كيف يصنع القرآن إنساناً جديداً؟ تحوُّل أبي رجاء العطاردي

عبدالله السيد

09 سبتمبر 2026

109

تصوير رمزي لعالم من التابعين يحمل القرآن ويمثل رحلة التحول والهداية

روى الذهبي في ترجمته لأبي رجاء العطاردي عمران بن ملحان(1): أنه أدرك عمر، وعليًّا، وعمران بن حصين، وابن عباس، وسمرة بن جندب، وأبا موسى الأشعري، وتلقّن القرآن عن أبي موسى ثم عرضه على ابن عباس، وكان أسنّ منه، ووُصف بأنه خيّر تالٍ لكتاب الله.

وقال جرير بن حازم: سمعته يقول: «هربنا من النبي صلى الله عليه وسلم»، فقيل له: ما طعم الدم؟ فقال: «حلو».

وقال الأصمعي: قلت لأبي رجاء: ما تذكر؟ فقال: «أذكر قتل بسطام»، ثم أنشد:

وخر على الألاءة لم يوسد      كأن جبينه سيف صقيل

وقال الأصمعي: قتل بسطام قبل الإسلام بقليل(2).

تمثل سيرة أبي رجاء العطاردي نموذجًا نادرًا من نماذج التحول الإنساني العميق؛ فهو رجل حمل ذاكرة عصرين؛ عصر الجاهلية بما فيه من صراعات قبلية وموازين القوة، وعصر الإسلام الذي أعاد ترتيب قيمة الإنسان على أساس الإيمان والعلم والتقوى، وهذه القراءة لا تنظر إليه باعتباره مجرد راوٍ للحديث أو قارئ للقرآن، بل باعتباره شاهدًا حيًا على قدرة الرسالة الإسلامية على إعادة تشكيل الإنسان مهما امتدت جذوره في بيئة مختلفة.

تحول أبي رجاء العطاردي من الجاهلية للإسلام

كان أبو رجاء من المخضرمين، والمخضرم هو من أدرك الجاهلية والإسلام، وهذه الفئة تحمل أهمية خاصة في التاريخ الإسلامي؛ لأنها كانت جسرًا بين عالمين: عالم لم تكن فيه معايير المعرفة والفضيلة قد استقرت على مفهوم الوحي، وعالم جديد أصبح القرآن فيه معيار البناء الفردي والاجتماعي.

تكشف الرواية التي نقلها عنه جرير بن حازم حين قال: «هربنا من النبي صلى الله عليه وسلم» عن لحظة إنسانية شديدة الدلالة؛ فالإنسان قد يقف أحيانًا أمام الحق وهو يحمل رواسب الخوف أو الجهل أو التصورات القديمة، لكن قيمة التحول لا تظهر في لحظة البداية، وإنما في المسار الذي يقطعه الإنسان بعد أن يعرف الطريق.

وهنا يظهر الفرق بين الإنسان الذي يحبس نفسه داخل ماضيه، والإنسان الذي يجعل الماضي نقطة انطلاق نحو الهداية، فأبو رجاء لم يبق أسيرًا لصورة الرجل الذي لم يعرف الإسلام أول أمره، بل أصبح من حملة القرآن وأهل الرواية.

وهذا التحول من ماضي الإنسان إلى هدايته يظهر في قصة صفية بنت حيي رضي الله عنها، حين خيّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجوع إلى أهلها وماضيها، وبين الإسلام والقرب منه، فاختارت الله ورسوله(3)، فالماضي مهما كان ثقيلًا لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من بداية جديدة؛ إذ قد يقف المرء أمام مفترق طرق، فيكون أعظم قراراته أن يختار الحق حين تتضح له معالمه، وهكذا لا تقاس قيمة الإنسان بما كان عليه قبل الهداية، وإنما بما اختاره بعد أن عرف طريق الحق.

لماذا يقدم منهج الإسلام العلم على السن؟

أبرز ما يلفت النظر في ترجمة أبي رجاء العطاردي قوله: «وتلقن عليه القرآن، ثم عرضه على ابن عباس، وهو أسن من ابن عباس»، ففي هذه العبارة تختصر قصة علمية وتربوية عظيمة؛ فالعلم في المنهج الإسلامي لا يقوم على العمر ولا على المكانة الاجتماعية، وإنما على التلقي الصحيح والضبط والأمانة.

كان أبو رجاء أكبر سناً من ابن عباس رضي الله عنهما، ومع ذلك أخذ عنه القرآن وعرضه عليه، وهذه الصورة تكشف عن أدب العالم وطالب العلم معًا؛ فالكبير حين يبحث عن الحق لا يرى في التعلم من الأصغر انتقاصًا، بل يرى فيه رفعة.

وقد ارتبطت مكانة ابن عباس في الأمة بعلمه بالقرآن والتفسير، حتى دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل»(4) فاختيار أبي رجاء العطاردي أن يتلقى ويعرض على من هو أعلم منه يدل على أن المعرفة عنده كانت فوق الاعتبارات النفسية والاجتماعية.

ويتأكد هذا المعنى في موقف علي بن الحسين رحمه الله، حين عوتب في جلوسه إلى زيد بن أسلم لكونه مولًى، فقال: «إنه ينبغي للعلم أن يتبع حيثما كان»(5)، فلم يجعل النسب ولا المكانة الاجتماعية حجابًا بينه وبين المعرفة، لأن ميزان العلم عنده أرفع من ميزان الناس، وهكذا يصبح التواضع للعلم قوةً لا نقصًا؛ فطالب الحق لا يسأل: ممن آخذ؟ بقدر ما يسأل: ماذا عنده من حق وعلم أحتاج إليه؟

وفي واقع التعليم اليوم، تبقى هذه القاعدة من أهم أسباب النهوض العلمي؛ فالمجتمعات التي تحترم المعرفة قبل الأشخاص تفتح أبواب التطور، أما المجتمعات التي تجعل العمر أو المنصب حاجزًا أمام التعلم فإنها تجمد طاقاتها.

لماذا يفوق تدبر الآيات القليلة كثرة القراءة

يعود الوصف في الترجمة إلى أبي رجاء العطاردي بأنه «كان خيرًا تلاء لكتاب الله»، وهذه الجملة القصيرة تحمل دلالة كبيرة؛ لأن القرآن لم يكن عنده مجرد محفوظات، بل كان انتقالًا من حال إلى حال.

فالقرآن في التصور الإسلامي ليس كتاب معلومات فقط، وإنما كتاب هداية وتغيير، قال تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9).

إن المفارقة بين الرجل الذي عاش مشاهد الجاهلية، وذاك الذي صار مقصدًا للقراء والطلاب، توضح أن الإنسان لا يُقاس ببداياته، وإنما بما يختم الله له به من التحول والاستقامة.

ولهذا كان من أبرز مظاهر عظمة الإسلام أنه لم يغلق باب الإصلاح أمام أحد؛ فالإنسان قد يحمل تاريخًا طويلًا من الجهل، لكنه حين يدخل دائرة الهداية يصبح عنصر بناء في مجتمعه.

ومن أعمق ما يترجم هذه النظرة إلى القرآن قول محمد بن كعب القرظي رحمه الله: «لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح: «إذا زلزلت الأرض زلزالها» و«القارعة» لا أزيد عليهما، وأتفكر فيهما وأتردد، أحب إليَّ من أن أهذَّ القرآن هذًّا»(6)، فقد جعل قيمة التلاوة فيما تتركه من أثر في القلب، لا فيما يقطعه اللسان من صفحات؛ فآيات قليلة مع تدبر يوقظ القلب ويغير السلوك، خير من قراءة كثيرة لا تتجاوز حدود الصوت.

كيف يعيش العالم في أعمار الذين تعلموا؟

لم يكن أثر أبي رجاء العطاردي محدودًا في شخصه؛ فقد قرأ عليه أبو الأشهب العطاردي وغيره، وروى عنه عدد من كبار العلماء مثل أيوب السختياني، وابن عون، وعوف الأعرابي، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم.

وهنا تظهر إحدى سنن العلم الكبرى؛ أن العالم لا يعيش فقط في عمره الزمني، بل يعيش في أعمار من تعلموا منه، فالكلمة الصادقة، والتعليم المتقن، ونقل المعرفة بأمانة، تتحول إلى سلسلة ممتدة عبر الأجيال.

وهذا المعنى يفسر عناية المسلمين بالإسناد؛ لأن العلم عندهم ليس مجرد أفكار مجردة، بل ميراث ينتقل من شخص إلى شخص مع التثبت والضبط.

ولعل أبلغ صورة لهذا الامتداد العلمي ما صنعه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رضي الله عنهما في المدينة قبل الهجرة، حين جعلا مهمتهما الأولى تعليم الناس القرآن، حتى قال البراء بن عازب رضي الله عنهما: «أول من قدم علينا من أصحاب النبي مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجَعَلا يُقرئاننا القرآن»(7)، فلم يكن أثرهما في عدد من سمع منهما فحسب، بل في جيلٍ حمل القرآن بعدهما، ثم حمله ذلك الجيل إلى من بعده، وهكذا يصنع المعلم أثره الحقيقي حين تتحول معرفته من محفوظٍ عنده إلى علمٍ حيّ ينتقل عبر الأجيال.

وفي عصر تتسارع فيه وسائل النشر، يبقى السؤال المهم: ما نوع الأثر الذي يتركه الإنسان؟ هل يترك ضجيجًا عابرًا، أم يترك علمًا ينتفع به الناس؟

من قيود الذكريات إلى شواهد نعمة الهداية

حين سُئل أبو رجاء عن ذكرياته قال: «أذكر قتل بسطام»، ثم أنشد البيت الذي يصور سقوط الفارس، هذه الرواية تكشف جانبًا من طبيعة الذاكرة الإنسانية؛ فالإنسان يحتفظ بالمشاهد الكبرى التي صنعت وعيه.

لكن اللافت أن هذه الذكريات لم تمنعه من السير إلى الله، بل أصبحت جزءًا من قصة التحول، فالمؤمن لا ينكر ماضيه، لكنه لا يسمح له بأن يحكم مستقبله.

وهذا معنى تربوي عظيم؛ فكثير من الناس يظلون أسرى أخطاء أو مراحل سابقة، بينما يعلمنا نموذج أبي رجاء أن الماضي قد يتحول إلى شاهد على فضل الله إذا أصبح الإنسان بعده أكثر قربًا واستقامة؛ قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) (الزمر: 53).

ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمحو من ذاكرته صورة الرجل الذي كان يومًا من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم(8)، بل كان يستحضرها وهو يتحدث عن إسلامه، لتصبح تلك العداوة نفسها شاهدًا على عظمة التحول الذي أحدثه الإسلام في حياته، فالماضي عنده لم يعد قيدًا يجرّه إلى الوراء، وإنما صار جزءًا من قصة الهداية التي يَظهر فيها فضل الله على عبده، وهكذا قد تتحول أشد صفحات الماضي ظلمةً إلى أبلغ الشواهد على قدرة الإنسان، بعون الله، أن يبدأ من جديد.

من رحلة الطلب المبكرة إلى المرجعية العلمية

قد لا يكون أبو رجاء قائدًا سياسيًا أو صاحب منصب، لكنه يمثل نموذجًا من القيادة العلمية والتربوية، فقد بدأ حياته طالبًا للحق، ثم أصبح بعد ذلك ممن يُرجع إليهم في القرآن والرواية.

وهذه من أهم قواعد القيادة المؤثرة؛ أن أعظم القادة هم الذين ظلوا في داخلهم طلاب علم، فالتوقف عن التعلم هو بداية انغلاق الإنسان على نفسه.

لقد علّم أبو رجاء من بعده أن احترام المعرفة مقدم على احترام الذات، وأن من أراد أن يكون مؤثرًا في الناس فعليه أولًا أن يقبل أن يتأثر بالحق.

وتأخذ هذه القاعدة صورتها الأوسع في سيرة الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله؛ فقد بدأ رحلته العلمية طالبًا، فرحل في سن مبكرة، وطاف الأمصار، ولازم الشيوخ، وظل يجمع العلم ويطلبه حتى انتهى به الأمر إلى أن صار من كبار أئمة الاجتهاد، يُرجع إلى قوله ويُعتد برأيه(9)، فالمكانة العلمية التي بلغها لم تكن نقطة البداية، وإنما كانت ثمرة سنوات من التلقي والرحلة والتواضع للعلم، وفي ذلك درس لكل من يطلب التأثير: أن من أراد أن يكون مرجعًا للناس، فعليه أن يبقى طويلًا طالبًا للحق.

من أمجاد الغلبة القبلية إلى كرامة الهداية

تكشف سيرة أبي رجاء العطاردي عن التحول الحضاري الذي أحدثه الإسلام في الإنسان العربي؛ فلم يعد التفاضل قائمًا على القوة القبلية أو الشهرة في أيام العرب، بل أصبح قائمًا على العلم والتقوى والقيام بكتاب الله؛ قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13).

لقد انتقل الإنسان في ظل الإسلام من صناعة الأمجاد المرتبطة بالغلبة والصراع إلى صناعة الأمجاد المرتبطة بالعلم والهداية، وأبو رجاء أحد النماذج التي تجسد هذا الانتقال؛ فقد حفظ التاريخ اسمه لا لأنه كان فارسًا في الجاهلية، بل لأنه أصبح حاملًا لكتاب الله وناقلًا للعلم.

وهذا الميزان عبّر عنه سعيد بن المسيب رحمه الله بكلمة جامعة: «ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله عز وجل، ولا أهانت أنفسها بمثل معصية الله»(10)، فمعيار الكرامة في التصور الإسلامي لا تصنعه القوة ولا الشهرة ولا ما يملكه الإنسان من أسباب الدنيا، وإنما تصنعه صلته بالله وطاعته له، ومن هنا تغيرت مقاييس التفاضل؛ فأصبح الإنسان يعلو بما يحمله من هداية وتقوى، لا بما كان يملكه من جاه أو غلبة.

إن قصة أبي رجاء العطاردي ليست مجرد ترجمة لرجل من رواة الحديث والقرآن، بل هي قصة الإنسان حين يفتح قلبه للتحول، فيها نرى كيف يستطيع الوحي أن يعيد تشكيل الشخصية، وكيف يمكن للعمر الطويل أن يصبح رصيدًا للتجربة لا عائقًا أمام البداية الجديدة.

لقد بدأ أبو رجاء من بيئة الجاهلية، لكنه لم ينته إليها؛ بدأ رجلًا يحمل ذاكرة الصحراء، وانتهى عالمًا يحمل نور القرآن، وبين البداية والنهاية تتجلى سنة عظيمة من سنن الله في عباده: أن أبواب الهداية والعلم تبقى مفتوحة لمن صدق في طلبها.

الهوامش
  • 1 أبو رجاء العطاردي الإمام الكبير شيخ الإسلام، عمران بن ملحان التميمي البصري من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص254.
  • 3 صفة الصفوة، ج2، ص51-52.
  • 4 رواه البخاري.
  • 5 صفة الصفوة، ج2، ص98.
  • 6 المرجع السابق، ج2، ص133.
  • 7 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص14.
  • 8 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص75.
  • 9 شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبْ، ج1، ص29، 30.
  • 10 صفة الصفوة، ج2، ص81.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة