بر الأم عند محمد بن سيرين.. حين تتحدث التفاصيل

عبدالله السيد

04 نوفمبر 2026

13

ثياب لينة وأقمشة مصبوغة مع إضافة رسم تعبيري لشخص يقف أمام أمه ، رمزًا للبر الذي يظهر في مراعاة المشاعر

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1) عن حفصة بنت سيرين، أن أم محمد كانت حجازية تحب الصبغ، فكان يشتري لها ألين الثياب، ويصبغ لها ثيابها في الأعياد، ولم يُرَ رافعًا صوته عليها، بل كان يكلمها بصوت خفيض كالمصغي إليها.

وروى عن ابن عون أن محمدًا كان إذا جلس عند أمه خفض صوته حتى يظنه من لا يعرفه مريضًا(2).

ليس أعجب ما في هذا الخبر أن محمد بن سيرين كان بارًّا بأمه، وإنما تلك التفاصيل الدقيقة التي تكشف عن برٍّ تجاوز أداء الواجب إلى مراعاة المشاعر، وتحول من محبة في القلب إلى عناية في السلوك، فهذا الإمام الذي عُرف بعلمه وورعه ومكانته بين التابعين، لم تمنعه منزلته من أن يكون بين يدي أمه ابنًا متواضعًا، يعرف ما يسعدها، ويخفض صوته إجلالًا لها.

لماذا لا يكفي العطاء المالي لإسعاد الوالدين؟

تقول حفصة بنت سيرين عن أخيها: «وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد».

لم يكن محمد بن سيرين يكتفي بشراء ما تحتاج إليه أمه، بل كان يختار ما يحقق راحتها.

وعبارة «ألين ما يجد» تكشف عن عناية بنوعية ما يقدمه، لا بمجرد تقديمه؛ فالبر ليس في مقدار العطاء وحده، وإنما في ملاءمته لحاجة من يُعطى وذوقه.

ثم تضيف حفصة: «وكان يعجبها الصبغ»، وتذكر أنه كان يصبغ لها ثيابًا في العيد.

وهنا يرتقي البر من توفير الراحة إلى إدخال السرور؛ فقد عرف ما تحبه أمه من الألوان، وجعل العيد مناسبة لإسعادها بما يوافق ذوقها.

ويتسع هذا المعنى في صور البر التي نقلتها السيرة؛ فقد أكرم النبي صلى الله عليه وسلم مرضعته حليمة السعدية رضي الله عنها حين قدمت عليه بالجِعرانة، فبسط لها رداءه لتجلس عليه، إكرامًا لها وتقديرًا لحقها(3).

وعلى هذا الطريق سار أهل البر في عنايتهم بأمهاتهم؛ فقد رُوي عن مسعر بن كدام أنه قال: «استسقت أم مسعر ماءً منه في بعض الليل؛ فذهب فجاء بقربة ماء، فوجدها قد غلبها النوم، فثبت بالشربة على يديه حتى أصبح»(4)؛ فالإحسان لا يقف عند تلبية الحاجة، بل يظهر في مراعاة خاطر الوالدة، واحتمال المشقة من أجل راحتها.

وفي هذا معنى تربوي مهم؛ أن الإحسان إلى الوالدين لا يقتصر على الطعام والكساء والنفقة، بل يشمل الانتباه إلى رغباتهما المباحة، وما يمنحهما الشعور بالاهتمام والتقدير.

وقد تكون هدية صغيرة يعرف الابن أن أمه تحبها أبلغ أثرًا من هدية ثمينة لا تراعي ذوقها، فالعبرة ليست بقيمة ما يُقدَّم وحدها، بل بما يحمله من معرفة ومحبة.

كيف يترجم خفض الصوت توقير الوالدين عمليًا؟

تقول حفصة: «وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلمها كالمصغي إليها»؛ جمعت هذه العبارة بين أدبين عظيمين؛ لين الخطاب، وحسن الإصغاء.

فخفض الصوت يدل على التوقير، وهيئة المصغي تعكس اهتمامًا بكلام الأم، فلا يستعجل الابن حديثها، ولا يتعامل معه كأمر ثانوي.

وهذا من المعاني التي يرشد إليها قوله تعالى: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) (الإسراء: 23).

فالآية لا تكتفي بالنهي عن التأفيف والنهر، بل تأمر بالقول الكريم، وهو ما يتضمن حسن العبارة ولين الجانب والتوقير.

ولا يقف هذا الأدب عند خفض الصوت وحسن الإصغاء، بل يمتد إلى هيئة الابن وسكينته بين يدي والديه، فقد روى أبو بكر بن عياش أنه كان يجلس مع منصور بن المعتمر في منزله، فكانت أمه تصيح به، وكانت فظة غليظة، فتقول: «يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى عليه»، وهو جالس واضع لحيته على صدره، لا يرفع طرفه إليها(5)، فكانت سكينته وتواضعه في حضرة أمه شاهدًا على أن توقير الوالدين ليس كلمات طيبة فحسب، بل أدب يظهر في الصوت والنظر والهيئة.

وقد يحرص الإنسان على تلبية حاجات والديه، ثم يجرح مشاعرهما بنبرة حادة أو جواب متضجر، وهنا يظهر أن البر لا يكتمل بحسن الفعل حتى يصاحبه حسن الخطاب.

وفي واقعنا اليوم، حيث تتسارع المشاغل وتكثر الملهيات، قد يكون الإصغاء الهادئ إلى حديث الوالدين من أصدق صور الإحسان إليهما.

سر هدوء محمد بن سيرين عند أمه

يروي ابن عون أن محمد بن سيرين كان إذا جلس عند أمه، ورآه رجل لا يعرفه، ظن أن به مرضًا من شدة خفض كلامه.

هذه الصورة تكشف عن تواضع رجل عظيم المكانة، لم يحمل هيبته العلمية إلى مجلس أمه، ولم يجعل منزلته بين الناس حاجزًا بينه وبين التذلل المشروع لها.

وليس المقصود أنه كان يتكلف الضعف أو المرض، وإنما أن شدة هدوئه وخفض صوته قد توهم من يجهل حاله بذلك، وهذا السلوك تجسيد لمعنى قوله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء: 24).

فخفض الجناح تعبير بليغ عن التواضع واللين، وقد قيّده القرآن بالرحمة؛ ليكون هذا التواضع نابعًا من المحبة، لا من مجرد المظهر.

وتبرز هذه الحقيقة في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة؛ فقد دخلها منتصرًا على رأس جيش عظيم، ومع ذلك طأطأ رأسه الشريف حتى كادت لحيته تمس واسطة رحله، خضوعًا لله وشكرًا له، لا استعلاءً ولا جبروتًا(6)، فكما لم تحمل المكانة العلمية محمد بن سيرين على الترفع عن أمه، لم يحمل النصر العظيم النبي صلى الله عليه وسلم على الكبر، بل ازداد به خضوعًا لربه، وهكذا تكون العظمة الحقيقية في أن يزداد المرء تواضعًا كلما علت منزلته.

ومن هنا يظهر أن القوة الحقيقية ليست في إظهار الهيبة في كل موقف، وإنما في القدرة على ضبط النفس، وإعطاء كل مقام حقه.

فقد يكون الإنسان حازمًا في عمله، قويًا في مواقفه، لكنه رقيق الجانب مع والديه وأهل بيته، ولا تناقض بين الأمرين، بل ذلك من كمال الخلق وحسن التوازن.

كيف يلتقي الذكاء العاطفي بمقاصد بر الوالدين؟

تكشف التفاصيل التي نقلتها حفصة عن قدرة محمد بن سيرين على فهم احتياجات أمه النفسية والجسدية؛ فقد راعى راحتها في ملمس الثياب، وسرورها في ألوانها، ومشاعرها في طريقة مخاطبتها.

وهذا ما يمكن تسميته في لغة التربية المعاصرة بالذكاء الوجداني: أن يفهم الإنسان مشاعر الآخرين وتفضيلاتهم، ثم يحول هذا الفهم إلى سلوك مناسب.

غير أن هذا المعنى عند محمد بن سيرين يتصل بأصل تعبدي أعظم، وهو الإحسان إلى الوالدين ابتغاء مرضاة الله؛ ففي الحديث المتفق عليه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحق الناس بحسن صحابتي؟» فقال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»(7).

وقد بيّن النووي في شرح صحيح مسلم أن الحديث يدل على تقديم الأم بمزيد من البر، لما تتحمله من مشاق الحمل والولادة والرضاع والتربية.

وهكذا يصبح البر عبادة تتجلى في تفاصيل الحياة، لا في المواقف الكبيرة وحدها، فالثوب الذي يُختار بعناية، والكلمة التي تُقال برفق، والوقت الذي يُمنح للإصغاء، كلها أعمال يمكن أن يتقرب بها المسلم إلى الله إذا صلحت نيته.

أثر القدوة العملية في توارث بر الوالدين

من اللافت أن حفصة بنت سيرين لم تصف أخاها بعبارات عامة عن عظيم بره، وإنما نقلت أفعالًا شاهدتها في بيته.

وهذا يكشف عن قوة التربية بالمشاهدة؛ فالأخلاق حين تتحول إلى سلوك يومي تكون أبلغ أثرًا من المواعظ المجردة.

فالأبناء الذين يشاهدون آباءهم يوقرون أجدادهم، ويصبرون على حديثهم، ويعتنون بما يسعدهم، يتعلمون معنى البر من الواقع قبل أن يتعلموه من الكتب.

وفي المقابل، قد تضعف آثار التوجيه حين يسمع الأبناء الوصية باحترام الوالدين، ثم يرون ما يناقضها في التعامل اليومي.

وهذا هو الأثر الذي تصنعه القدوة حين يتوافق ظاهر الإنسان مع باطنه، وقوله مع فعله؛ فقد وصف خالد بن صفوان الحسن البصري لمسلمة بن عبد الملك بقوله: «أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنيًا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه»(8)، فهذه شهادة في رجل لم يكن تأثيره نابعًا من مواعظه وحدها، بل من موافقة عمله لقوله؛ وتلك هي القدوة التي تترك أثرها في النفوس، فيتعلم الأبناء من أفعال آبائهم قبل كلماتهم، ويصبح البر سلوكًا حيًّا يتوارثونه داخل البيت.

ولذلك، فإن إحياء البر في الأسر لا يبدأ بكثرة الحديث عن فضيلته فحسب، بل بإظهار نماذجه العملية في البيت.

صور الإحسان للوالدين وسط تعقيدات الحياة الحديثة

لا يلزم أن تتكرر صورة بر محمد بن سيرين بحذافيرها؛ فلكل والدين احتياجاتهما وطباعهما، ولكل أسرة ظروفها.

لكن المعنى الذي يحمله الخبر باقٍ: أن يعرف الابن ما يسعد والديه، ويبادر إلى الإحسان إليهما، ويحفظ لهما كرامتهما في حديثه ومعاملته.

فقد يكون البر اليوم في زيارة منتظمة، أو مساعدة على استخدام هاتف، أو صبر على حديث متكرر، أو مراعاة رغبة بسيطة لا ينتبه إليها الآخرون.

ولا يعني البر تلبية كل رغبة دون اعتبار للشرع والاستطاعة، وإنما بذل المعروف بصدق ورحمة، مع حفظ الحقوق والواجبات.

ومن أجمل ما نتعلمه من محمد بن سيرين أن المكانة الاجتماعية لا تعفي الإنسان من التواضع لأهله؛ فقد ينجح المرء في إدارة الناس، لكن نجاحه الأخلاقي يظهر أيضًا في قدرته على الإنصات لأمه، والرفق بأبيه، وإشاعة السكينة في بيته.

لماذا يتجلى كمال الخلق في الرفق بالوالدين؟

لم يحتج محمد بن سيرين في هذا الخبر إلى موقف استثنائي ليظهر بره، فقد تجلت أخلاقه في ثوب ناعم، ولون تحبه أمه، وصوت خفيض، وإصغاء صادق.

وهذه التفاصيل الصغيرة تكشف عن حقيقة كبيرة: أن البر ليس مجرد أداء للحقوق، بل إحسان يتجدد بالمحبة والانتباه وحسن المعاملة.

وقد يبلغ الإنسان منزلة رفيعة في العلم والعمل، لكن من أصدق دلائل نبل أخلاقه أن يبقى متواضعًا بين يدي والديه، رحيمًا بهما، حريصًا على سرورهما.

فالعظمة ليست في أن يرفع الإنسان صوته فتظهر هيبته، وإنما في أن يعرف متى يخفضه فتظهر رحمته.

الهوامش
  • 1 محمد بن سيرين الإمام، شيخ الإسلام أبو بكر الأنصاري الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، سير أعلام النبلاء (4/ 606).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 620).
  • 3 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج4، ص138.
  • 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج6، ص57.
  • 5 المرجع السابق، ج4، ص69.
  • 6 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج4، ص73.
  • 7 رواه البخاري، ومسلم.
  • 8 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص42-43.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة