لا عدل مع اتهام النيات والسرائر..
كيف علّمنا القاسم بن محمد العدل في الحكم على الناس؟
يروي الإمام
الذهبي خبرًا عن القاسم بن محمد(1)؛ فعَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: مَا
كَانَ الْقَاسِمُ يُجِيبُ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الظَّاهِرِ، ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ
مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عبدالعزيز قَالَ: لَوْ كَانَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا
الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا عَصَّبْتُهُ إِلَّا بِالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ(2).
في هذين الأثرين
اللذين أوردهما الإمام الذهبي في ترجمة القاسم بن محمد في «سير أعلام النبلاء»،
نلتقي بموقفين يفتح الجمع بينهما باباً مهماً لفهم العلاقة بين العلم والعدل
والولاية، يصف الأول طريقة الإمام في الإجابة، بينما يكشف الثاني عن مكانته لدى
عمر بن عبدالعزيز؛ حتى رآه أهلاً لتولي الخلافة وإدارة شؤون الأمة لو كان الاختيار
بيده.
ليس من اللازم
أن يكون عمر قد بنى رأيه على هذه الخصلة وحدها، غير أن التأمل في الخبرين يكشف
معنى عميقاً في بناء الشخصية القيادية، إن الرجل الذي يعرف حدود علمه، ويتحرز من
الحكم فيما لا يظهر له، يحمل خلقاً يحتاج إليه كل من يتولى الفصل بين الناس
ومباشرة حقوقهم العامة، ومن أعظم أسباب العدالة ألا يتجاوز الإنسان علمه إلى ما
استأثر الله به من أسرار النفوس.
لماذا توقف القاسم بن محمد عن الفتوى في المشتبهات؟
كان القاسم بن
محمد من كبار فقهاء المدينة في عصر التابعين، وأحد الفقهاء السبعة الذين اشتهروا
بالرسوخ في الشريعة وفتوى أهل الحجاز، نشأ في بيت النبوة، وأخذ الفقه عن عمته أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فاجتمع له شرف النشأة وقوة التحصيل وملازمة كبار
الصحابة في مسجدهم.
وفي مثل تلك
البيئة، كان الفقيه يُسأل عن دقائق الأحكام، غير أن شهادة أبي الزناد تكشف جانباً
دقيقاً من ورعه؛ إذ لم يكن يجيب إلا في الأمر البين الواضح، لم يكن علمه مجرد
استعراض للأجوبة، بل كان معرفة راسخة بالحدود التي ينبغي للمفتي أن يقف عندها
صيانة للدين وتوقياً للخطأ.
تتجلى هذه
الأمانة في حرص الصحابة والتابعين على تجنب التكلف فيما لم يستبن وجهه؛ قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا
فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ
العِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ»(3).
إن الامتناع عن
الجواب في موضع الاشتباه أدل على رسوخ العالم من جواب متكلف يسترضي السائل دون
برهان ظاهر، ونحتاج في واقعنا المعاصر إلى هذا التورع في كل قول وعمل؛ لأن أول
درجات الإنصاف في تقويم المواقف أن يميز الإنسان بين ما علمه يقيناً وما توهمه
ظناً.
لماذا حرّم الشرع محاكمة نيات الناس وضمائرهم؟
إذا انتقلنا من
ورع الفتوى إلى العدل بين الناس، وجدنا أصلاً شرعياً عظيماً يوجب محاسبة العباد
بالأدلة الظاهرة دون التفتيش في الضمائر والسرائر الخفية، وقد قرر القرآن الكريم
هذا الحد الحاسم في نفي إحاطة البشر بما وراء الصدور: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الملك: 13).
فما يستقر في
القلب من قصد ودافع لا يحيط به إلا الله سبحانه، وإنما يتعامل البشر مع الأقوال
المعلنة والأفعال المشاهدة، أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين قتل رجلاً بعدما نطق بالشهادة تعوذاً من السيف؛ فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ
لَا»! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ
يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ مُسْلِمًا
حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَيْنِ يَعْنِي أُسَامَةَ(4).
يضع هذا التوجيه
النبوي قاعدة قطعية تمنع بناء الأحكام على مقاصد غير منطوقة، وتوجب قبول ظاهر
الإقرار ما لم تقم بينة تثبت خلافه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إِنَّ
أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ
الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ»(5).
لا يعني هذا
الأصل إهمال القرائن المنضبطة التي تحمي الحقوق في القضاء والخصومات، وإنما يمنع
تحويل الظنون المجردة إلى إدانات نافذة في دماء الناس وأعراضهم؛ فالعدل لا يتحقق
بمجرد حسن نية القاضي، بل يحتاج إلى مسلك منضبط يرد الهوى ويغلق منافذ التجني تحت
دعوى استبطان مقاصد القلوب.
سر ترشيح عمر بن عبدالعزيز للقاسم بن محمد
ينقلنا ثناء عمر
بن عبدالعزيز من مجلس الرواية والفقه إلى ساحة الولاية الكبرى وإدارة مصالح
المسلمين وضبط مظالم الرعية، كان عمر مدركاً لثقل الأمانة التي يتحملها من يتولى
الحكم؛ فالقرار الواحد يترتب عليه إنصاف المستضعفين أو إيقاع الجور بإتلاف الدماء
والأموال.
ومن هنا تكتسب
شهادته للقاسم بن محمد دلالة خاصة؛ إذ لم يكن راغباً في سلطان، بل اشتهر بالعلم
والورع والتورع عن الخوض في غير الواضح، إن الحاكم يحتاج إلى حزم في تنفيذ الحقوق،
ولكنه يحتاج قبل ذلك إلى ورع يمنعه من الاندفاع خلف الظن والتشفي الشخصي في
الخصومة.
كان الخلفاء
الراشدون يضعون هذا الاحتياط أساساً لإقامة العدل بين الرعية؛ حيث قال أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لأَنْ أُعَطِّلَ الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ»(6)، يبرز هذا
القضاء خشية الحاكم من التعدي على الناس بشبهات محتملة لا يقين فيها.
إن من كان شديد
الاحتياط في الفتوى، كان أحرى به أن يصون حقوق الرعية وأموالهم من أن تنالها مظالم
الأحكام المرتجلة أو دعاوى السرائر، تتلاقى شهادة أبي الزناد بمنهج الإمام مع رغبة
عمر في توليته؛ لترسم معيار الحاكم الراشد الذي يجعل علمه حاجزاً يصده عن الظلم
والتعدي.
عواقب تحويل التخمين الفردي إلى تهمة قطعية
من أعظم ما يفسد
الروابط الاجتماعية أن يتعامل المرء مع استنتاجاته الشخصية لأفعال الآخرين كما لو
كانت حقائق قاطعة لا تقبل الشك، قد يتأخر موظف فيُفسر تأخره استخفافاً، أو يصمت
رجل فيُحمل صمته على الكبر والازدراء، فيقع انتقال خطير من ملاحظة الواقعة الظاهرة
إلى الجزم بالنية.
حذر القرآن
الكريم من الوقوع في هذه المزالق الأخلاقية التي تمزق الثقة العامة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا
تَجَسَّسُوا) (الحجرات: 12)، يوضح هذا التحذير أن استمراء الظنون السيئة
يدفع صاحبه بالضرورة إلى تتبع العورات والبحث عما يؤيد أوهامه الباطلة.
حذر النبي صلى
الله عليه وسلم من تسلط التخمينات الفاسدة على النفوس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ
أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا»(7)، يحمي
هذا النهي المجتمعات من الانزلاق إلى اتهام النيات واعتماد الريبة قاعدة للتعامل
البشري.
إن الوقوف عند
الظاهر يحمي المحكوم من بطش التهم، كما يحمي الحاكم من أن يكون أسيراً لخيالاته
وظنونه الذاتية المعوجة، فالإنسان قد يظلم غيره وهو يتوهم الفطنة والقدرة على كشف
المقاصد، بينما الإنصاف الحق يقتضي الاعتراف بالعجز عن إدراك ما غاب في باطن
النفوس.
الفرق بين أمانة التوقف وتردد العاجز الضعيف
قد يظن بعض
المتعجلين أن كثرة التوقف عن إصدار الأحكام دليل تردد، وأن القائد الناجح هو من
يملك جواباً حاسماً وسريعاً لكل معضلة، غير أن التجارب تكشف أن سرعة القضاء ليست
دليلاً على النضج؛ بل تنشأ أحياناً عن قلة التدبر أو الاغترار بالنفس ومحاولة
إرضاء الجالسين.
برزت منزلة
القاسم بن محمد بفضل تحرزه التام وتوقفه عند المشتبهات، والفرق واسع بين عاجز يسكت
لجهله، وعالم يسكت لأمانته وإدراكه نقص الدليل الظاهر، وَكَانَ يَقُولُ: «لأن يعيش
الرجل جاهلاً بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم»(8).
تمثل شجاعة
التوقف قمة القوة المعنوية لدى أئمة العلم والقضاء؛ فقد سُئل الإمام مالك بن أنس
عن ثمان وأربعين مسألة فقال في كثير منها: «لاَ أُحْسِنُ»، ولما عاتبه السائل
مبيناً منزلة فتاواه، قال مالك: «ارْكَبْ رَاحِلَتَكَ وَقُلْ لِلنَّاسِ: مَالِكٌ
لاَ يُحْسِنُ»(9).
ترتكز القوة
المعنوية للقائد المنصف على ممارسات واضحة:
- التثبت قبل الإلزام: التريث حتى تكتمل المعطيات القاطعة وتنجلي الشبهات العارضة.
- شجاعة التراجع: الرجوع عن أي قرار أو ظن متى تبين عدم قيامه على برهان.
- إعلاء معيار
الحق: تقديم براءة الناس ومصالحهم على الصورة الشخصية وهيبة المنصب.
لماذا تشيع الطمأنينة حين نلغي محاكمة النوايا؟
يسهم الاكتفاء
بمحاسبة الأفعال الظاهرة في بناء بيئة اجتماعية آمنة يشعر فيها الأفراد بالحماية
من تقلبات الأمزجة وظنون المتربصين بهم في العمل والمجتمع، يحتاج الإنسان إلى
الاطمئنان بأن حقوقه لا تتوقف على تفسير غامض لنيته، بل على التزاماته وأفعاله
التي يمكنه بيانها والدفاع عنها أمام المنصفين.
أوجب الله تعالى
إقامة العدل وتجريد الشهادة من الهوى حتى مع المخالفين: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8)، فإذا وجب
العدل مع الخصوم، فإن منع اتهام النيات يصبح فريضة أوجب؛ لئلا تتخذ العداوة ذريعة
لتفسير المباحات بالسوء والغدر.
تتجسد هذه
الرحمة التشريعية في قضاء الخليفة عمر بن الخطاب في حادثة الشهادة على المغيرة بن
شعبة؛ إذ لم يستجز إدانته بالظن والشبهة عند اضطراب الشاهد الرابع، ودرأ الحد
صيانةً لكرامة المعينين ودفعاً للاتهام بالتوهم: «أما إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن
يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم»(10).
وفي محيط الأسرة
والمدرسة والوظيفة، يتحول هذا المبدأ إلى صمام أمان يصون كرامة الأبناء والطلاب
والموظفين من التجريح والشك والاتهام الباطل، إن مناقشة الخطأ الظاهر تتيح التصويب
والتوبة، أما محاكمة السرائر فإنها تغرس الشعور بالقهر وتفتح أبواب الخصومة
والعداوة بين الناس.
توازن الشريعة بين إثبات الأفعال وصيانة الضمائر
لا تعني الدعوة
إلى الوقوف عند الظاهر إهمال المحاسبة العادلة، أو التغافل عن التقصير المادي، أو
التنازل عن طلب البينات القاطعة في الحقوق، فالعدل الواجب يقتضي السماع والتحري،
ثم إيقاع الجزاء المستحق على الفعل المرتكب في حدود ما قامت عليه الأدلة دون زيادة
أو اعتداء.
يقع الفارق
الدقيق بين التثبت المشروع في الوقائع وبين محاكمة البواطن؛ فالمتلف للمال يُلزم
بضمانه لثبوت فعله دون اشتراط علمنا بفساد طويته، كما يعامل الموظف بموجب إنجازه
والتزاماته، مع مراعاة أعذاره الثابتة، بعيداً عن ادعاء الخيانة والتعمد لمجرد
وقوع خطأ بشري يمكن معالجته.
بين النبي صلى
الله عليه وسلم أن القضاء البشري يجري على ما يظهر من الأقوال والبينات لا على علم
الغيب؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ
مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ
بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ
قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(11).
يقرر هذا الحديث
تبرؤ القضاء الشرعي من ادعاء الاطلاع على أسرار المتخاصمين، وتفويض الباطن إلى
الله العليم بما تخفيه الصدور في خلواتها، وبذلك يتحقق التوازن المحكم في الشريعة،
بين حفظ الحقوق الظاهرة ومنع تضييعها، وبين الكف عن إدانة السرائر بالظنون الفاسدة
والشكوك العارضة.
دور الفقيه المنصف في محاصرة الخصومات الفكرية
لم تكن مكانة
فقهاء المدينة السبعة قائمة على كثرة الروايات المجردة، بل على فقه التنزيل
ومراعاة العواقب ومعرفة متى يسكت المفتي تورعاً، يحتاج المجتمع في كل زمان إلى
مرجعيات دينية وعلمية تميز بين المسائل القطعية الواضحة وبين التقديرات الاجتهادية
التي يدخلها الخطأ والاحتمال.
وحين يغيب هذا
الفهم الرشيد، تنتشر الخصومات بين أفراد المجتمع؛ إذ يُصيّر كل متحدث اجتهاده
حكماً قاطعاً يدين به من خالف رأيه أو مسلكه، أما إذا رسخت ثقافة التثبت والوقوف
عند الظاهر، فإن الخلاف ينحصر في دائرة الحوار العلمي الرصين دون تجريح للأمانة أو
اتهام للدين والنيات.
يربط القرآن
الكريم بين التثبت من النبأ والوقاية من الجور: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ
مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، يوضح هذا التنبيه الإلهي أن
العدل يبدأ من طريقة تلقي الأخبار وفحص صحتها قبل الحكم بها.
تتأكد هذه
الحصانة الأخلاقية اليوم مع تدفق الوسائط الرقمية التي تبث الأنباء المجتزأة وتطلق
الأحكام المبتورة على الضمائر في ساعات قليلة، إن كف النفس عن تصديق كل تهمة يدرأ
عن الأمة فتن الشقاق، ويحفظ للعلماء والناس مكانتهم في مجتمع تسوده الرحمة
والتثبت.
لماذا يعد ضبط اللسان تدريبًا على العدل؟
لا تقتصر هذه
القيم والآداب على الحكام والقضاة في مجالسهم الرسمية، بل تشمل كل إنسان يطلق
حكماً أو ينقل خبراً عن أقرانه وجيرانه، فالكلمة العابرة في المجالس قد تسلب امرأً
سمعته، والتعليق المكتوب بتسرع قد يهدم أسرة أو يقطع رحماً استمرت عقوداً من
المحبة والوفاق.
جاء التحذير
النبوي الصريح من آفات اللسان في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي
الله عنه حين قال له ناصحاً: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فقال معاذ مستغرباً: وإنا
لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا
مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلاَّ
حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟(12).
تشتد مسؤولية
الكلمة حين تتجه نحو التعليق على تصرفات الآخرين وإسقاط نياتهم؛ إذ يربي منهج
القاسم بن محمد المسلم على كف لسانه عما لم يستبن، كان الصديق أبو بكر رضي الله
عنه يأخذ بطرف لسانه محذراً من تبعاته ويقول: «هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي
المَوَارِدَ»(13)، صيانةً لمنطقه من الزلل في الخلق.
إن ضبط اللسان
عن الخوض في سرائر الناس ليس ضعفاً ولا جهلاً، بل هو غاية الورع وأسمى درجات
المروءة في معاملة الخلق بالعدل، ومن روّض نفسه على الاقتصار على ما ظهر من الصدق
والحق في القضايا الصغيرة، سهل عليه التزام الإنصاف في المواقف الجليلة
والمسؤوليات العظمى.
لماذا تبدأ أمانة الحكم من نزاهة المعرفة؟
حين نتأمل شهادة
أبي الزناد لورع الإمام، وشهادة عمر بن عبدالعزيز لأهليته للخلافة، ندرك الرابط
الوثيق بين المعرفة العادلة والحكم الراشد، لم يطلب القاسم بن محمد الخلافة
بلسانه، ولكن ورعه المشاهد جعل أمير المؤمنين يراه أفضل من يسوس الأمة ويرعى
أمانات المسلمين في زمانه.
إن الذي يتردد
أمام الفتوى خوفاً من القول بغير علم، هو الأقدر على حماية أرواح الرعية وأموالهم
من التعدي والقرارات الجائرة المرتجلة، وهنا تتحول سيرة القاسم بن محمد إلى نموذج
حي يثبت أن أساس العدل السياسي والقضائي يكمن في التواضع العلمي والاعتراف بحدود
البشر.
ليس مطلوباً من
الوالي أن يعلم الغيب، ولا من القاضي أن يشق عن قلوب الخصوم، وإنما الواجب إقامة
الحق بموجب البينات الواضحة، لقد جمع القاسم بن محمد بين أمانة الرواية، ودقة
الفهم، والتورع عن النيات، فصنع منهجاً خالداً يعلمنا أن الظاهر هو ميزان البشر، والسرائر
موكولة لرب البشر.
تتلخص الزاوية المركزية التي ركزنا عليها في هذا المقال في أن العدل الحقيقي بين الناس في الفتوى والقضاء والحياة الاجتماعية يبدأ من الوقوف الصارم عند ما ثبت وتبيّن من الأفعال والأقوال الظاهرة، وتفويض السرائر والنيات إلى الله تعالى الذي تفرد بعلم ما في الصدور؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يقيم موازين القسط وهو يجعل من الظنون الباطنة والشكوك المجردة حججاً يحاكم بها ضمائر الخلق ويدين بها أعمالهم، لقد وضع القاسم بن محمد وأيده عمر بن عبدالعزيز المنهج القويم لكل مسؤول وباحث: احكم بالظاهر العادل، ودع القلوب لعلام الغيوب.
الهوامش
- 1 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي، وُلد نحو سنة 36 هـ، تابعي جليل وإمام ثقة وأحد فقهاء المدينة السبعة؛ اشتُهر بعلو الفقه ورواية الحديث النبوي وسعة العلم والورع، استوطن المدينة المنورة داراً وسكناً، وتوفي بين مكة والمدينة بـ«قُدَيْد» وهو محرم سنة 106هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 54).
- 3 صحيح البخاري (4/ 1809/ 4531).
- 4 صحيح مسلم (1/ 96) (96/ 158).
- 5 صحيح البخاري (2/ 934/ 2498).
- 6 المصنف لابن أبي شيبة (15/ 423/ 30395).
- 7 صحيح مسلم (4/ 1985/ 2563).
- 8 موطأ مالك، رواية أبي مصعب الزهري (2/ 166/ 2080).
- 9 جمع الجوامع (16/ 133).
- 10 موطأ مالك، رواية يحيى (5/ 1403/ 3540).
- 11 مسند الشافعي، ص150.
- 12 مسند أحمد (36/ 345/ 22016).
- 13 مسند البزار، البحر الزخار (1/ 161/ 84).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً