كيف يمكن للقوة والكلمة أن تصنعا قائدًا مؤثرًا؟ دراسة في تجربة مالك الأشتر النخعي
متى يصبح التأثير خطرًا؟ موقف مالك الأشتر النخعي في الفتن
قراءة في شخصية مالك الأشتر النخعي ودور التأثير والقيادة في أحداث الفتن خلال صدر الإسلام.
أورد الإمام الذهبى فى كتابه "سير أعلام النبلاء" في ترجمة مالك بن
الحارث ، المعروف تاريخيا بــ مالك الأشتر النخعي عبارة موجزة لخصت ملامح شخصيته الجدلية قائلاً: «أَلَّبَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَاتَلَهُ، وَكَانَ
ذَا فَصَاحَةٍ وَبَلاَغَةٍ»(1).
بهذه العبارة
الموجزة والمكثفة، لخَّص الإمام الذهبي ملامح شخصية مالك الأشتر النخعي التى اتسمت بتركيب فريد!فقد اجتمعت فيها 3
عناصر كبرى: الفعل السياسي، والقوة العسكرية، والتأثير البياني، فهو لم يذكر مجرد
رجل مقاتل، ولم يصف خطيبًا مفوهًا فحسب، وإنما أشار إلى شخصية امتلكت أدوات تأثير
قوية في زمن بلغ فيه الصراع السياسي والاجتماعي درجة بالغة من الحساسية.
ويُعد مالك
الأشتر النخعي من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة الفتن والتحولات السياسية
في صدر الإسلام؛ فقد كان من أصحاب الشجاعة والبأس، وشهد معارك الفتح الإسلامي
مبكرًا، وسجَّل حضورًا لافتًا في ميادين القتال، غير أن اسمه برز لاحقًا في قلب
الأحداث التي عصفت بالأمة في أواخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهي مرحلة
من أخطر منعطفات التاريخ الإسلامي، لما ترتب عليها من تغيرات سياسية واجتماعية
امتدت آثارها إلى أجيال لاحقة.
وهنا تبرز زاوية
أكثر عمقًا في قراءة شخصية مالك الأشتر النخعي: ماذا يحدث حين تجتمع القوة والبلاغة والقدرة
على التأثير في الجماهير في زمن الفتن؟ فامتلاك أدوات التأثير لا ينفصل عن مسؤولية
استخدامها، ولا تُقاس القيادة بقدرتها على تحريك الناس وحدها، بل بقدرتها على
تقدير العواقب وضبط المواقف حين تشتد الأزمات.
فالقراءة
المنهجية لشخصيات التاريخ لا تقوم على إلغاء جانب لحساب آخر؛ فلا يُنكر ما كان في
الرجل من شجاعة وفصاحة، كما لا تُغفل الآثار الخطيرة التي ارتبطت ببعض مواقفه
السياسية.
ومنهج العدل في
ذلك منبثق من التوجيه القرآني: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ
وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ
أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ) (المائدة: 8).
فليس المقصود من
دراسة سيرة الأشتر إصدار حكم على باطنه أو نيته، وإنما محاولة فهم نموذج إنساني
يكشف كيف يمكن أن يجتمع الطموح والموهبة والقوة في شخصية واحدة، مع بقاء الحاجة
الدائمة إلى الحكمة وضبط المآلات.
مالك الأشتر والكوفة.. كيف صنعت بيئة الفتن القادة المؤثرين؟
ظهر مالك الأشتر
النخعي في عصر استثنائي؛ فقد توسعت الدولة الإسلامية توسعًا هائلًا بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم، وانتقلت من مجتمع المدينة المتماسك والمحدود إلى دولة مترامية
الأطراف تضم العراق والشام ومصر وفارس.
وكانت الكوفة من
أبرز الحواضر الجديدة التي نشأت في عصر الفتوحات، ثم تحولت سريعًا إلى مركز عسكري
وسياسي وفكري، اجتمع فيه المقاتلون، وتمازجت القبائل، وتلاقت تجارب بشرية ومصالح
وتصورات متعددة.
ومثل هذه
البيئات تكون بطبيعتها خصبة لظهور الشخصيات المؤثرة ذات النزعة القيادية؛ فالمجتمع
العسكري الذي يحمل في ذاكرته أمجاد الفتح يحمل معه أيضًا طموحات وتصورات مختلفة
حول إدارة الدولة وتوزيع المسؤوليات والتعامل مع السلطة.
ويظهر شيء من
ذلك فيما جرى حينما تولي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه تأسيس الكوفة ونزول
المقاتلة فيها بعد فتوح العراق؛ فقد تحولت البيئة العسكرية الجديدة إلى حاضنة صقلت
طاقات الفرسان والخطباء، وأخرجت شخصيات كان لها حضورها في التحولات السياسية
والاجتماعية اللاحقة(2).
ولم تكن الفتنة
نتاج سبب واحد منفرد، بل تداخلت في سياقها عوامل سياسية وإدارية واجتماعية، إلى
جانب الشائعات وحالة الاحتقان، وهنا تبرز أهمية فهم السياق؛ فالشخصية التاريخية
تتأثر ببيئتها بقدر ما تؤثر فيها.
ومن ثم، فإن
دراسة مالك الأشتر النخعي تفتح بابًا أوسع لدراسة علاقة الفرد القوي بالمجتمع المضطرب،
ومصداقًا للتحذير القرآني: (وَاتَّقُوا
فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25).
فالأزمات لا
تختبر صحة المطالب وحدها، وإنما تختبر كذلك طريقة التعبير عنها، ووسائل تحقيقها،
والقدرة على تقدير النتائج التي يمكن أن تترتب عليها.
مالك الأشتر النخعي بين الشجاعة والبلاغة.. كيف تتشكل أدوات التأثير؟
عُرف مالك الأشتر النخعي بقوته وإقدامه، وهي صفات كانت محل تقدير كبير في المجتمعات الإسلامية الأولى التي
احتاجت إلى رجال يمتلكون البأس للدفاع عن الدولة الناشئة.
لكن الإسلام لم
يجعل القوة المادية وحدها معيارًا للقيادة، بل قرن القدرة بالأمانة، كما في قوله
تعالى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ
اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص: 26)؛ فالآية تجمع بين أصلين
عظيمين؛ قوة تمكِّن الإنسان من أداء المهمة، وأمانة تضبط استخدام تلك القوة
وتوجِّهها إلى غايتها الصحيحة.
وفي هذا السياق،
يأتي التوجيه النبوي لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه حين قال له النبي صلى الله عليه
وسلم: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من
أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها»(3).
وهو توجيه يؤسس
لمعنى دقيق في القيادة؛ أن صلاح الإنسان وفضله لا يعنيان بالضرورة صلاحيته لكل
مسؤولية، وأن الشجاعة والقوة وحدهما لا تكفيان ما لم تصاحبهما بصيرة وفقه وإدارة.
وفي واقعنا
المعاصر، يتجلى هذا المعنى بصورة أوضح؛ فقد ينجح إنسان في الحشد أو يمتلك تأثيرًا
جماهيريًا واسعًا، لكن القدرة على تحريك الجمهور لا تعني بالضرورة امتلاك الحكمة
اللازمة لاتخاذ القرارات المصيرية.
فكلما اتسعت
دائرة التأثير، اتسعت معها المسؤولية؛ لأن القوة التي لا يضبطها العلم والحكمة قد
تتحول من وسيلة للإصلاح إلى أداة تزيد الأزمة تعقيدًا، ولذلك كان من دعائه صلى
الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»(4)، فالمرء
يحتاج إلى الهداية قبل القدرة، وإلى التقوى قبل التأثير.
قوة الكلمة في قيادة الجماهير.. كيف يصبح البيان أداة تأثير؟
لم تكن الفصاحة
عند العرب مجرد زينة لفظية، وإنما كانت أداة للقيادة والتوجيه وصناعة المواقف،
ولهذا فإن وصف الذهبي للأشتر بأنه «ذا فصاحة وبلاغة» لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه
وصفًا أدبيًا عابرًا، بل بوصفه إشارة إلى واحدة من أهم أدوات التأثير التي
امتلكها.
فالقائد لا يقود
الناس دائمًا بسيفه، وإنما قد يقودهم بفكرته وخطابه وقدرته على صياغة مشاعرهم في
كلمات.
وقد أدركت
الشريعة خطورة الكلمة في بناء النفوس أو هدمها، فجاء التوجيه القرآني: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
(البقرة: 83)، ويخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى في تصوير
بليغ فيقول: «إن من البيان لسحرًا»(5).
ويظهر أثر
البيان كذلك في خطبة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الدفاع عن أبي بكر، وعمر،
رضي الله عنهما؛ إذ وظفت قوة البيان في تثبيت المواقف، حتى قال الأحنف بن قيس
واصفًا بلاغتها: «فما سمعت الكلام من في مخلوق أحسن ولا أفخم من في عائشة»(6).
لقد اجتمع
للأشتر ما يجتمع لكثير من قادة التحولات؛ التأثير في الميدان والتأثير في النفوس، وهذه
التركيبة تمنح صاحبها قدرة كبيرة على تحريك الجماهير، لكنها تضع على عاتقه في
الوقت نفسه مسؤولية أكبر؛ لأن سرعة التأثير قد تسبق التثبت، وقد تتحول الكلمة في
لحظة اضطراب من رأي فردي إلى موقف جماعي واسع النتائج.
وفي عصرنا،
أصبحت هذه المسألة أكثر حضورًا مع منصات التواصل الاجتماعي؛ فصاحب الجمهور الكبير
لا يتحدث في فراغ، بل يسهم أحيانًا في تشكيل مشاعر آلاف الناس ومواقفهم، وقد تكون
كلمة واحدة منه سببًا في تهدئة أزمة، كما قد تصبح وقودًا لمزيد من الاستقطاب.
الاستقطاب السياسي وإدارة الفتن.. متى يتحول التأثير إلى خطر؟
من أخطر مراحل
الأزمات أن تتحول المشاعر الفردية بالمظلومية إلى حالة جماعية غاضبة؛ فالفرد
يستطيع أن يتوقف ويراجع موقفه، بينما تصبح الجماعة المنفعلة أكثر قابلية للاندفاع
وأقل استعدادًا للنقد الذاتي.
والمطالبة
بالتغيير ليست باطلة بإطلاق، لكن سلامة الغاية لا تكفي وحدها للحكم على سلامة
الطريق؛ إذ قد يكون أصل المطلب مفهومًا، بينما تقود وسائل التعامل معه إلى نتائج
أشد ضررًا من المشكلة الأولى.
ومن هنا تفتح
دراسة موقف الأشتر بابًا لفهم نفسية الجماهير ومسؤولية أصحاب التأثير؛ فقد يعتقد
الإنسان أنه يدافع عن قضية عادلة، لكنه يخطئ في تقدير الطريق أو النتائج.
وقد لخَّص شيخ
الإسلام ابن تيمية هذا الفقه عند حديثه عن الصبر على جور الأئمة والنهي عن الخروج
عليهم، معللًا ذلك بأن «مفسدة ذلك أعظم من مصلحة تغييره»(7).
ويتصل بهذا
المعنى موقف عبدالله بن عمر، وزيد بن ثابت، أثناء حصار عثمان؛ إذ حذرا من اندفاع
الحشود القادمة من الأمصار تحت دعاوى الإصلاح، وما يمكن أن يقود إليه الانفلات
الجماعي من سفك الدم الحرام وتمزيق عقد الأمة(8).
والدرس هنا
يتجاوز الحوادث السياسية الكبرى؛ فكم من نزاع معاصر في أسرة أو مؤسسة أو مجتمع بدأ
بمشكلة حقيقية وملاحظة صحيحة، ثم انتهى بانهيار الثقة والقطيعة بسبب التصعيد وسوء
الأسلوب وغياب الحكمة في اختيار الطريق الأقل ضررًا والأكثر تحقيقًا للمصلحة.
فقه العواقب في القيادة.. كيف تُتخذ القرارات تحت الضغط؟
القائد الحقيقي
ليس الأكثر اندفاعًا، ولا الأقدر على جمع الأنصار فحسب، وإنما هو الذي يجمع بين
قوة الإرادة وسعة النظر في العواقب؛ ففي «صلح الحديبية»، قدَّم النبي صلى الله
عليه وسلم درسًا عظيمًا في هذا المعنى؛ حين قَبِل شروطًا بدت لبعض الصحابة شديدة
في ظاهرها، بينما كشفت المآلات أن ذلك القرار كان بابًا إلى فتح ونصر مبين.
وهنا يظهر الفرق
الدقيق بين الشجاعة والحكمة؛ فالشجاعة تدفع الإنسان إلى المواجهة، أما الحكمة
فتسأله متى تكون المواجهة نافعة، ومتى يكون الصبر أو التدرج أولى.
والقائد الذي
ينشغل بإزالة المشكلة المباشرة دون النظر إلى نتائج قراره قد يحقق انتصارًا
لحظيًا، لكنه ربما يخسر استقرارًا طويل المدى؛ ولهذا يحتاج أصحاب النفوذ والتأثير
إلى عقلاء ومستشارين يراجعون القرارات، ويوسعون زاوية النظر، ويوازنون بين حرارة
الحماس وبرودة المصلحة؛ لأن الإنسان حين يكون داخل الأزمة قد يرى جانبًا منها
ويغيب عنه جانب آخر.
مسؤولية المؤثرين.. كيف تمنع الكلمة صناعة الفوضى؟
حين استخدم
الذهبي كلمة «أَلَّبَ»، فإنها تضع أمامنا سؤالًا مركزيًا: ما مسؤولية الإنسان
عندما يمتلك القدرة على توجيه الآخرين وتحريكهم؟ فهذه القدرة طاقة كبرى وسلاح ذو
حدين؛ قد تُشعل الفتن إذا غابت عنها البصيرة، وقد تكون أداة عظمى للبناء إذا
رُشِّدت!
وتتجلى أبهى صور
هذا التأثير الإيجابي في تاريخنا فيما أحدثه الإمام ابن الجوزي في جماهير عصره،
وقدرته على توجيه وعي أعداد كبيرة في مجالس وعظه التي كان يحضرها الخلفاء والعلماء
والعامة(9)؛ فالتأثير في ذاته أداة؛ وتبقى قيمته مرتبطة بالغاية التي
يُوجَّه إليها، وبالعلم الذي يضبطه، وبالورع الذي يمنع صاحبه من تحويل نفوذه إلى
وسيلة لخدمة الهوى.
واليوم أصبحت الكلمة أسرع انتشارًا وأوسع تأثيرًا بفعل التقنية الحديثة؛ ولذلك لم تعد «مسؤولية البيان» قضية تخص الخطباء والقادة وحدهم، بل أصبحت تشمل كل من يمتلك جمهورًا يستطيع التأثير فيه، وصاحب التأثير يحتاج إلى تقوى تمنعه من استخدام نفوذه لهوى النفس، وإلى ورع يضبط لسانه وقلمه، وإلى علم يمنعه من الكلام فيما لا يحسن.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف الإمام القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، الذي كان من أصحاب
المكانة العلمية، ومع ذلك كان شديد الاحتياط في القول، ويقول: «ولأن يعيش الرجل
جاهلًا بعد أن يعرف حق الله تعالى عليه خير له من أن يقول ما لا يعلم»(10).
فالقدرة على
الكلام ليست إذن مبررًا للكلام! وكثرة المتابعين ليست دليلًا على صحة الرأي! وقوة
التأثير لا تعفي صاحبها من التثبت، بل تزيد مسؤوليته!
قراءة التاريخ بلا تعصب.. كيف نزن الشخصيات والأحداث؟
من الأخطاء
المنهجية الشائعة أن تتحول قراءة التاريخ إلى محاكمة عاطفية تنتهي إما إلى تمجيد
مطلق، وإما إلى إسقاط كامل؛ أما القراءة المنصفة فتقبل أن يجتمع في الإنسان أكثر
من وجه؛ فقد يكون شجاعًا صاحب فضائل، ثم يخطئ في تقدير موقف سياسي، وقد يكون
فصيحًا مؤثرًا، لكنه لا يحسن توظيف تأثيره في كل موطن.
فالعصمة
للأنبياء، أما البشر فتجتمع فيهم الإصابة والخطأ، والقوة والضعف، والفضائل
والنقائص؛ ولذلك، سار أئمة النقد والتاريخ على ذكر فضل الرجل فيما أصاب، وبيان
زلته فيما أخطأ، دون غلو يرفعه فوق بشريته، ودون جفاء يهدم حقه.
وهذه النظرة
مهمة بصفة خاصة عند قراءة أحداث الفتن؛ لأن الأحكام المتعجلة كثيرًا ما تختزل شبكة
معقدة من الأشخاص والظروف والقرارات في صورة بسيطة لا تعكس حقيقة التاريخ.
ماذا نتعلم اليوم من تجربة مالك الأشتر؟
لا تكمن قيمة
دراسة شخصية تاريخية مثل مالك الأشتر النخعي في إعادة سرد أحداث الماضي وحدها، بل في
تحويل التاريخ إلى خبرة تساعد على فهم الإنسان والمجتمع والحاضر.
ومن هذه القراءة
يمكن استخلاص 4 معانٍ رئيسة:
1- أن القوة
تحتاج إلى بوصلة: فامتلاك القدرة لا يحدد وحده كيفية استخدامها، وإنما تضبطها
القيم والعلم والحكمة.
2- التأثير
مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا: فكلما اتسعت قدرة الإنسان على تحريك الآخرين؛
ازدادت مسؤوليته عن كلماته ومآلاتها.
3- الحشد ليس القيادة:
قد يستطيع الخطاب المتحمس أن يجمع الناس، لكن القيادة الرشيدة هي التي تعرف إلى
أين تقودهم وما الثمن المتوقع للطريق.
4- فقه العواقب
جزء من القرار: فصحة النية أو المطلب لا تغني عن تقدير الوسيلة وما قد يترتب عليها
من مصالح ومفاسد.
وتبدو هذه
المعاني اليوم أكثر إلحاحًا في عالم تستطيع فيه كلمة أو مقطع قصير أن ينتقل إلى
ملايين الناس في ساعات، وأن يحول الانفعال الفردي إلى موجة جماعية واسعة.
مالك الأشتر ودروس القيادة.. عندما تحتاج القوة إلى بوصلة
إن استحضار قصة مالك الأشتر النخعي ليس بحثًا في جراح الماضي، وإنما استبصار بسنن الاجتماع البشري؛
فالأمة لا تحتاج إلى القوة المجردة، بل إلى القوة الموصولة بالرشد.
فالقوة إذا
انفصلت عن الأخلاق قد تتحول إلى بطش، والبلاغة إذا انفصلت عن الحكمة قد تصبح أداة
للتضليل، والحماس إذا انفصل عن العلم قد يقود إلى الفوضى.
وليس كل من
امتلك القدرة على تحريك الجماهير قادرًا على قيادتهم إلى بر الأمان، كما أن كل
تغيير سريع ليس بالضرورة تغييرًا صحيحًا! ومن هنا كانت القيادة الرشيدة القدرة على
الجمع بين شجاعة الموقف وحكمة التوقيت، وبين قوة القرار وسعة النظر في نتائجه.
وتبقى الحقيقة التي تهمس بها صفحات التاريخ في قلب كل قارئ: إن بريق السيوف وسحر البيان يذهبان جفاءً، ولا يمكث في الأرض إلا أثر مَن جعل خشية الله بوصلة لقلبه، قبل أن يمد يده إلى مقاليد القوة والتأثير.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً