا يكتمل بمجرد صيانته من الضياع، بل يشمل صيانة وجهته؛ لأن المسؤول مؤتمن على إنفاقه في حدود الغرض المخصص له، وليس مالكًا لحق تغييره وفق تقديره الشخصي.

حدود الالتزام بشرط الواقف عند معارضة الشريعة

احتجاج الحسن بن الحسن بشرط علي يثير سؤالًا أصوليًا: متى يكون الشرط ملزمًا؟ فالشرط معتبر بقدر مشروعيته، وليس كل ما يشترطه الإنسان واجب التنفيذ مهما كان مضمونه، والعبارة الفقهية «شرط الواقف كنص الشارع»(4)، لا تجعل كلام الواقف بمنزلة النص الشرعي في وجوب الاتباع؛ وقد ناقش ابن القيم هذه العبارة، وبيّن أن أقصى ما يصح منها هو اعتبار نص الواقف في فهم الدلالة وتعيين المقصود، لا إلزام الناس بكل شرط ولو خالف الشرع أو ما هو أولى منه.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرط المخالف لكتاب الله لا يُعتد به؛ ففي حديث بريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ‌اشْتَرَطَ ‌شَرْطًا ‌لَيْسَ ‌فِي ‌كِتَابِ ‌اللهِ ‌فَلَيْسَ ‌لَهُ، ‌وَإِنْ ‌شَرَطَ ‌مِائَةَ ‌مَرَّةٍ، ‌شَرْطُ ‌اللهِ ‌أَحَقُّ وَأَوْثَقُ»(5)؛ فالشرط لا يستمد قوته من مجرد صدوره عن صاحبه، بل من اعتباره شرعًا وصحة العمل به.

وفي واقعة الحسن بن الحسن، كان رفض تغيير شرط علي متعلقًا بصيانة ما اؤتمن عليه من ولاية الصدقة، لا بإقرار قاعدة تمنع مراجعة كل شرط أو ترتيب سابق، فاحترام الشرط المعتبر لا يعني تجميد الاجتهاد، كما أن تعديله لا يصح لمجرد ضغط صاحب نفوذ، بل ينبغي أن يستند إلى مسوغ معتبر ويسلك الطريق المشروع.

وفي مراجعة لوائح المؤسسات، لا يكفي التمسك بعبارة «هكذا كان النظام»؛ بل يلزم التحقق من مشروعية القاعدة أولًا، ثم الالتزام بها ما دامت معتبرة، أو تعديلها بالطريق المشروع إذا اقتضت الحاجة.

عدل القرابة.. حين لا تحل الصلة محل الاستحقاق

استند طلب الحجاج، بحسب الرواية، إلى قرابة عمر بن علي ومكانته العائلية، لكن صلة الرحم لا تثبت وحدها استحقاقًا، كما أن القرابة لا تسقط حقًّا ثبت لصاحبه؛ فالمعيار هو الحق الذي يحكم التصرف، لا منزلة الشخص وصلته بأصحاب القرار، قال تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135)، فلا تُبيح القرابة محاباةً، ولا يكتمل العدل إلا إذا استوى القريب والبعيد أمام الحق.

ولا يقتصر أثر القرابة على تفضيل شخص في قرار، بل قد يمتد إلى طلب ولاية تتيح لصاحبها نصيبًا من مال يتولّى غيره توزيعه، فقد اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب، وأرادا أن يطلبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يولّي ابنيهما على الصدقات، فقالا: « فَقَالَا: وَاللهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ، إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَاهُ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ، وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ، جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا، فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: لَا تَفْعَلَا، فَوَاللهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ»، ثم ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبيّن حكم الصدقة في آل محمد، وقال: «‌إِنَّ ‌الصَّدَقَةَ ‌لَا ‌تَنْبَغِي ‌لِآلِ ‌مُحَمَّدٍ ‌إِنَّمَا ‌هِيَ ‌أَوْسَاخُ ‌النَّاسِ»(6)؛ فلم تكن مكانة آل البيت مسوغًا لتولي عمل على الصدقات أو الانتفاع بها على خلاف الحكم الشرعي؛ إذ لا تكفي الرغبة في الولاية، ولا القرابة من صاحب السلطة، لإثبات استحقاق يخالف الأحكام المنظمة للمال.

وفي التوظيف والمنح وتوزيع الموارد، لا ينبغي أن تتحول صلة القرابة إلى امتياز على حساب المستحقين، فلتكن صلة الرحم بابًا للبر، لا سبيلًا للمحاباة، وليتقِ اللهَ المرءُ في الحقوق، قريبًا كان صاحبها أم بعيدًا.

أدب الرفض.. وضوح الحجة وضبط النفس

لا تُقاس بلاغة الرفض بحدة العبارة، بل بوضوح ما يستند إليه صاحبه، ولا سيما حين يُطالَب بتغيير أمر اؤتمن على حفظه؛ إذ يحتاج إلى بيان أساس موقفه دون أن يحوّل الخلاف إلى خصومة شخصية، وقد قال الحسن بن الحسن: «لا أغير شرط علي»، فقد حدّد رفضه في مسألة بعينها، وربطه بشرط علي الذي تولّى أمره، فلم يجعل مكانة صاحب الطلب مبررًا لتغييره، وجاء جوابه موجزًا واضحًا، متمسكًا بأصل الخلاف دون أن ينصرف إلى مجادلة صاحب الطلب أو الانتقاص منه.

وقد يواجه المرء ضغطًا لا يقف عند طلب تغيير قرار، بل يمتد إلى دعوته للالتزام بما لا يراه موافقًا لعهده مع الله؛ وعندئذٍ يكون وضوح المرجعية أساسًا للثبات، فقد قال مطرّف بن عبد الله الشِّخِّير لمن دعوه إلى أمرٍ رفضه: «إن الله قد أخذ علي عهدًا في كتابه، فلن أحدث عهدًا سوى العهد الذي أخذه الله عز وجل علي»(7)؛ فلم يجعل مطرّف إلحاح القوم سببًا للتنازل عما يعتقد لزومه، بل ردّ موقفه إلى العهد الذي يستند إليه؛ فكان رفضه جوابًا عن أصل الطلب، لا مواجهةً شخصية مع أصحابه.

ويبقى ضبط النفس لازمًا حين يشتد الخلاف؛ إذ قد تكون الحجة واضحة، لكن الغضب يفسد طريقة عرضها ويحوّل الدفاع عن الحق إلى إساءة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌لَيْسَ ‌الشَّدِيدُ ‌بِالصُّرَعَةِ، ‌إِنَّمَا ‌الشَّدِيدُ ‌الَّذِي ‌يَمْلِكُ ‌نَفْسَهُ ‌عِنْدَ ‌الْغَضَبِ»(8)؛ فالقوة ليست في غلبة الخصم أو قهره بالكلام، بل في أن يثبت المرء على الحق ويملك نفسه عند الخصومة؛ فتجتمع صلابة الموقف وحسن الخطاب.

وفي الخلاف المهني، تُثبّت الحجة الواضحة الموقف أكثر مما تفعل حدة الخطاب؛ فليبيّن المرء سبب رفضه، وليتمسك بما يسنده الدليل، وليصن لسانه عن التجريح، فبلاغة الرفض حزمٌ في الموقف، ووضوحٌ في الحجة، وانضباطٌ في التعبير.

مرونة الوسيلة في السعي لاسترداد الحقوق

انتقال الحسن بن الحسن إلى عبد الملك بن مروان يبرز أن ثبات المرء على طلب حقه لا يستلزم حصر الطريق في مواجهة واحدة؛ فقد يقتضي الإنصاف نقل القضية إلى جهة أخرى تملك النظر فيها، حين لا تفضي المواجهة الأولى إلى حل، ولا يعني تغيير مسار المطالبة التراجع عن الحق، بل قد يكون اختيار الوسيلة الأنسب سبيلًا إلى استرداده.

وتظهر هذه المعاني في خبر الرجل الزبيدي الذي قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، ثم حبس عنه حقه، فلما لم يجد من ينصفه، صعد أبا قبيس وأعلن مظلمته، فقام الزبير بن عبد المطلب، واجتمعت جماعة من قريش وتعاهدوا على نصرة المظلوم حتى يُؤدَّى إليه حقه، ثم انتزعوا سلعة الزبيدي، وارتبطت الواقعة بحلف الفضول، الذي قام على نصرة المظلوم ورد الحقوق إلى أصحابها(9)، فلم يتوقف الزبيدي عند تعذّر استرداد حقه بالوسيلة الأولى، بل انتقل إلى وسيلة أخرى، فأعلن مظلمته حتى وجد من يعينه على استردادها.

وهذا هو وجه الصلة بموقف الحسن بن الحسن؛ إذ لم يحصر مطالبته في خلافه مع الحجاج، بل قصد عبد الملك بن مروان، راجيًا أن يُنظر في مظلمته من جهة أعلى، فاختلاف الوسيلة لا يعني التنازل عن أصل الحق، كما أن التصعيد ليس غاية في ذاته؛ إنما يُلجأ إليه حين تقتضيه الحال ويُرجى به الإنصاف.

فلا ييأس صاحب الحق إذا تعذّر عليه طريق، وليطلب الإنصاف بالحكمة، وليجعل غايته رفع الظلم لا الانتقام؛ فالسعي إلى العدل يحتاج إلى ثبات في المقصد وحسن في اختيار الوسيلة.

التوثيق المكتوب.. من إثبات الموقف إلى متابعة التنفيذ

لا تقف معالجة المظلمة عند إبداء التعاطف مع صاحبها؛ إذ تظل الحاجة قائمة إلى موقف يترجم الإنصاف إلى إجراء، وفي خبر الحسن بن الحسن، لم يقتصر الأمر على إكرام عبد الملك بن مروان له، بل ذكر الخبر أنه كتب إلى الحجاج بشأن قضيته، وينقل هذا التفصيل الواقعة من حسن المعاملة إلى اتخاذ إجراء مكتوب يتصل بالنزاع، وإن لم يورد الخبر نص الكتاب أو تفاصيل ما تضمّنه.

ولا تقتصر الكتابة على توثيق الإجراءات المتعلقة بالمظالم، بل تمتد إلى تثبيت الأمان، فقد طلب سراقة بن مالك من النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا يأمن به، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عامر بن فهيرة أن يكتبه له في رقعة من أديم(10)، فكان طلب الكتاب جزءًا من طلب الأمان نفسه؛ إذ أراد سراقة أن يثبت له ما يأمن به، بحيث يمكنه الرجوع إلى الكتاب عند الحاجة.

وفي الإدارة، تتأكد هذه الحاجة حين تتطلب القرارات وضوحًا يتجاوز لحظة صدورها؛ فالتوجيه المكتوب يحدد ما تقرر بشأن القضية، ويتيح الرجوع إلى مضمونه عند الاختلاف، لكنه لا يغني عن متابعة التنفيذ، لذلك لا يكتمل الإنصاف بحسن استقبال المتظلم أو إبلاغه بقرار فحسب، بل يتطلب قرارًا واضحًا، ومسؤولية محددة عن تنفيذه، ومتابعةً تضمن ألا يبقى الحق حبيس القول.

إنصاف الشخصيات التاريخية.. موازنة بين الخطأ والفضيلة

لا تجعل استجابة عبد الملك للحسن تاريخه كله محل تزكية، كما لا تجعل إساءة الحجاج في هذه القضية كل ما يصح عنه موضع إدانة، فإنصاف التاريخ يبدأ من التمييز بين الحكم على المواقف والحكم على أصحابها؛ إذ لا تتحول الحسنة إلى تزكية شاملة، ولا يتحول الخطأ إلى إدانة لكل السيرة، قال الله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فالآية تجعل العدل واجبًا حتى مع من نبغضهم، فلا يجوز أن تتحكم الخصومة في تقدير أفعالهم أو في نقل أخبارهم.

وقد يبلغ الخلاف حدًّا تنشأ عنه خصومة شديدة، لكن ذلك لا يسوّغ إنكار ما للمخالف من حرمة، فقد ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قاتل الزبير بن العوام رضي الله عنه قوله: «بشِّر قاتل ابن صفية بالنار»(11)، فلم تمنع الخصومة عليًّا من إنكار قتل الزبير، ولم تجعل الخلاف السابق مبررًا للاعتداء عليه، وتذكّر هذه الواقعة بأن إنصاف المخالف لا يقتضي موافقته في كل موقف، بل يقتضي ألا يُتخذ الخلاف ذريعةً لتسويغ الظلم أو الانتقاص من حرمة صاحبه.

ولا يقتصر الإنصاف على الاعتراف بحق المخالف في موضع الخصومة؛ بل يشمل أيضًا تقويم سيرته دون أن يستأثر عيب واحد بالحكم عليها، ويُنسب إلى سعيد بن المسيب قوله: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه؛ من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله»(12)، فقد يجتمع في الإنسان فضل ونقص، ولا يستقيم تقويمه بإلغاء أحدهما؛ إذ لا يمحو الخطأ ما ثبت من فضل، ولا يجعل الفضل صاحبه بمنأى عن النقد حين يقتضيه الحق.

وعلى هذا الميزان تُقرأ سير الرجال وتُكتب أخبارهم: فلا تُضخَّم أخطاء المخالف انتقامًا منه، ولا تُخفَ أخطاء الموافق دفاعًا عنه، ولا يُنتقى من تاريخ أيٍّ منهما ما يخدم موقفًا مسبقًا، فإنصاف التاريخ أن تُحفظ للفضل منزلته، وللخطأ حقيقته، وللوقائع حدودها؛ فلا تتحول المحبة إلى تزكية مطلقة، ولا تتحول الخصومة إلى إدانة شاملة.

نزاهة السعي.. الصبر ومواصلة العمل رغم غموض النتائج

قد يواجه الإنسان ابتلاءً لا يملك رفعه فورًا، فلا يكون تأخر زواله دليلًا على فساد سعيه أو انعدام قيمته، وقد خيّر النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي كانت تُصرع بين أن تصبر ولها الجنة، وبين أن يدعو الله لها بالعافية؛ فاختارت الصبر، وطلبت أن يدعو الله لها ألا تتكشف(13)؛ فجمعت المرأة بين قبول البلاء والصبر عليه، وطلب ما تستطيع من دفع الضرر المصاحب له؛ فلم تجعل الصبر مانعًا من الدعاء، ولم تجعل استمرار البلاء سببًا لترك ما اختارته من احتساب.

أما الاستمرار في العمل، فلا يتوقف على امتلاك اليقين بالعاقبة؛ فقد قال هرم بن حيان: «‌لو ‌قيل ‌لي ‌إني ‌من ‌أهل ‌النار ‌لم ‌أدع ‌العمل لئلا تلومني نفسي فتقول لي: ألا صنعت ألا فعلت»(14)، فلم يجعل هرم ما لا يعلمه عن مآله حجةً لترك ما يستطيع من العمل، بل أبقى مسؤوليته حاضرةً مهما غابت عنه النتيجة.

وفي الإدارة والعمل العام، قد يعجز المسؤول عن ضمان النجاح، لكنه يملك أن يتحقق من المعلومات، ويلتزم بالإجراءات الصحيحة، ويوثق قراره، ويراجع أثره، ويصحح الخطأ إذا ظهر، فنزاهة السعي ليست ضمانًا لنتيجة لا يملكها الإنسان، بل أمانة فيما يملك: أن يبذل وسعه، ويؤدي حق غيره، ولا يتخذ تعثر النتائج عذرًا للتقصير، ولا يتخذ حسن قصده مبررًا لرفض المراجعة، وهكذا لا تُقاس المسؤولية بما يتحقق للمرء وحده، بل بما أداه من واجب، وما حفظه من حق، وما بذله من جهد صادق في سبيل العدل.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 485)؛ شرح الأثر: تولى الحسن بن الحسن الإشراف على صدقة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فطلب منه الحجاج أن يُدخل عمه عمر بن علي فيها، محتجًّا بقرابته منه، لكن الحسن رفض قائلًا: «لا أغير شرط علي»، متمسكًا بالأمانة التي تولّاها، ولم يستجب لضغط الحجاج، ثم قصد عبد الملك بن مروان، فاستقبله وأكرمه وكتب له كتابًا إلى الحجاج يحميه من تجاوز ما أُمر به، ويبرز الموقف حرص الحسن على الوفاء بالشرط وعدم تغييره استجابةً للنفوذ أو اعتبارات القرابة.
  • 2 متفق عليه، أخرجه البخاري (2737)، ومسلم (1632).
  • 3 سيرة عمر بن عبدالعزيز: عبدالله بن عبد الحكم المصري، ص61.
  • 4 إعلام الموقعين عن رب العالمين: ابن قيم الجوزية (1/ 238).
  • 5 متفق عليه، أخرجه البخاري (2561)، ومسلم (1504).
  • 6 أخرجه مسلم (1072).
  • 7 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 204).
  • 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
  • 9 أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه: أبو عبدالله محمد الفاكهي (2/ 194 - 195).
  • 10 أخرجه البخاري (3906).
  • 11 فضائل الصحابة: أحمد بن حنبل (2/ 737).
  • 12 صفة الصفوة: ابن الجوزي (1/ 347).
  • 13 متفق عليه، أخرجه البخاري (5652)، ومسلم (2576).
  • 14 الزهد: أحمد بن حنبل (189).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة