حين تبتلع العادات زيادة الراتب
قراءة تربوية في فقه الدخل وأمانة الفائض
فقه الدخل.. يفرح الموظف
بخبر الزيادة كما يفرح الزارع بالمطر، ثم تمضي 3 أشهر أو 6 فيكتشف أن الزيادة ذابت
في تفاصيل يومه، وأن حسابه في آخر الشهر يشبه حسابه قبلها، وأن قلقه هو هو.
هذه الظاهرة
يسمّيها الاقتصاديون تضخم نمط الحياة، ووصفها ابن خلدون قبل 6 قرون حين تحدّث عن
أهل الدولة إذا أخذوا في الترف: «فتكثر عوائدهم وتزيد نفقاتهم على أعطياتهم ولا
يفي دخلهم بخرجهم.. والمترف يستغرق عطاءه بترفه ثم يزداد ذلك في أجيالهم المتأخرة
إلى أن يقصر العطاء كله عن الترف وعوائده»، عبارة «يستغرق عطاءه بترفه» تختصر
المشكلة كلها؛ فالدخل يرتفع والعادة ترتفع معه والفجوة تبقى ثابتة أو تضيق.
الأمان المالي معادلة والراتب أحد أطرافها
الأمان المالي
يُقاس بالمسافة بين ما يدخل وما يخرج، وبما يملكه المرء من أصول في مقابل ما عليه
من التزامات، وبقدرته على احتمال الصدمة إذا نزلت، والزيادة في الراتب تحسّن طرفاً
واحداً من هذه المعادلة، فإن لم تُدَر بوعي تحرّكت الأطراف الأخرى في الاتجاه
المعاكس، والآليات التي تبتلع الزيادة معروفة؛ مسكن أوسع، وسيارة أحدث، ومطاعم
أكثر، واشتراكات جديدة ثم يعتاد الإنسان المستوى الجديد بسرعة، ويتحول الاستثناء
إلى قاعدة، ويضاف إلى ذلك أن جزءاً من الزيادة يذهب أصلاً لتعويض ارتفاع الأسعار،
وأن الأقساط والعقود طويلة الأجل تستهلك الزيادة قبل أن تُلمس، وأن البطاقات
والتقسيط تجعل الإنفاق المستقبلي يبدو مجانياً.
بين التحسن المشروع والترف الزاحف
الإسلام يقرّ
للإنسان حظه من الطيبات، وفي القرآن: (وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: 77)، فتحسين
المعيشة مع اتساع الرزق مطلب مشروع، والسؤال التربوي الدقيق: أين ينتهي التحسن
ويبدأ التضخم؟
الإجابة في عدة
معايير، الأول: النية؛ فالتحسن الطبيعي قرار مدروس والتضخم اندفاع تلقائي تحركه
المقارنة، والثاني: الاستدامة؛ فالتحسن يمكن الاستمرار فيه لو تراجع الدخل والتضخم
معلّق باستمرار الزيادة.
والثالث: القيمة؛
فالتحسن يرفع جودة الحياة فعلاً في الصحة والتعليم والغذاء والسكن الآمن والتضخم
يخدم صورة اجتماعية أو رغبة عابرة، والرابع: الأثر؛ فالتحسن يتعايش مع الادخار
والتضخم يأكل الفائض ويضاعف الالتزامات، والخامس: المرونة؛ فالتحسن قابل للتقليص
عند الحاجة، والتضخم يتصلّب ويستعصي.
3 أسئلة تحسم
الأمر في أغلب الحالات: هل سأستمر في هذا الإنفاق لو عاد راتبي القديم؟ هل يضيف
قيمة حقيقية أم يضيف مظهراً؟ هل يعطّل هدفاً مالياً أهم منه؟
وفي «موطأ» مالك
أن عمر بن الخطاب أدرك جابر بن عبدالله ومعه لحم فسأله، فقال: قَرِمنا إلى اللحم
فاشتريت بدرهم لحماً، فقال عمر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره أو ابن عمه؟
أين تذهب عنكم هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ
طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا) (الأحقاف: 20)؟!
الدرهم الواحد
لم يكن مشكلة عمر، مشكلته كانت أن تصير الشهوة المحرّكة الوحيدة للشراء، وأن ينقطع
الإنفاق عن دائرته الاجتماعية فينغلق المرء على رغبته وينسى جاره وقريبه، وهذا هو
جوهر التمييز بين التحسن والتضخم؛ هل الإنفاق قرار يملكه صاحبه أم عادة تملكه؟
التضخم في الأسعار والتضخم في العادات
يخلط كثيرون بين
ارتفاع الإنفاق بسبب الغلاء وارتفاعه بسبب تبدّل العادات، والفصل بينهما ممكن بمقارنة
أسعار السلة نفسها بالكميات نفسها بين فترتين، وتتبّع الوحدات إلى جانب المبالغ،
وطرح معدل التضخم من نمو الدخل لمعرفة الزيادة الحقيقية، وتحديد ميزانية ثابتة لكل
فئة ومراقبة كفايتها، فإذا ارتفعت فاتورة الكهرباء والاستهلاك ثابت فذلك أثر
الأسعار، وإذا ارتفع لإنفاق لأن عدد الوحدات زاد فذلك أثر العادة.
ثلاثي الضغط.. المقارنة والإعلان والائتمان
مع كل زيادة في
الدخل تنتقل دائرة المقارنة إلى مستوى أعلى، ويصير الإنفاق وسيلة لإثبات النجاح
والانتماء، ويتلقّف التسويق الموجّه هذه اللحظة مستعيناً بالبيانات السلوكية ويصنع
حاجات متوهمة ويربط السعادة بالاستهلاك، ثم تأتي البنوك فترفع الحدود الائتمانية
بمجرد توثيق الزيادة، فتغري بالاستدانة وتُخفي أخطارهاً.
ويعمل في
الخلفية ميل النفس إلى تقديم متعة الحاضر على منفعة المستقبل، والمحاسبة الذهنية
التي تعامل المكافأة كأنها مال حرّ، وربط الشراء بالهوية والمكانة، وتكون النتيجة
دائرة مغلقة؛ دخل أعلى فإنفاق أعلى فالتزامات أعلى فضغط أكبر فحاجة إلى دخل أعلى.
وقد وصف النبي صلى
الله عليه وسلم هذه الدائرة في عمقها النفسي: «لو كان لابن آدم واديان من مال
لابتغى ثالثاً»، وعالجها من جذرها: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى
النفس»، والتربية المالية تبدأ من بناء نفس تملك الشهوة وتعرف حدّ الكفاية، قبل أي
جدول أو نسبة.
فقه الدخل.. كيف تُقسَم الزيادة؟
القاعدة الأولى
أن التوزيع يجري على مبلغ الزيادة نفسه، والنسب المقترحة نقطة انطلاق مرنة: من 30%
إلى 50% لسداد الديون مرتفعة الكلفة حتى تنتهي، ومن 20% إلى 30% لصندوق الطوارئ
حتى يبلغ نفقات 3 إلى 6 أشهر، أو 6 إلى 12 شهراً إن كان الدخل متقلباً أو المعالون
كثيرين، ومن 20% إلى 30% للادخار والاستثمار في الأسهم المتوافقة والصكوك والأصول
المدرة للدخل، ومن 20% إلى 30% لتحسين المعيشة تحسيناً مستداماً قابلاً للتراجع،
مع تخصيص ما تقتضيه الحاجة للحماية والتأمين، ومع حساب الزكاة والضرائب قبل كل
شيء، والاتفاق داخل الأسرة على القسمة قبل الإنفاق.
وفي القرآن
ميزان هذه القسمة: (وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ
قَوَامًا) (الفرقان: 67)، فالقوام وسطٌ يتحرك بحسب حال الأسرة؛ الأسرة
المثقلة بالديون تقدّم السداد ثم تبني احتياطياً صغيراً ثم تحسّن معيشتها بقدر، والأسرة
التي تفتقد صندوق الطوارئ تصرف معظم الزيادة إلى بنائه، والأسرة المستقرة الخالية
من الديون تتجه بالنسبة الأكبر إلى الاستثمار، والأسرة ذات الدخل المتقلب توسّع
احتياطيها وتنوّع مصادر دخلها، والأسرة التي تبني ثروة تميل إلى الاستثمار طويل
الأجل مع الحفاظ على السيولة.
وللدَّين في
الحس الإسلامي ثقل خاص، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الاستعاذة من
المغرم، فلما سُئل عن ذلك قال: «إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف»، ولذلك
يتقدّم التحرر منه على كل ترقية في المعيشة، ويتضاعف الوجوب حين يكون الدين
ربوياً.
متى يصير المصروف قيداً؟
يتحوّل المصروف
الجديد إلى تهديد لمرونة الأسرة حين يصير متكرراً ثابتاً كإيجار أعلى أو قسط شهري،
وحين تتجاوز النفقات الأساسية والالتزامات نصف الدخل، وحين يتعذر إلغاؤه دون
خسارة، وحين يقوم على افتراض استمرار الدخل الحالي، وحين يدفع إلى الائتمان لتغطية
الجاري، وحين يعطّل بناء الاحتياطي أو سداد الدين.
وفي سورة «يوسف»
درس مبكر في إدارة الصدمات: (فَمَا
حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف:
47)؛ أي استهلاك محسوب في سنوات الوفرة، وادخار محفوظ لسنوات الشدة، وفي
صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله
قوت سنتهم»، صندوق الطوارئ إذن سُنّة نبوية في التدبير قبل أن يكون توصية من
المخططين الماليين.
وتصحيح المسار
يمر بخطوات متتابعة؛ جرد النفقات وتصنيفها إلى أساسية ومهمة وكمالية وتتبعها 3
أشهر، وإعادة التفاوض على العقود وإلغاء الاشتراكات الزائدة، وتجميد أي عقد أو قسط
جديد 6 أشهر بعد الزيادة، وبناء الاحتياطي تدريجياً، واقتطاع الادخار آلياً يوم
نزول الراتب قبل أي إنفاق، وتنويع مصادر الدخل بعمل جانبي أو استثمار أو مهارة
جديدة، والتحوّط لفقدان الدخل والمرض والحوادث، وكتابة خطة طوارئ تجيب عن سؤال
صريح: ماذا تفعل الأسرة لو انخفض دخلها؟ ثم المراجعة كل فترة.
الزيادة امتحان
يقول تعالى: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم
مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7)، وفي مفهوم الاستخلاف مفتاح هذه
القضية كلها، المال أمانة في يد صاحبه والزيادة فيه تكليف إضافي بحسن التدبير،
وامتحان لانضباط النفس قبل أن تكون مكافأة لها، والأسرة التي تتعلم أن تقتطع جزءاً
من كل زيادة يعمل لصالحها قبل أن تعتاده عاداتها تورّث أبناءها شيئاً أثمن من
المال، تورث نفساً تملك رغبتها وبيتاً يصمد أمام الشدة، وتصوراً للرزق يجمع بين
الشكر والتدبير.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً