قضية التعويض المالي عن الضرر المعنوي أو النفسي.. حكمها وضوابطها
هذه الشريعة المباركة جاءت كاملة كمالاً يستوعب كل كمالات الرسالات السابقة، وفي تشريعاتها ما
يجعلها صالحة لمن تعبد بها أبد الدهر، فهي لا تتضمن تشريعاً يخالف الفطرة أو
يرهقها، أو يحول دون عمارة الأرض، وقد راعت الشريعة جوانب بقاء الإنسان فحفظت عليه
أمنه ودينه وسلامته، وجعلت التعدي على الدماء والأعراض والأموال من كبائر الذنوب،
وأتبعتها بالعقوبة.
الشريعة والنفوس
تحتل نفس
الإنسان في الشريعة مكانة عظيمة جداً، فحفظها إحدى ضرورات خمس معتبرة، فالشريعة: «ليست تكاليفها موضوعة حيثما اتفق، لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين، بل وُضعت لتحقيق
مقاصد الشارع في قيام مصالحهم في الدين والدنيا معاً، ورُوعي في كل حكم منها: إما
حفظ شيء من الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، التي هي أسس
العمران المرعية في كل ملة، والتي لولاها لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، ولفاتت
النجاة في الآخرة»(1).
لقد حرمت
الشريعة الانتحار الذي هو نوع من تصرف الشخص في نفسه.
وفي نصوص عديدة
لشُعب الإيمان نجد أن رعاية الخواطر والنفوس مما رفعت الشريعة مكانته، ففي حديث
عمر بن الخطاب، يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال:
«إدخالك السرور على مؤمن»(2)، فالشريعة في جانبها الأخلاقي تقوم على
رعاية النفوس أبداً، وعدم النيل من أصحابها لا بالقول ولا بالفعل، وهذا يعم كل
الطبقات الاجتماعية، ففي الحديث: «من كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه
مما يلبس»(3).
الإضرار المعنوي بالنفس
يُنظر للإضرار
المعنوي بالإنسان في نفسه أو عرضه في مجال العقوبات على أنه شيء غير متقوم، غير
قابل للعوض والجزاء، وأنه لا يمكن تقدير عقوبة مادية على فعل معنوي، حيث تفوت
المماثلة، كما أن هذه العقوبة ستكون مالية، والشريعة نهت عن أخذ المال إلا بحقه
ومن حلِّه، فلا يجوز أخذ مال المسلم إلا بطيب نفس.
ولذا، جاء في
قرارات مجمع الفقه الإسلامي: الضرر الذي يجوز التعويض عنه يشمل الضرر المالي
الفعلي، وما لَحِق المضرور من خسارة حقيقية، وما فاته من كسب مؤكد، ولا يشمل الضرر
الأدبي أو المعنوي(4).
فقد منع قرار
المجمع التعويض عن الضرر الأدبي والمعنوي.
فهل الأمر استقر على ذلك؟
إننا نجد د. علي
القرة داغي يقول معبراً عن نظرية الفقهاء المعاصرين: لا تعويض إلا عن الأضرار
الواقعة الماثلة التي يمكن تقويمها بالمال، إضافة إلى أن الأضرار المعنوية، كجرح
الشعور، وثلم الشرف لا يمكن تعويضها بالمال، ولا رفعها وإزالتها به، وتنجبر به،
ولذلك فإن علاجها في الفقه الإسلامي يكون بالعقوبات، لا بالضمان المالي.
وينقل عن بعض
الفقهاء قوله: إن قواعد الشرع لا تأبى تقدير التعويض عن الضرر الأدبي، أو المعنوي..
وبذلك فلا مانع أن يعوض عن الأضرار بقدر الإمكان، وبالقياس للمضار المعنوية في
التقويم على المنافع المعنوية.
إذاً، نحن أمام
وجهتين متعارضتين في القول بالتعويض عن الأضرار الأدبية والمعنوية.
أدلة وبراهين
حين ننظر فيما
ورد في الشريعة الغراء في مسألة التعويض عن الضرر المعنوي، نجد الحديث يقول فيه
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»(5)، وقد أدخل الرازي في
تفسير الضرر المنهي عنه الشتم والاستخفاف(6).
وقد نقل عن
الشيخ أحمد الزرقا قوله: وهذا الحديث يرسي قاعدة هي من أركان الشريعة، وهي أساس
لمنع الفعل الضار، وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة.
حين ننظر لنماذج
التعويض المادي عن الضرر المعنوي نجد تلك الحادثة: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله
عليه وسلم وقال قولاً يفتقر للياقة والاحترام الواجب: والله ما علمتكم بني عبدالمطلب
لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظرت إلى عمر، وإذا عيناه تدوران في وجهه
كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما أسمع، وتصنع به ما أرى! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت
بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال:
«يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن
التباعة، اذهب به يا عمر وأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمر مكان ما روعته»(7).
فلقد جعل النبي
صلى الله عليه وسلم عمر نفسه هو من يتولى السداد، بل أمره بالتعويض عن نظراته
وقوله.
يقول الماوردي:
لو تعلق بالتعزير حق لآدمي -كالتعزير في الشتم والمواثبة- ففيه حق المشتوم
والمضروب، وحق السلطنة للتقويم والتهذيب، فلا يجوز لولي الأمر أن يُسقط بعفوه حقاً
للمشتوم والمضروب، وعليه أن يستوفي له حقه من تعزيز الشاتم والضارب(8).
بحوث حول المسألة
يخلص د. عبدالله
النجار بعد مناقشته قضية الخلاف بين من قالوا بالتعويض المعنوي عن الضرر، ومن منعه
بالقول: بجواز التعويض عن الضرر الأدبي بالمال، بشرط ألا يكون في أمر قد ورد عن
الشارع فيه تقدير محدد، ووفق الضوابط التي قررها الفقهاء(9).
ونقل في أثناء
ذلك القول: أصبح الإجماع منعقداً في الفقه وفي القضاء على أن الضرر الأدبي يستوجب
التعويض كالضرر المادي، وقررت محكمة النقض المصرية: أن الضرر الأدبي يصح أن يعوض
عنه تعويضاً مادياً؛ لأن التعويض المادي -مهما قيل عن تعذر الموازنة بينه وبين
الضرر الأدبي- يساعد ولو بقدر على تخفيف ألم المضرور(10)، وقد جاءت
نصوص التقنينات العربية الجديدة ترجمة لهذا الاتجاه الفقهي وتأكيداً له(11).
وبعد إيراده
أقوال الفقهاء، يقول د. القرة داغي: الأدلة بمجموعها تدل على منع الضرر ووجوب
تضمينه، سواء كان الضرر مادياً أم معنوياً، فليس هناك دليل على تخصيص الضرر
بالمادي، بل هو يعم كل أنواعه، فإذا كان التعويض عن الضرر المادي جائزاً بلا خلاف،
فإن المفروض أن ينسحب هذا الحكم على الضرر الأدبي(12).
ورجّح بعض
الباحثين مرجوحية ومنع العمل بالتعويض النفسي بناء على ما خلص إليه من أقوال
الباحثين المعاصرين.
أخيراً، إن
المسألة تعد من النوازل التي يجب النظر فيها، وقضية عدم وجود نصوص تحدد عقوبة
للأضرار النفسية لا يمنع من إعادة النظر، فلطالما كانت الشريعة ترعى النفوس، وتنفي
الضرر، وإذا كان الإضرار دائماً في البشر، وحد القذف نوع من العقوبة على الضرر
النفسي، ثم إن هناك تحولاً اجتماعياً يلزم معه النظر للأمر بصفة النازلة.
قد تتعمد مخطوبة
إهانة خطيبها أو يفعل هو ذلك بعد مدة طويلة من الخطبة، فيفوته أو يفوتها أمر يؤثر
في حياتها، وقد يشترط عليها ترك عملها والتفرغ من أول أيام الخطبة ثم بعد ترك
عملها يتركها ويولي.
وهناك من يضرون
أصحاب الأعمال بالادعاءات الكاذبة على منتجاتهم من الملابس والأطعمة وغيرها، وقد
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منصات مجانية للتشهير والتزييف.
وإذا كانت
الشريعة منعت الإضرار، فيبقى النظر في تنزيله معتبراً للمفتي والقاضي والحاكم في
القضايا النفسية والأدبية والمعنوية بما لا يعارض النصوص الثابتة، وبما يكون رادعاً
لمن يضر بالنفوس.
_________________
(1) الموافقات
(مقدمة، 5).
(2) الطبراني في
الأوسط.
(3) أخرجه
البخاري.
(4) قرار رقم (109)
(12/ 3).
(5) أخرجه في
الموطأ.
(6) المحصول (6/
105).
(7) المعجم
الكبير (5/ 222).
(8) الأحكام
السلطانية، ص 346.
(9) التعويض عن
فسخ الخطبة، ص189.
(10) المرجع السابق،
ص 127.
(11) المرجع السابق،
ص128.
(12) https://2u.pw/uTlqd.