كيف نختار العالِم الموثوق؟ الشعبي يزكّي محمد بن سيرين
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة محمد بن سيرين(1)، عن شعيب بن الحبحاب، قال:
«كان الشعبي يقول لنا: عليكم بذلك الأصم»؛ يعني ابن سيرين(2).
بكلمات قليلة،
وجّه الإمام عامر بن شراحيل الشعبي أصحابه إلى محمد بن سيرين، أحد كبار علماء
التابعين، دون أن يسرد فضائله أو يعدد مناقبه، مكتفيًا بقوله: «عليكم بذلك الأصم».
وهي حكاية
قصيرة، لكنها تكشف ثلاثة معانٍ متكاملة؛ منزلة ابن سيرين العلمية، وإنصاف الشعبي
لغيره من العلماء، وأن الصفات الجسدية لا تحول دون بلوغ مراتب الفضل.
كسر احتكار التلقي في توجيه الشعبي لطلابه
كان الشعبي من
أعلام الكوفة، وكان محمد بن سيرين من أئمة البصرة، وكلاهما من كبار علماء التابعين
الذين حملوا العلم عن الصحابة رضي الله عنهم.
ولم تكن عبارة
الشعبي مجرد ثناء على ابن سيرين؛ فصيغة «عليكم» تحمل معنى الحث على ملازمته
والانتفاع بعلمه؛ فهو لم يكتف بإخبار أصحابه عن منزلته، بل وجّههم إلى الأخذ عنه.
ولا تذكر
الرواية مناسبة هذا التوجيه أو مجلسه، لكن تكرار الشعبي له، كما يفيده قول شعيب:
«كان الشعبي يقول لنا»، يدل على أنه لم يكن مجرد عبارة عابرة، بل توصية عرفها عنه
أصحابه.
وهذا يضعنا أمام
صورة من صور الثقة العلمية بين علماء التابعين؛ فعالم له مكانته يحث طلابه على
الانتفاع بعالم آخر، لأن غايته أن يصلوا إلى العلم الموثوق، لا أن ينحصر تلقيهم
عنه وحده.
وتؤكد أهميةَ
التلقي عن العلماء الموثوقين وصيةُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد،
حين أخذ بيده وخرج به إلى ناحية الجبّان، ثم قال له: «الناس ثلاثة: فعالم رباني،
ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا
بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق»(3)؛ مبينًا أن طالب العلم يحتاج
إلى علماء يهتدي بعلمهم، حتى لا يكون تابعًا لكل رأي أو متأثرًا بكل دعوة.
كيف صاغ محمد بن سيرين ميزان التثبت؟
لم تأتِ توصية
الشعبي من فراغ؛ فقد عُرف محمد بن سيرين، المتوفى سنة 110هـ، بالفقه والحديث
والورع وشدة التحري في الرواية.
ومن أشهر كلماته
ما رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون
دينكم»؛ وهي عبارة تختصر منهجه في التلقي؛ فليس كل من تحدث في الدين أهلًا لأن
يُؤخذ عنه، وإنما العبرة بثبوت العلم وأمانة ناقله.
ومن هنا نفهم
قيمة شهادة الشعبي؛ فهي ليست إعجابًا بشخصية مشهورة، وإنما تزكية لعالم عُرف بما
يؤهله للتعليم والاقتداء في طلب العلم.
ولم يكن هذا
الجمع بين رسوخ العلم وشدة التحري مقصورًا على ابن سيرين، بل امتد إلى أئمة العلم
من بعده؛ ومن أبرزهم الإمام البخاري، الذي امتحنه علماء بغداد بمئة حديث خلطوا
أسانيدها بمتونها، فردّ كل حديث إلى إسناده الصحيح، فأقرّوا له بالحفظ والفضل، وقد
اقترنت دقته العلمية بورعه، حتى رُوي عنه أنه قال: «خرجت كتاب الصحيح من زهاء
ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين»(4)؛ مما يؤكد
أن الثقة بالعالم تقوم على رسوخ علمه وأمانته في نقله.
تفريق العلماء الدقيق بين التعريف والتنابز بالألقاب
لفظة «الأصم» هي
أبرز ما يلفت النظر في الحكاية؛ فقد وردت في مقام التوصية بعالم جليل، لا في مقام
الانتقاص منه.
وكان العلماء
يستعملون بعض الأوصاف الجسدية للتعريف بالأشخاص، كما في ألقاب الأعمش والأعرج
والأصم، إذا كان المقصود التعريف لا التعيير، وقد نهى القرآن الكريم عن التنابز
بالألقاب فقال تعالى: (وَلَا
تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) (الحجرات: 11).
وفرّق أهل العلم
بين الألقاب المؤذية، وبين ما يُذكر للتعريف من غير قصد التنقص، مع مراعاة حال
الموصوف وما يكرهه، وفي عبارة الشعبي معنى لطيف؛ إذ لم يمنع الوصف المتعلق بسمع
ابن سيرين من تقديمه بوصفه عالمًا يُرجع إليه.
وليس في الرواية
ما يثبت أن ضعف سمعه كان سببًا في قوة حفظه أو زيادة تركيزه، وإنما تدل على أن هذا
الوصف لم يحجب فضله ومكانته.
ويؤكد أن قيمة
الإنسان لا تُقاس بمظهره أو نظرة الناس إليه ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم
على الله عز وجل لأبره، منهم البراء بن مالك»(5)؛ فربّ إنسان لا يلتفت
الناس إليه لهيئته أو حاله، وهو عند الله عظيم المنزلة، مما يعلّمنا ألا نجعل
المظاهر حجابًا يحول دون معرفة فضل الناس وقدرهم.
وهذا ميزان جدير
بالحضور في واقع الناس؛ فلا تُختزل قيمة الإنسان في هيئة جسده أو ظروفه
الاجتماعية، وإنما يُنظر إلى علمه وأمانته وقدرته على أداء ما يتولاه.
إيثار مصلحة المتعلم على رغبة المعلم بالاستئثار
إذا كشفت
الرواية منزلة محمد بن سيرين، فإنها تكشف في الوقت نفسه خلقًا رفيعًا لدى الشعبي، فقد
كان الشعبي عالمًا مشهورًا، وله أصحابه وطلابه، ومع ذلك وجّههم إلى الانتفاع بغيره
دون أن يجد في ذلك غضاضة.
وهذا من التجرد
العلمي؛ إذ لا يجعل العالم مكانته الشخصية غاية، وإنما يرى نفسه مسؤولًا عن إرشاد
المتعلم إلى من ينفعه، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43).
والرجوع إلى أهل
العلم يقتضي معرفة أهلية المسؤول، كما يقتضي من المعلم أن يدل على من يحسن ما قد
لا يحسنه هو، وهذا المعنى يتجاوز مجالس العلم إلى التربية والعمل؛ فالمعلم الأمين
يوجه طالبه إلى المتخصص الأقدر، والمسؤول الناجح يفسح المجال لصاحب الكفاءة،
والمربي الصادق يقدم مصلحة من يرعاه على رغبته في الاستئثار بالتوجيه.
وهذا التجرد في
الاعتراف بفضل الآخرين نجده كذلك عند تاج الدين السبكي، الذي أنصف كبار علماء
عصره، فقال: «اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ وبينهم عموم وخصوص: المزي،
والبرزالي، والذهبي، والشيخ الوالد، لا خامس لهم في عصرهم»(6)، ولم
يمنعه علمه ومكانته من الثناء على شيخه الذهبي، حتى وصفه بأنه ممن «تُعمل المطي
إلى جواره»؛ في صورة تعكس أن رفعة العالم لا تكون بالاستئثار بالمكانة، بل
بالاعتراف بفضل أهل العلم والدلالة عليهم.
فإنصاف الآخرين
ليس مجرد فضيلة شخصية، بل هو أساس للتكامل العلمي والمهني، ووسيلة لحماية الناس من
التعصب للأسماء والمناصب.
التزكية كأداة ترشيد لا صك عصمة مطلقة
تحمل توصية
الشعبي معنى آخر يتصل بطريقة اختيار المرجعيات العلمية؛ فطالب العلم المبتدئ لا
يستطيع دائمًا التمييز بين مراتب العلماء أو تقدير قوة مناهجهم؛ ولذلك ينتفع
بشهادات أهل الخبرة الذين يعرفون الرجال ومقدار علمهم.
وفي هذا السياق
تأتي تزكية الشعبي لمحمد بن سيرين، فهي شهادة عالم بعالم، تقوم على معرفة بأهليته، لا
على مجرد شهرة أو انطباع، لكن التزكية لا تعني عصمة صاحبها من الخطأ، ولا تجعل كل
أقواله حجة مستقلة؛ وإنما تعين على حسن اختيار من يُؤخذ عنه العلم.
وهذا المعنى
بالغ الأهمية في عصر تتعدد فيه المنصات والأصوات؛ فقد يكون المتحدث مشهورًا واسع
الانتشار، دون أن يكون متخصصًا فيما يتحدث عنه.
والميزان الأصح
أن يُنظر إلى علمه، وضبطه، وأمانته، وشهادة أهل الاختصاص له، لا إلى عدد المتابعين
أو قوة التأثير الخطابي وحدهما.
ومن هنا تتجدد
قيمة مقولة محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، بوصفها
أصلًا في مسؤولية التلقي والتحقق.
حين تلخص كلمات معدودة دستور الإنصاف العلمي
لم ينقل شعيب بن
الحبحاب خطبة مطولة للشعبي في فضائل محمد بن سيرين، وإنما حفظ عنه كلمات معدودة:
«عليكم بذلك الأصم»، ومع إيجازها، جمعت الرواية بين فضل الموصَى به وأمانة
الموصِي؛ فقد بلغ محمد بن سيرين منزلة جعلت عالمًا كبيرًا يدل عليه، وبلغ الشعبي
من الإنصاف أن وجّه أصحابه إلى الانتفاع بعلمه.
وفي الحكاية
تذكير بأن قيمة العالم لا تقاس بالمظهر أو الشهرة، بل بما يحمله من علم وورع، وأن
صدق المعلم يظهر أيضًا في قدرته على الاعتراف بفضل غيره.
وهكذا بقيت كلمة
الشعبي شاهدًا على أدب علمي رفيع: أن يكون العلم هو المقصود، وأن يُعرف لأهله
فضلهم، وأن يُدل الناس على من ينفعهم دون تعصب أو استئثار.
وتذكّرنا هذه الكلمة الموجزة للشعبي بأن قوة التوجيه ليست بكثرة الكلام، بل بما يحمله من معنى نافع؛ فقد رُوي عن مالك بن دينار أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سُئل أن يصف الدنيا، فقال: «أُطيل أم أُقصر؟»، قالوا: بل أقصر، فقال: «حلالها حساب، وحرامها النار»(7)؛ فجمع في كلمات قليلة معنى عظيمًا، كما جمع الشعبي في وصيته المختصرة دلالة واضحة على فضل ابن سيرين وأهمية الانتفاع بعلمه.
الهوامش
- 1 محمد بن سيرين الإمام، شيخ الإسلام، أبو بكر الأنصاري، الأنسي البصري، مولى أنس بن مالك، خادم النبي صلى الله عليه وسلم.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص608.
- 3 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ترجمة علي بن أبي طالب.
- 4 شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبْ، ج1، ص24 - 25.
- 5 الزهد للإمام أحمد بن حنبل، ج1، ص59 (134).
- 6 شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذَهَبْ، ج1، ص62.
- 7 الزهد لابن أبي الدنيا، ج1، ص29 (17).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً