ثبات البصيرة أمام الفتنة.. مطرف بن عبدالله بن الشخير
روى الذهبي في
ترجمته لمطرف بن عبدالله بن الشخير(1)، عن أبيه قال: «أتيت النبي صلى
الله عليه وسلم وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء»(2).
وقال ابن سعد:
«كان ثقة، له فضل وورع وعقل وأدب»، وقال العجلي: «كان ثقة، لم ينج بالبصرة من فتنة
ابن الأشعث إلا هو وابن سيرين».
وقال غيلان بن
جرير: كان بين مطرف بن عبدالله ورجل كلام، فكذب عليه، فقال مطرف: «اللهم إن كان كاذبًا
فأمته»، فخر ميتًا مكانه، فرفع ذلك إلى زياد، فقال زياد: «قتلت الرجل؟»، فقال
مطرف: «لا، ولكنها دعوة وافقت أجلًا».
وكان مطرف بن
عبدالله يلبس المطارف والبرانس، ويركب الخيل، ويغشى السلطان، ولكنه إذا أفضى إليه
أفضى إلى قرة عين.
وكان يقول:
«عقول الناس على قدر زمانهم»، وقال: «فضل العلم أحب إليَّ من فضل العبادة، وخير
دينكم الورع»(3).
هذه الأسطر
القليلة لا تقدم ترجمة زمنية مفصلة لمطرف بن عبدالله بن الشخير بقدر ما تفتح نوافذ
متباعدة على شخصيته: حديث يرويه عن أبيه في خشوع النبي صلى الله عليه وسلم، وشهادة
في ثقته وورعه وعقله، وموقف من فتنة سياسية عاصفة، وحضور عند السلطان، وأناقة في
الهيئة، وسكينة في المخالطة، وكلمتان من جوامع الحكمة في العقل والعلم والورع.
سيرة التابعي مطرف بن عبدالله بالبصرة
كان مطرف بن
عبدالله من أعلام التابعين بالبصرة، ووصفه ابن سعد بأنه «ثقة له فضل وورع وعقل
وأدب»، وهي عبارة قصيرة تجمع أربعة أركان قلما تجتمع في وصف واحد: الأمانة
العلمية، والزيادة في الخير، والرقابة الأخلاقية، ونضج العقل، وحسن السمت.
وتزداد دلالة
هذا الوصف إذا وضعناه في بيئة البصرة في القرن الأول الهجري؛ تلك المدينة التي
كانت مركزًا للعلم والرواية، وفي الوقت نفسه مسرحًا لصراعات سياسية واجتماعية
شديدة، ومن أكبر ما أدركه مطرف في أواخر ذلك القرن فتنة عبد الرحمن بن محمد بن
الأشعث، التي تؤرخ المصادر لابتدائها سنة 81هـ، وقيل سنة 82هـ، ثم جاءت وقعة دير
الجماجم في سياقها.
لكن الإنصاف
التاريخي يقتضي ألا نحمل النص أكثر مما يحتمل، فقول العجلي إن مطرفًا وابن سيرين
ممن «نجا» من الفتنة يدل على سلامتهما من التورط فيها بحسب تعبير صاحب الترجمة،
لكنه لا يكشف لنا بالتفصيل عن الحسابات التي دارت في ذهن مطرف، ولا يثبت وحده أنه
أجرى موازنة سياسية بالمعنى المؤسسي الحديث، ما نملكه يقينًا هو النتيجة: رجل لم
تجرفه موجة اضطرب فيها كثير من الناس، وبقي اسمه في كتب التراجم مقرونًا بالعقل
والورع.
وهنا تبدأ قيمة
سيرته المعاصرة؛ فليست العبرة في أن يبتعد الإنسان عن كل شأن عام، بل في أن يمتلك
من البصيرة ما يمنعه من تحويل الحماسة إلى بديل عن العلم، أو كثرة المؤيدين إلى
دليل مستقل على صحة الموقف.
كيف يتحول خشوع الصلاة إلى ثبات أخلاقي؟
اختار أصحاب
التراجم أن يوردوا في أخبار مطرف بن عبدالله حديثه عن أبيه؛ أنه أتى النبي صلى
الله عليه وسلم وهو يصلي، ولصدره أو لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، والصورة
شديدة القوة؛ فالمرجل إذا اشتد غليانه سُمع له صوت من داخله، وكذلك كان بكاء النبي
صلى الله عليه وسلم: خشية لا تحتاج إلى استعراض، بل يظهر أثرها رغم محاولة صاحبها
كتمانها.
وليس معنى ذلك
أن كل من روى حديثًا في باب صار متصفًا بكل ما فيه، لكن اجتماع هذه الرواية مع ما
نُقل عن مطرف بن عبدالله من الورع يجعلها مفتاحًا مناسبًا لقراءة شخصيته: القلب
حاضر، غير أن حضوره لا يلغي العقل، والخشية عميقة، لكنها لا تحول صاحبها إلى إنسان
منقطع عن المجتمع.
ويتأكد عمق
الخشية في حال سعيد بن عبد العزيز رحمه الله؛ فقد كان يُسمع وقع دموعه على الحصير
وهو يصلي، ولما سُئل عن سبب بكائه قال: «ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم»(4)،
فليست الخشية عنده مجرد إحساس عابر، بل حضورٌ يستولي على القلب حين يقف بين يدي
الله، حتى يظهر أثره في دموعه دون تكلف.
وهكذا تتكامل
الصورة؛ خشوع يلين له القلب، وورع يضبط السلوك، وعقل يحسن توجيه هذا الشعور؛ فلا
تكون العبادة مجرد انفعال، ولا المعرفة مجرد معلومات، بل بناءً يجمع بين حياة
القلب واستقامة العمل.
وهذا التوازن
مهم في التربية اليوم؛ إذ قد يختزل بعض الناس الصلاح في حرارة الشعور وحدها، كما
قد يختزله آخرون في المعرفة الذهنية المجردة.
تكامل الورع والعقل والأدب في شخصية التابعي
لو قيل عن مطرف
بن عبدالله: إنه عابد فقط، لبقيت الصورة ناقصة، ولو قيل: عالم فقط، لم نعرف أثر
العلم فيه، ولهذا تبدو شهادة ابن سعد من أكثر مفاتيح الترجمة دقة: «ثقة له فضل
وورع وعقل وأدب»، وهي شهادة منقولة كذلك في كتب الرجال التي ترجمت له.
فالورع بلا عقل
قد ينقلب عند بعض الناس إلى تشدد في غير موضعه، والعقل بلا ورع قد يصبح حيلة تتقن
تبرير المصالح، والعلم بلا أدب قد يثقل على الناس بدل أن يهديهم، والأدب بلا أصل
علمي قد يتحول إلى مجاملة فارغة، أما اجتماعها فيصنع شخصية أقرب إلى الاتزان.
ومن هنا يمكن
فهم بقية أخباره، فهو حين يبتعد عن الفتنة لا يظهر في النص خائفًا من الحياة، وحين
يدخل على السلطان لا يظهر متكلفًا هيئة الزاهد المنقطع، وحين يلبس حسن الثياب لا
تسقط عنه شهادة الورع، إننا أمام بناء أخلاقي لا يقوم على مظهر واحد يمكن تقليده،
وإنما على منظومة داخلية يضبط بعضها بعضًا.
وتتجسد هذه
الصورة المتكاملة في شهادة عائشة رضي الله عنها لزينب بنت جحش رضي الله عنها؛ فلم
تحصر فضلها في جانب واحد، بل وصفتها بعبارات تجمع الدين والورع والصدق وصلة الرحم
والصدقة والعمل، فقالت: «ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله،
وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق
به، وتقرب به إلى الله»(5).
وهكذا تتأكد
قيمة اجتماع الخصال؛ فالشخصية المتزنة لا تُبنى بصفة منفردة، وإنما بتآزر التقوى
والصدق والأدب والعمل، حتى يتحول العلم والورع من أوصاف تُقال إلى سلوك يظهر في
حياة الإنسان.
لماذا رفض مطرف الانجراف خلف حماسة الجماعة؟
تعد عبارة
العجلي من أكثر أخبار الترجمة إثارة للتأمل: «لم ينج بالبصرة من فتنة ابن الأشعث
إلا هو وابن سيرين»، وقد نقلتها كتب التراجم عنه، كما وردت في ترجمة مطرف بن
عبدالله عند أهل الرجال.
ولا ينبغي فهم
العبارة على أنها إحصاء رقمي لجميع سكان البصرة، ولا بناء نسب مئوية عليها؛ فهي
عبارة من عبارات أهل التراجم في إبراز قلة من سلموا من الدخول في تلك الفتنة ضمن
الطبقة المقصودة، لكن دلالتها الأخلاقية قوية: كثرة المتحمسين لا تعفي العالم من
مسؤولية النظر المستقل.
وفي زمن تتسارع
فيه المواقف عبر المنصات الإعلامية، وتصبح القضية العامة في ساعات قليلة اختبارًا
للولاء والانتماء، يعيد موقف مطرف بن عبدالله سؤالًا قديمًا بصيغة شديدة المعاصرة:
هل يستطيع الإنسان أن يؤخر حكمه حتى يعلم؟ وهل يملك الشجاعة لأن يكون أقل اندفاعًا
من محيطه؟
القرآن لا يجعل
الكثرة معيارًا مجردًا للحق، كما يجعل التثبت أصلًا في تلقي الأخبار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، وليس
المقصود إسقاط الآية مباشرة على أشخاص تلك الفتنة، وإنما الاستدلال بأصلها التربوي
العام؛ أن القرار الأخلاقي لا يصح أن يكون مجرد انعكاس لضغط الجماعة.
ولهذا لا تكون
الحكمة دائمًا في أن يكون المرء أسرع الناس إلى الاصطفاف؛ فقد تكون في أن يكون
أبطأهم إلى الحكم حين تختلط المعلومات والعواطف والمصالح.
لماذا لم تفسد مجالسة الأمراء ورع مطرف بن عبدالله؟
ربما كان من
أكثر أخبار مطرف بن عبدالله كسرًا للصورة النمطية قول غيلان بن جرير: «كان يلبس
المطارف والبرانس، ويركب الخيل، ويغشى السلطان، ولكنه إذا أفضيت إليه، أفضيت إلى
قرة عين».
فمطرف بن
عبدالله لم يكن زاهدًا بالمعنى الذي يحول الزهد إلى عزلة اجتماعية أو إهمال للهيئة،
كان يدخل على أهل السلطان، لكن صاحب الخبر لا يصفه بأنه صار منهم أو ذاب في
مجالسهم، وإنما ينقل شيئًا أدق: إذا تجاوزت ظاهر حياته ووصلت إلى باطن صحبته وجدت
«قرة عين».
وهذا الفارق
جوهري، فمجرد القرب من صاحب سلطة ليس فضيلة في ذاته، كما أنه ليس مذمة في ذاته؛
وإنما الميزان فيما يترتب على هذا القرب من حق أو باطل، ونصح أو مداهنة، ومصلحة أو
مفسدة، والنص الذي بين أيدينا لا يسرد تفاصيل علاقته بالسلطة حتى نبني عليها
أحكامًا أوسع، لكنه يكفي لنقض تصور أن الورع لا يتحقق إلا بالبعد المادي عن أصحاب
النفوذ.
وفي بيئات العمل
والإدارة والإعلام اليوم، يحتاج صاحب المبدأ إلى هذا التفريق نفسه: يستطيع أن يدخل
مجالس التأثير من غير أن يجعل رضا أصحابها معيار الحق، وأن يستخدم المكانة من غير
أن تستخدمه المكانة.
هل ينافي حسن اللباس والزينة حقيقة الزهد؟
كان مطرف بن
عبدالله «يلبس المطارف والبرانس ويركب الخيل»، والمطرف من الثياب المعروفة بالجودة
والزينة، والخبر يرسم رجلًا حسن الهيئة، غير متكلف للبؤس.
وهذا المعنى له
أصل عام في السُّنة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر
نعمته على عبده»(6).
لكن الفارق بين
إظهار النعمة والتعلق بها يقع في القلب والسلوك: قد يلبس الإنسان الثوب الحسن
شكرًا لله، وقد يلبسه كبرًا ومباهاة؛ والثوب واحد، ولكن النية والأثر مختلفان، ولهذا
جاءت الرواية عن مطرف بن عبدالله مركبة بعناية؛ لباس حسن وركوب خيل من جهة، ثم
«إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين» من جهة أخرى.
والرسالة
التربوية هنا ليست دعوة إلى الترف، بل تحرير مفهوم الزهد من الصورة الخارجية، الزهد
في جوهره ألا تملك الدنيا موضع القيادة في القلب، لا أن يتعمد الإنسان إظهار الفقر
أو إهمال ما أباح الله من زينة.
كيف تتصرف بكرامة وهدوء عند المساءلة والاتهام؟
ينقل غيلان أن
رجلًا كذب على مطرف، فدعا عليه: «اللهم إن كان كاذبًا فأمته»، فمات الرجل مكانه،
ثم رفع الأمر إلى زياد، فقيل لمطرف: «قتلت الرجل؟» فقال: «لا؛ ولكنها دعوة وافقت
أجلًا».
لا ينبغي تحويل
هذه الحكاية إلى قاعدة في الدعاء على المخالفين، ولا إلى أصل فقهي مستقل في
المسؤولية الجنائية؛ فالنص خبر عن واقعة بعينها، وليس بابًا تشريعيًا مفصلًا، لكن
ما يلفت النظر فيه هو وضوح جواب مطرف ورباطة جأشه: لم يتوسع في الدفاع، ولم ينسب
إلى نفسه قدرة ليست له، وإنما رد الأمر إلى قدر الله.
وفي العبارة
نفسها تصحيح لطيف للنظر إلى الأسباب: الإنسان يدعو، لكن الأجل لله؛ وقد توافق
الدعوة وقتًا قد سبق به القضاء، وهذا المعنى يعيد للنفس حدودها؛ فلا تغتر إذا وقع
ما أرادت، ولا تتوهم أنها تملك مصائر الخلق.
كما يكشف الموقف
عن قيمة الهدوء عند المساءلة، كثير من الأزمات يتضاعف ضررها لأن الإنسان تحت وطأة
الخوف يزيد على الوقائع أو يطلق عبارات غير منضبطة، أما الجواب المحدد، الذي يعرف
فيه صاحبه ما فعله وما لم يفعله، فهو من علامات حضور العقل وقت الشدة
ويظهر هدوء
النفس عند المساءلة بوضوح في موقف حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، حين اتُّهم
بالخيانة وطالب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقتله، فلم يدفعه الخوف إلى الاضطراب
أو الإنكار المجرد، بل شرح للنبي صلى الله عليه وسلم حقيقة موقفه بوضوح، مبينًا
أنه لم يفعله كفرًا ولا ارتدادًا، فاستمع إليه النبي صلى الله عليه وسلم وصدّقه(7).
وهنا يبرز وجه
الشبه الأعمق؛ أن الثبات عند وقوع الاتهام؛ فحين تضيق اللحظة، لا يكون حفظ الإنسان
لموقفه بكثرة الكلام، وإنما بقدرته على عرض الحقيقة بهدوء، ومعرفة حدود مسؤوليته،
وترك ما وراء ذلك لحكم الله.
كيف تراعي تغير العصر دون المساس بالثوابت؟
من أعمق ما روي
عن مطرف قوله: «عقول الناس على قدر زمانهم»؛ هذه العبارة لا يلزم منها أن الحق
والباطل يتغيران بتغير الأزمنة، وإنما تشير إلى حقيقة تتكرر في الاجتماع الإنساني:
طرائق التفكير، ومساحات المعرفة، وأسئلة الناس، وما يعدونه بديهيًا أو غريبًا،
كلها تتأثر بالزمان والبيئة.
وهذا من أهم
أبواب الحكمة في الدعوة والتعليم، فالمعلم الذي يخاطب أبناء زمنه بلغة زمن سابق
دون أن يفهم أسئلتهم قد يمتلك الحق ولا يحسن إيصاله، والداعية الذي لا يعرف
المؤثرات الجديدة في وعي الناس قد يجيب عن أسئلة لم يعد أحد يسألها، ويترك الأسئلة
التي تحرك القلوب والعقول فعلًا.
لكن مراعاة
الزمن شيء، والخضوع له شيء آخر، نقرأ زماننا حتى نحسن مخاطبته، لا حتى نجعل أهواءه
مصدرًا للحق، ومن هنا تصبح كلمة مطرف جسرًا بين الثبات والمرونة: ثبات في الأصول،
ووعي متجدد بالإنسان الذي نخاطبه.
لماذا يفضل علماء الإسلام العلم على العبادة؟
قال مطرف: «فضل
العلم أحب إليَّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع»؛ وقوله لا ينتقص من العبادة؛
فالعلم والعبادة في التصور الإسلامي ليسا خصمين، إنما يشير إلى أن العمل يحتاج إلى
نور يهديه، وقد قال الله تعالى: (قُلْ
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9).
فالإنسان قد
يملك حماسة عظيمة، لكن الحماسة إذا لم يصحبها علم قد تجعله يضع الجهد في غير
موضعه، أو يحسن القصد ويسيء الطريق، وهذا المعنى يتصل اتصالًا واضحًا بخبر الفتنة
في ترجمته: العلم ليس ترفًا يضاف إلى العمل بعد اكتماله، بل قد يكون هو الذي يمنع
العمل نفسه من التحول إلى خطأ جسيم.
وينطبق ذلك على
واقع الأسرة والتعليم والعمل والدعوة، ليس المطلوب أن يعمل الإنسان أكثر فحسب،
وإنما أن يعرف قبل ذلك ماذا يعمل، ولماذا، وبأي وسيلة، وما مآلات اختياره، كثرة
الحركة لا تعني دائمًا التقدم، كما أن حسن النية لا يغني عن حسن البصيرة.
وقد أحسن
المتنبي التعبير عن منزلة الرأي حين قال:
الرأي قبل شجاعة
الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
لماذا يتحول العلم دون ورع إلى تبرير؟
لم يفصل مطرف بن عبدالله فضل العلم عن الورع، بل جمعهما في عبارة واحدة، وهذا الجمع شديد الدلالة؛ لأن
العلم إذا لم يصحبه ورع قد يمنح صاحبه قدرة أوسع على التبرير بدل أن يمنحه قدرة
أوسع على الهداية.
والورع ليس
وسواسًا ولا تحريمًا لما أحل الله، وإنما هو يقظة أخلاقية تجعل المرء حذرًا من
المشتبهات وما قد يجره إلى الحرام، وفي الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله
عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه»(8).
وإذا قرأنا سيرة
مطرف بهذا المفتاح اتصلت أجزاء الترجمة بعضها ببعض؛ أن العلم يمنحه البصيرة،
والورع يضع للمعرفة حدها الأخلاقي، والعقل يمنعه من الاندفاع، والأدب يجعل أثر هذه
الخصال راحة لمن يخالطه.
ولهذا كانت
العبارة التي ختم بها غيلان وصفه بليغة إلى حد بعيد: «إذا أفضيت إليه، أفضيت إلى
قرة عين»، فالقيمة الحقيقية للأخلاق لا تظهر في الشعارات، وإنما في أثر الإنسان
على من يقترب منه: هل يجد عنده الطمأنينة أم القلق؟ العدل أم التقلب؟ الصدق أم
التكلف؟
معالم الشخصية المتزنة من سيرة التابعي مطرف
ليس أكثر ما
يميز هذه الترجمة بطولة منفردة أو حدثًا استثنائيًا واحدًا، وإنما اجتماع أشياء قد
يتوهم الناس أنها متعارضة.
خشية وبكاء من
جهة، وعقل واتزان من جهة أخرى، ورع، مع لباس حسن وركوب خيل، قرب من السلطان، مع
بقاء المحبة والسكينة في خاصة صحبته، علم، لكنه لا ينفصل عن مراقبة الله، استقلال
عن موجة الفتنة، دون أن يتحول إلى إنسان معزول عن المجتمع.
وهذا الاجتماع
هو ما يجعل ترجمته نافعة لإنسان العصر الحديث، ففي المؤسسات نحتاج إلى صاحب خبرة
لا تفسده المصلحة، وفي الإعلام نحتاج إلى من لا تتكون مواقفه من ضغط اللحظة، وفي
الدعوة نحتاج إلى العلم الذي يمنع الحماسة من أن تسبق البصيرة، وفي الأسرة نحتاج
إلى شخصية يكون قربها «قرة عين» لا مصدر توتر دائم.
والقيادة، بهذا المعنى، ليست منصبًا قبل أن تكون قدرة على قيادة النفس: ألا يبتلعك الجمهور حين يندفع، ولا السلطة حين تقترب، ولا المظهر حين يتحسن، ولا المعرفة حين تتسع، من استطاع أن يبقى سيدًا على هذه المؤثرات كان أقرب إلى التأثير في غيره من غير أن يفقد نفسه.
الهوامش
- 1 مطرف بن عبدالله ابن الشخير الإمام القدوة الحجة أبو عبدالله الحرشي العامري البصري، أخو يزيد بن عبدالله.
- 2 حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، وغيرهم.
- 3 سير أعلام النبلاء، ج4، ص188-189.
- 4 المرجع السابق، ج8، ص34.
- 5 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج4، ص67.
- 6 حديث حسنه الترمذي.
- 7 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج4، ص97.
- 8 رواه البخاري، ومسلم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً