الحب.. حين يهرب من الشباك!
دون وعي منا، تتسلل
الأزمات الاقتصادية رويداً رويداً إلى تفاصيل حياتنا اليومية، لتضع المشاعر
النبيلة على محك الاختبارات المادية التي لا ترحم، وحين تشتد الظروف الطاحنة،
يتوارى الدفء العاطفي وتنزوي المشاعر شيئاً فشيئاً، وهنا يجد الأزواج المحبون
أنفسهم في مواجهة حتمية مع قسوة الأرقام وحسابات البقاء.
والسؤال: هل
استطاعت الدراما العربية تعرية ما يمكننا تسميته بأوهام الاستقرار؟ ذلك الشعور
الذي يبدو معه السطح هادئاً وفي العمق تثور البراكين!
رصدت كثير من
الأعمال الفنية تدخلات المال وإعادته صياغة أواصر الارتباط، لنرى بيوت الزوجية في
كثير من الأحيان وهي تتحول من واحة للمودة إلى ساحة صراع يومي، ليهرب الحب -أو
يكاد- من شباك العجز المادي، تاركاً خلفه أسئلة موجعة حول قدرة الإنسان على
المحافظة على إنسانيته وعواطفه تحت وطأة جحيم الاحتياج.
كما سلطت الضوء
على العادات البالية التي تتمسك بتقاليد باهظة التكلفة -رغم الفقر- ما يدفع الأسر
إلى الديون والغرق في القضايا القانونية، لتتحول بداية الحياة الزوجية إلى كارثة
محققة، وتناولت ظاهرة العنوسة المقصودة وتأجيل سن الزواج لأرقام متقدمة، بسبب عجز
الشباب أمام تكاليف الشقق وتجهيزات العرس؛ ا يفرغ مفهوم الارتباط من محتواه
الطبيعي ويحوله إلى هدف بعيد المنال، كما تناولت الأعمال السينمائية والتلفزيونية
كيف يضطر البعض لتقديم تنازلات قاسية، لتحل الزيجات النفعية محل الزيجات التي
تنبني على المودة والحب، ويصبح الزواج صفقة تضمن الحد الأدنى من الأمان المادي على
حساب المشاعر والقلب!
المسرح.. وتراجيديات الواقع الأليم!
ينقل لنا المسرح
المصري والعربي صراع الحب والمادة من زاوية عميقة وحميمية، مستنداً إلى التماس
المباشر مع نبض الجمهور فوق الخشبة، كونها جرحاً يومياً، يحيا بين السخرية الموجعة
وتعرية النفس، فمسرحية «إنها حقاً عائلة محترمة» (مصر، 1979م) التي تناولت عبر
الكوميديا السوداء أزمة الأب الذي يستهلكه الإرهاق المادي لتلبية متطلبات أبنائه
في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة تعصف بهدأة الأسرة وهنائها.
كذلك مسرحية «المتزوجون»
(مصر، 1981م) التي تجسد الصدام بين الطبقات المختلفة وصعوبة الحياة الاقتصادية بين
الشباب حديثي الزواج، وكيف يتحول الفقر إلى حلبة صراع يومية تبتلع الرومانسية التي
كانت.
وركزت مسرحية «كاسك
يا وطن» (سوريا، 1979م) بشكل موجع على المواطن البسيط وكيف تقوض الأزمات
الاقتصادية المعيشية أبسط حقوق الإنسان في الحب والاستقرار الأسري، أما مسرحية «عفريت
لكل مواطن» (مصر، 1988م) فسلطت الضوء على أزمة الإسكان الطاحنة واستحالة حصول
الشباب على مسكن، وكيف تحولت أزمة الشقق إلى عائق رئيس أمام إتمام الزواج.
أما مرحلة ما
بعد النفط والصدمة الاقتصادية، فقد عبّر عنها رواد المسرح (أواخر السبعينيات ومطلع
الثمانينيات في الخليج)، فرصدوا التغيرات البنيوية على المجتمع، وكيف أدى التضخم
والوفرة المالية الظاهرية مقابل غلاء المعيشة الحقيقي إلى إحداث شرخ عميق في
العلاقات الإنسانية.
فعبر المسرح
الكويتي عنها عبر عدة مسرحيات على قدر كبير من الأهمية، منها «حامي الديار» (الكويت،
1980م) مسرحية تضع يدها على قسوة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتأثير الغلاء
المادي على الاستقرار النفسي للعلاقات الأسرية والزوجية، ومسرحية «الحلاق» (الكويت،
1987م) لتناقش بصورة كاريكاتيرية وطأة المعيشة ومحاولات الطبقة البسيطة الهروب من
فخ الديون والعجز المالي الذي يطيح بكل مشاريع الارتباط العاطفي، بالإضافة إلى
مسرحية «البدر المطالع» (الكويت، 1984م) فناقشت ضغوط غلاء المهور وتكاليف المعيشة
الباهظة في الخليج، وكيف تحولت إلى سجن حقيقي يمنع الشباب من الزواج.
أما على الصعيد
العربي، فقد جاءت مسرحية «المحطة» (لبنان، 1973م) لتعبر عن قهر الإنسان البسيط،
المهمش وانسحاقه في البحث عن لقمة عيشه واستقرار حياته اليومية، ليصبح الحب رفاهية
لا تملكه الطبقات المطحونة تحت وطأة الفقر.
الدراما التلفزيونية.. تجسيد أوجاع البيوت
أما على الشاشة
الصغيرة، فتواصلت الاشتباكات الدرامية مع واقع الأسرة العربية والخليجية لتوثيق
هذا الألم اليومي، فها هو مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» (مصر، 1996م) جاء ليرصد
مسيرة الصعود الاقتصادي، وكيف تتأثر خيارات الأبناء العاطفية وقرارات الزواج
بالصراع بين ثقافة الطبقة البسيطة وقيم المال الجديد.
كذلك مسلسل «الضوء
الشارد» (مصر، 1998م) الذي غاص في عمق المجتمع الصعيدي ليظهر كيف تتحول المصالح
الاقتصادية وصراع النفوذ إلى مقصلة تُذبح على أرضها أصدق مشاعر الحب، ويأتي مسلسل «سارة»
(مصر، 2005م) ليناقش أزمة مؤسسة الزواج في الطبقات الوسطى، مستعرضاً كيف تتآكل
المودة وتتحول العشرة إلى صراع مادي ونفسي مرير بسبب غياب الأمان.
ونأتي لمسلسل «درب
الزلق» (الكويت، 1977م) الذي ناقش تحولات المجتمع مع التدفق النفطي وانعكاس فجوات
المال على مشاريع الزواج والارتباط، أما مسلسل «رقية وسبيكة» (الكويت، 1986م) أيضاً
فرصد بقسوة واقع الكفاح المعيشي والفقر المدقع لامرأتين، وكيف يقف العجز المادي
عائقاً أمام الاستقرار العاطفي، بالإضافة لمسلسل «جادة 7» (الكويت، 2008م) الذي
نقل واقع الشباب والفتيات، وسلط الضوء على تأخر سن الزواج وصعوبة الحصول على مسكن
مستقل بسبب غلاء السكن والمعيشة.
السينما.. الفقر وتفكيك مؤسسة الزواج!
فككت السينما
الضغوط المادية على منظومة الزواج ككل؛ لتظهر كمؤسسة قمعية واستهلاكية، يغيب فيها
التواصل، أو تتجلى عبرها آليات الهروب نحو حلول مشوهة للمشكلات التي تعتري الحياة.
لنرى فيلماً مثل
«إمبراطورية ميم» (مصر، 1972م) الذي ركز على مناقشة أزمة التربية والمسؤولية
الأسرية بعد رحيل الزوج، وكيف يفر أي تفكير في الارتباط العاطفي لصالح التفرغ
الكامل لمطالب الأبناء وضغوط الحياة المعيشية، وكذلك فيلم «أريد حلاً» (مصر، 1975م)
الذي رصد أزمة القوانين الاجتماعية والتعثر الاقتصادي داخل الأسرة، وكيف يؤدي
انهيار الاستقرار المادي إلى تفكك الروابط وتحول أروقة المحاكم إلى مقبرة للحب!
أما فيلم «الحريف»
(مصر، 1983م) فقدم صورة بصرية موجعة لاقتصاديات الطبقة العاملة، حيث يعيش البطل عاجزاً
عن الحفاظ على زواجه وبيته بسبب محدودية الدخل، ليهرب إلى ملعب كرة القدم، ويأتي
فيلم «عمارة يعقوبيان» (مصر، 2006م) ليفضح هشاشة منظومة الزواج بكل طبقاتها، وتحوُّل
العلاقات العاطفية إما إلى صفقات مصلحية براجماتية أو إلى حالات قهر وعجز تام
تفرضه الفوارق الطبقية.
كما يأتي فيلم «صمت
القصور» (تونس، 1994م) الذي قدم قراءة عميقة وموجعة لهامش الحياة الزوجية
والعلاقات داخل قصور البايات؛ إذ تدفع المرأة ثمن الاحتياج المادي والقهر الطبقي
في بيئة تجردها من الحب.
ومن الكويت يأتي
فيلم «بس يا بحر» (الكويت، 1972م) بمبضع الجراح الذي يوثق قسوة الحياة قبل طفرة
النفط، وكيف كان الفقر المدقع يقف سداً منيعاً أمام زواج الحبيبين لينتهي الحلم
بتراجيديا الغرق والعجز عن دفع المهر، وكذلك فيلم «عواطف» (الكويت، 1989م) الذي
ناقش تحولات المجتمع الكويتي والخليجي بعد الوفرة المالية، مسلطاً الضوء على
انهيار العلاقات الأسرية وتصدع الزواج نتيجة التغيرات الطبقية.
أما فيلم «أبناء
القهر» (الإمارات والخليج، مطلع الألفينيات) فرصد الصراع بين التقاليد الصارمة
والضغوط الاقتصادية، وكيف تدفع المغالاة في المهور الشباب نحو أزمات العنوسة.
باستعراضنا لهذه
النماذج الدرامية المختلفة وهناك غيرها الكثير، نرى كيف تعرضت الدراما لمعالجات
قضية استمرار الحب والزواج تحت وطأة الظروف الاقتصادية، وكشفت كيف يتحكم المال في
صياغة الروابط الإنسانية، ويضع العواطف على محك الاختبار، والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل يهرب الحب من الشباك، أم يصمد في مواجهة عاصفة الضغوط المادية؟!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً