كيف يصنع الخُلُق هيبة العالم؟ عامر بن شراحيل الشعبي

عبدالله السيد

16 سبتمبر 2026

45

تصميم بصري يعبر عن مكانة الإمام الشعبي العلمية وأثر الأخلاق في بناء شخصية العالم

روى الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة عامر بن شراحيل الشعبي(1)، أنه قال: «ما مات ذو قرابة لي وعليه دَيْن إلا قضيت عنه، ولا ضربت مملوكًا لي قط، ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس».

وقال أبو حصين: «ما رأيت أحدًا قط كان أفقه من الشعبي»، فقيل له: ولا شريح؟ فغضب وقال: «إن شريحًا لم أنظر أمره».

وقال مجالد: كنت مع إبراهيم في أصحابه، فأقبل الشعبي، فقام إليه إبراهيم وقال: «يا أعور، لو أن أصحابي أبصروك!»، ثم جاء الشعبي فجلس في موضع إبراهيم(2).

تكشف هذه المواقف الثلاثة جانبًا مركبًا من شخصية الإمام عامر بن شراحيل الشعبي؛ فلم يكن تميزه في كثرة المحفوظ فقط، ولا في مكانته بين علماء الكوفة فحسب، بل في اجتماع العلم بالسلوك، والفقه بالرحمة، والهيبة بالتواضع، وتأتي هذه الأخبار في سياق الكوفة خلال العصر الأموي، وهي بيئة عُرفت بكثرة حلقات العلم، وتنوع الاتجاهات الفكرية، واحتدام النقاشات الاجتماعية والسياسية، مما جعل العالم فيها محتاجًا إلى بناء شخصية متوازنة تجمع بين قوة العلم وحسن التعامل مع الناس.

ولا تهدف هذه القراءة إلى إعادة سرد الأخبار، وإنما إلى تأمل المعاني الإنسانية والتربوية التي تحملها هذه المواقف، مع التمييز بين أصل الخبر التاريخي وبين الدلالات المستفادة منه.

قضاء الديون حين يتحول الانتماء العائلي إلى مسؤولية

قول عامر بن شراحيل: «ما مات ذو قرابة لي وعليه دين، إلا وقضيت عنه» يكشف عن فهم عميق لمعنى العلم؛ فالعالم في التصور الإسلامي ليس صاحب معرفة مجردة، بل صاحب أثر ومسؤولية، لم يكن الشعبي يرى صلة الرحم مجرد عاطفة اجتماعية، بل عهدًا أخلاقيًا يقتضي حمل أعباء الأقربين عند الحاجة.

وهذا المعنى يلتقي مع توجيه القرآن الكريم إلى الإحسان إلى الأقارب، قال تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ) (النساء: 36)، فالإحسان هنا ليس كلمة عامة، بل سلوك يظهر عند مواطن الحاجة، حين يتحول القريب من دائرة الانتماء إلى دائرة المسؤولية.

ومن زاوية اجتماعية، فإن قضاء ديون الأقارب يمثل صورة مبكرة من صور التكافل؛ فالمجتمع الذي يرفع الفرد فيه عن أخيه ثقل العجز والحرج هو مجتمع أكثر استقرارًا وأقل عرضة للتفكك.

وأخذ هذا التكافل صورة عملية مؤثرة في موقف علي بن الحسين رحمه الله مع محمد بن أسامة بن زيد؛ فقد دخل عليه في مرضه فوجده يبكي، فسأله: «ما شأنك؟» فقال: «عليَّ دَين»، فسأله عن مقداره، فقال: «خمسة عشر ألف دينار»، فقال علي بن الحسين: «فهو عليَّ»(3)، فلم يقف عند مواساته في مرضه، بل انتقل مباشرة إلى رفع العبء الذي أقلقه، وهو قريب من صنيع الشعبي مع أقاربه؛ فصلة الناس عند الشدة لا تكتمل بالمشاعر وحدها، وإنما تبلغ معناها حين تتحول إلى تحملٍ ومساندة وفعل.

لماذا يعد ضبط القوة أصعب من مجرد امتلاكها؟

من أبرز ما يلفت في كلام عامر بن شراحيل قوله: «ولا ضربت مملوكاً لي قط»، وهذه العبارة لا تتعلق فقط بترك فعل معين، بل تكشف عن ملكة داخلية في ضبط الانفعال، فالإنسان قد يملك السلطة على من هو أضعف منه، لكن الاختبار الحقيقي يظهر في كيفية استعمال هذه السلطة.

وقد جاءت السُّنة النبوية بتأكيد الرحمة بمن تحت اليد، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه»(4).

ويبلغ ضبط النفس عند القدرة منزلةً عالية في موقف علي بن الحسين رحمه الله مع خادمه؛ فقد كان الخادم يستعجله بشواءٍ في التنور، فسقط السَّفُّود من يده على ابنٍ لعلي بن الحسين كان أسفل الدَّرَج، فأصاب رأسه فقتله، ومع فداحة المصاب، لم يدفعه الألم إلى ظلم خادمه أو الانتقام منه، بل قال له: «أنت حر، لم تتعمده»(5)، ثم أخذ في جهاز ابنه، فإذا كان عامر بن شراحيل يقول: «ولا ضربت مملوكًا لي قط»، فإن موقف علي بن الحسين يكشف المعنى نفسه في لحظة هي أشد امتحانًا للنفس؛ حين تجتمع القدرة مع الغضب والمصيبة، ثم ينتصر الإنسان على اندفاعه فلا يجعل سلطته طريقًا إلى الظلم.

إن الامتناع عن الظلم في لحظة القدرة عليه يمثل مستوى رفيعًا من تزكية النفس؛ لأن ضبط القوة أصعب من امتلاكها، وهذا المعنى يحتاجه الإنسان المعاصر في بيته وعمله وإدارته؛ فالقائد أو المسؤول لا يُقاس فقط بقدرته على إصدار الأوامر، بل بقدرته على منع نفسه من تحويل النفوذ إلى أذى.

لماذا تخلى إبراهيم النخعي عن مجلسه للإمام عامر بن شراحيل؟

لم تكن منزلة عامر بن شراحيل العلمية نتيجة دعوى أو طلب تصدر، وإنما جاءت من اعتراف أهل العلم به، يقول أبو بكر بن عياش عن أبي حصين: «ما رأيت أحدًا قط كان أفقه من الشعبي»، ومثل هذه الشهادة من أهل المعرفة تدل على حضور علمي قوي بين أقرانه.

كما يظهر ذلك في خبر إبراهيم النخعي حين أقبل الشعبي، فقام إليه إبراهيم وأجلسه في موضعه، وهذه الصورة تعكس أدب العلماء فيما بينهم؛ فالمكانة لا تُنتزع بالتنافس الظاهر، بل تُبنى بالعلم والصدق والفضل.

وللعلم هيبةٌ كانت تُعرف بأثرها قبل أن تُطلب لأصحابها؛ ففي شهداء «أُحد» كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين في الثوب الواحد، ثم يقول: «أيُّهم أكثر أخذًا للقرآن؟»، فإذا أُشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد(6)، فحتى في مشهد الموت بقي التقديم تابعًا لما حمله الإنسان من كتاب الله، لا لما طالب به لنفسه من منزلة، وعلى هذا المعنى يُفهم قيام إبراهيم النخعي للشعبي وإجلاسه في موضعه؛ فالعالم الراسخ لا يحتاج إلى انتزاع مكانه، لأن أهل العلم أنفسهم يعرفون له قدره ويقدمونه.

ومن هنا يظهر أن الهيبة الحقيقية لا تُصنع بمحاولة إثبات الذات، وإنما تتكون من تراكم السلوك؛ فالعالم الذي يخدم الناس، ويضبط نفسه، ويصدق في علمه، يصبح حضوره مؤثرًا حتى قبل أن يتكلم.

النضج النفسي.. كيف توازن بين الهيبة والبساطة بذكاء؟

قد يظن بعض الناس أن الرفعة تحتاج إلى التكلف أو المحافظة الشديدة على صورة مثالية أمام الآخرين، لكن موقف الشعبي مع إبراهيم النخعي يدل على صورة أخرى؛ فقد تقبل المزاح بقوله: «يا أعور» دون أن يتحول الأمر إلى حساسية أو غضب، لأن الثقة بالنفس لم تكن عنده مرتبطة بمظاهر التعظيم.

وهذا لون من النضج النفسي؛ فالإنسان الواثق لا تهزه كلمة عابرة، لأنه يعرف قدر نفسه من خلال المعاني الكبرى لا من خلال ردود الأفعال اللحظية، ولذلك كان كبار العلماء يجمعون بين الوقار والبساطة، وبين الهيبة وقرب الناس منهم.

وفي زمان كثرت فيه حساسية الصورة العامة عبر الإعلام ووسائل التواصل، يحتاج الإنسان إلى هذا النوع من التوازن؛ فلا يجعل كل تعليق معركة، ولا كل نقد تهديدًا لذاته، بل يزن الأمور بميزان الحكمة.

إدارة الانتباه.. كيف تختار المشاهد التي تستحق وقتك؟

من كلام الشعبي: «ولا حللت حبوتي إلى شيء مما ينظر الناس»، وهذه العبارة تحمل معنى الترفع عن تتبع المشاهد التي لا يترتب عليها علم ولا إصلاح، فهي ليست عزلة عن المجتمع، وإنما اختيار واعٍ لما يستحق الانشغال.

وهذا ينسجم مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 3)، فالوقت والعقل موارد محدودة، ومن علامات الحكمة أن يعرف الإنسان أين يضع انتباهه.

ويكشف موقف عامربن عبد قيس رحمه الله عن وجهٍ آخر لهذا الوقار؛ فقد كان يعرض عن فضول الحديث وما لا يعنيه، ويقول: «دعوا من لا حاجة له إليكم»(7)، فكما لم يكن الشعبي يحل حبوته لكل مشهد يستدعي أنظار الناس، لم يكن عامر يفتح سمعه ووقته لكل حديث لا منفعة فيه، وفي الموقفين صيانةٌ للنفس من الاسترسال وراء الفضول، وإدراكٌ أن قيمة الإنسان لا تُقاس بكثرة ما يشهده ويسمعه، بل بحسن اختياره لما ينفعه ويستحق انشغاله.

وفي العصر الحديث أصبحت إدارة الانتباه من أعظم التحديات؛ فالمشتتات الإعلامية كثيرة، والانجذاب إلى كل حدث عابر قد يستنزف طاقة الإنسان دون ثمرة، ومنهج الشعبي يذكر بأن الوقار ليس مجرد هيئة خارجية، بل قدرة على اختيار ما يستحق الحضور.

كيف تتحول السلطة من وسيلة سيطرة إلى إصلاح؟

تقدم شخصية الشعبي نموذجًا قياديًا يتجاوز حدود زمنه؛ فهو يجمع بين الرحمة والحزم، وبين العلم والخدمة، وبين المكانة والتواضع، فالقيادة عنده لم تكن امتيازًا اجتماعيًا، بل مسؤولية أخلاقية.

فرب الأسرة الذي يحمل هموم أهله، والمدير الذي يصون كرامة موظفيه، والمعلم الذي يربي قبل أن يلقن، كلهم يقتربون من هذا النموذج حين يجعلون القوة وسيلة للإصلاح لا للسيطرة.

إن أعظم ما تكشفه أخبار عامر بن شراحيل أن بناء الإنسان يبدأ من الداخل؛ من قدرته على ضبط نفسه، وتحمل مسؤولياته، وإيثار ما يبقى على ما يزول، فالعلم الذي لا يتحول إلى رحمة، والهيبة التي لا تصحبها أخلاق، تبقى ناقصة مهما بلغ صاحبها من شهرة.

الهوامش
  • 1 عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار -وذو كبار، قيل: من أقيال (ص 295) اليمن، الإمام، علامة العصر، أبو عمرو الهمداني ثم الشعبي، ويقال: هو عامر بن عبدالله، وكانت أمه من سبي جلولاء.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص299.
  • 3 صفة الصفوة، ج2، ص101 (ترجمة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب).
  • 4 رواه البخاري، ومسلم.
  • 5 صفة الصفوة، ج2، ص100 (ترجمة علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب).
  • 6 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج3، ص95.
  • 7 سير أعلام النبلاء، ج4، ص18.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة