قراءة في شخصية القائد المحارب بين البطولة وأخلاق القيادة

مالك الأشتر النخعي: القائد المحارب بين الشجاعة والحزم وأخلاق القيادة

صميم بصري عن مالك الأشتر النخعي القائد المحارب بين الشجاعة والحزم وأخلاق القيادة

قراءة تحليلية في شخصية مالك الأشتر النخعي، القائد المحارب بين الشجاعة العسكرية ودروس القيادة والأخلاق.

قال الإمام الذهبي في ترجمة مالك بن الحارث الأشتر النخعي: «أحد الأشراف والأبطال المذكورين، حدّث عن عمر، وخالد بن الوليد، وفُقئت عينه يوم «اليرموك»، وكان شهمًا، مطاعًا، زعرًا، سيئ الخلق»(1).

يُعد مالك الأشتر النخعي واحدًا من أبرز الشخصيات العسكرية في التاريخ الإسلامي؛ فقد اجتمعت في سيرته قوة المقاتل، وهيبة القائد، وتعقيدات الطبيعة البشرية.

فقد وصفته كتب التراجم بالشجاعة والطاعة والتأثير، مع الإشارة إلى شدة طبعه وصعوبة مراسه، وهذه القراءة لا تسعى إلى صناعة صورة مثالية للرجل، كما لا تهدف إلى الانتقاص منه أو غمط حقه، وإنما تحاول فهم شخصية قائد عاش في زمن الفتن والمعارك، واستكشاف الدروس القيادية التي تقدمها سيرته بين القوة والانضباط الأخلاقي.

فالشخصيات التاريخية الكبرى لا تُقرأ من خلال جانب واحد؛ إذ تحمل في داخلها مزيجًا من الفضائل والتحديات، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى الإنسان في سياقه التاريخي، بعيدًا عن التقديس الذي يلغي بشريته، أو النقد الذي يطمس فضائله.

الشرف القبلي وسر الطاعة

يحمل وصف الذهبي لمالك الأشتر بأنه «أحد الأشراف» دلالة اجتماعية عميقة؛ فالشرف في العرف العربي الأصيل لم يكن مقتصرًا على حسب يُتوارث كابرًا عن كابر، بل كان مرتبطًا بالمكانة الفاعلة، وإغاثة الملهوف، والقدرة على تحمل المسؤوليات، والنهوض بعظائم الأمور.

فالشريف في ذلك السياق لم يكن مجرد صاحب نسب، وإنما كان شخصية ذات أثر وحضور بين قومها، تجمع بين المكانة الاجتماعية والقدرة على توجيه الجماعة وصناعة القرار.

أما وصفه بأنه «مطاع» فيكشف عن جانب مهم من شخصيته القيادية؛ إذ إن طاعة الناس لرجل ما لا تنبع دائمًا من لين جانبه أو كثرة استرضائه، وإنما قد تكون ثمرة مزيج من الشجاعة، والحسم، وقوة الحضور، والقدرة على بث الثقة حين تشتد الأزمات.

وهذا المعنى شديد الصلة بواقع القيادة في كل زمان؛ فالقائد المؤثر ليس بالضرورة أكثر الناس حديثًا، ولا أكثرهم سعيًا إلى إرضاء الجميع على حساب المبدأ، وإنما هو من يمتلك وضوح الغاية، وحسن إدارة المواقف، والقدرة على جمع الكلمة حول هدف واضح.

غير أن الحزم القيادي يبقى سلاحًا ذا حدين؛ فهو محمود حين يكون وسيلة لإحقاق الحق وتحقيق المصلحة، لكنه قد يتحول إلى عائق إذا تجاوز حدوده، فأصبحت الشدة حاجزًا يمنع التواصل ويضعف أثر القائد فيمن حوله.

فالقوة التي تبني الهيبة تختلف عن القسوة التي تصنع النفور، والقائد الناجح هو من يعرف متى يشتد ومتى يلين.

وتتجلى أبهى صور القيادة الحاسمة التي تجمع الكلمة وقت الشدائد في موقف الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوم الردة؛ ففي تلك اللحظة التاريخية الفارقة برز نموذج القائد الذي لا يساوم على المبادئ، حين رأى ضرورة قتال مانعي الزكاة، رغم تخوف بعض الصحابة من أثر ذلك على وحدة الصف.

لكن أبا بكر رضي الله عنه أدرك أن الحفاظ على وحدة الجماعة لا يكون بالتنازل عن أصول الدين، فكان موقفه الحازم الذي حفظ تماسك الأمة، وقال كلمته المشهورة: «والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة»(2).

وهنا يظهر معنى مهم في القيادة؛ فالحزم الحقيقي ليس مجرد قوة في اتخاذ القرار، وإنما هو القدرة على معرفة اللحظة التي تحتاج إلى الثبات، والغاية التي لا يجوز التفريط فيها مهما كانت صعوبة الظروف.

أثر التكوين الأول في صياغة الرجال

يضعنا ارتباط مالك الأشتر بالرواية عن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، أمام شخصية تشكلت في بيئة قيادية فريدة؛ بيئة نهلت من تجارب رجال عرفوا بثقل المسؤولية، وبرعوا في ميادين الإدارة والسياسة والحرب.

فالرواية عن هؤلاء القادة ليست مجرد نقل معرفي لمعلومات وأخبار، وإنما هي اتصال بمنظومة تربوية وفكرية تركت أثرها في طريقة النظر إلى المسؤولية، والتعامل مع الأزمات، واتخاذ القرارات الكبرى.

فمن مدرسة الفاروق عمر رضي الله عنه يمكن استلهام معاني الحزم والعدل واستشعار ثقل الأمانة، ومن سيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه تظهر عبقرية التوجيه العسكري وسرعة البديهة في ساحات الوغى.

وقد اجتمعت هذه الروافد في شخصية رجل عاش عصر الفتوحات، وتشرب قيم القوة والانضباط العسكري، وهو ما يساعد على فهم جانب كبير من شدة حضوره وتأثيره في الأحداث.

وفي واقعنا المعاصر، يبقى أثر القدوة عاملًا محوريًا في بناء الشخصيات؛ فالإنسان كثيرًا ما يتشكل بما يراه في النماذج التي يتعلم منها، وبالبيئة التي تربيه على كيفية التعامل مع المسؤولية وإدارة اللحظات الحرجة.

فالقائد لا يُصنع فقط بالموهبة الفطرية، وإنما كذلك بما يكتسبه من خبرات، وما يختزنه من مشاهد وتجارب، وما يتعلمه من الرجال الذين سبقوه.

إصابة مالك الأشتر فى اليرموك وأثرها فى شخصيته القيادية

إن قول الذهبي عن مالك الأشتر: «وفُقئت عينه يوم اليرموك» لا يمثل مجرد خبر عن إصابة جسدية عابرة، وإنما يكشف عن جانب مهم من تكوين شخصية اعتادت مواجهة الأخطار والثبات في ميادين الشدة.

فالجراح في ثقافات البطولة لم تكن مجرد أثر للألم، بل كانت تحمل معنى التضحية والبذل والصبر، وتتحول في الذاكرة الجمعية إلى شاهد على ثبات الإنسان حين تختبره الظروف.

ولذلك، فإن إصابة المقاتل في ميدان المعركة كانت تمنحه مكانة معنوية؛ لأنها تعكس استعداده لتحمل الثمن في سبيل ما يؤمن به، وتكشف معدن الإنسان حين تقسو عليه المواقف.

وهذا المعنى ينسجم مع قول الله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 23).

فهذه الآية تؤصل لمعنى عظيم؛ وهو أن المحكات الصعبة هي التي تستخرج حقيقة المعادن، وأن الصدق لا يظهر في الأقوال وحدها، وإنما يتجلى في الثبات والبذل وتحمل التكاليف.

وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، وجدنا أن المحن لا تزال كاشفة عن حقيقة الشخصيات؛ فهناك من تحولّه الخسارة إلى انكسار دائم، وهناك من يجعلها مدرسة للنضج واكتساب الخبرة.

غير أن القوة الحقيقية لا تقاس فقط بقدرة الإنسان على احتمال الألم، وإنما بقدرته على ألا تسمح له الجراح بأن تفسد قلبه أو علاقاته أو نظرته إلى الآخرين.

ويتجلى هذا المعنى كذلك في سيرة أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، حيث أصبحت إصابته يوم أحد علامة على التضحية والفداء.

فقد تعرض للأذى وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحولت تلك الإصابة إلى جزء من صورته التاريخية؛ إذ لم تكن آثارها نقصًا في مكانته، بل كانت شاهدًا على المحبة والبذل.

وتذكر كتب السير أن أبا عبيدة رضي الله عنه كان طويلًا نحيفًا، معروق الوجه، خفيف اللحية، أهتم؛ أي ساقط الثنيتين، وكان سقوط ثنيتيه يوم «أُحد» مرتبطًا بموقف فدائي عظيم، حين حاول نزع حلقات المغفر التي دخلت في وجنة النبي صلى الله عليه وسلم، فآثر تحمل الألم حتى لا يؤذيه.

فتحولت تلك الإصابة إلى علامة شرف بقيت في كتب التاريخ، حتى قيل فيه: «فما رُئي أحسن هتمًا منه»(3).

شجاعة مالك الأشتر الميدان وآفة الخُلق

من أبلغ ما ورد في ترجمة مالك الأشتر قولهم: «وكان شهمًا، مطاعًا، زعرًا، سيئ الخلق»؛ وهذا الوصف المختصر يرسم صورة إنسانية مركبة؛ فهو يجمع بين صفات القوة والفضيلة من جهة، وبعض الصفات التي تحتاج إلى تهذيب ومجاهدة من جهة أخرى.

فالشهم هو صاحب المروءة والنخوة، الذي لا يتأخر عن موطن النجدة، والمطاع هو صاحب الكلمة المؤثرة والحضور النافذ بين قومه، أما وصفه بالزَّعَر وسوء الخلق فهو جانب يكشف أن القوة الشخصية لا تعني بالضرورة اكتمال البناء الأخلاقي.

وهنا تظهر واقعية قراءة التاريخ؛ فالتفوق في ميدان الحرب والقيادة لا يعني العصمة من جوانب الضعف الإنساني، كما أن امتلاك أدوات التأثير لا يكفي وحده لصناعة القائد الكامل.

فالقيادة الحقيقية لا تقوم على الهيبة وحدها، وإنما تحتاج إلى توازن دقيق بين قوة الشخصية وحسن التعامل، وبين القدرة على الحسم والقدرة على احتواء الآخرين.

ومن هنا يأتي التوجيه النبوي العظيم الذي يجعل حسن الخلق معيارًا رفيعًا من معايير الفضل، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»(4).

القوة حين تنفصل عن الأخلاق

تكشف سيرة مالك الأشتر عن حقيقة مهمة في بناء الشخصيات المؤثرة؛ فقد يُمنح الإنسان شجاعة نادرة، أو قدرة عالية على الإنجاز، أو حضورًا قويًا يجعل الناس يلتفون حوله، لكنه يبقى بحاجة دائمة إلى تزكية طبعه وضبط انفعالاته.

فالقوة التي لا يرافقها حسن الخلق قد تتحول من وسيلة للبناء إلى سبب في النفور، وقد يخسر الإنسان بجفاء أسلوبه ما لا يخسره بضعف قدرته.

ولهذا، فإن المنهج الإسلامي الرصين لا يفصل بين قوة الشخصية ونقاء السريرة، بل يسعى إلى الجمع بينهما؛ لأن القائد الذي يجمع الحزم والرحمة، والهيبة والتواضع، يكون أقدر على ترك أثر ممتد في النفوس.

وهذه القاعدة لا تخص القادة في ساحات الحرب والسياسة فقط، بل تمتد إلى كل مجالات الحياة؛ ففي الأسرة، والتعليم، والدعوة، والعمل، لا تكفي القدرة وحدها لصناعة النجاح ما لم تصاحبها أخلاق تحسن التعامل مع الناس.

فكم من صاحب علم أو مهارة نادرة قلّ أثره بسبب قسوة أسلوبه! وكم من صاحب قدرات محدودة عظم أثره بسبب حسن خلقه وطيب معشره!

القوة والحكمة في قراءة مواقف القادة

ويتقاطع هذا المعنى مع ما حفظته لنا كتب السير من مواقف كشفت أن القوة تحتاج دائمًا إلى ميزان من الحكمة، ومن ذلك قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه في حروب الردة؛ إذ اجتمعت فيه عبقرية القائد العسكري وشجاعة المقاتل، مع موقف أثار نقاشًا حول شدة القرار وحدوده.

ففي قصة مالك بن نويرة، تذكر الروايات وقوع خلاف حول الموقف منه، حيث مضى خالد رضي الله عنه في قراره رغم اعتراض بعض الصحابة، فكان ذلك من المواقف التي ناقشها أهل العلم عند حديثهم عن اجتهادات القادة في ظروف الحروب والفتن.

ولما بلغ الأمر أبا بكر الصديق رضي الله عنه، نظر إلى الموقف من زاوية أوسع تتعلق بحفظ قوة الأمة والاستفادة من طاقات الرجال، فقال: «إنه تأول فأخطأ».

ولما طلب منه عزله، قال أبو بكر رضي الله عنه: «ما كنت لأشيم سيفًا سلّه الله عليهم أبدًا»(5).

وهنا يظهر جانب مهم من فقه القيادة؛ فالقائد الناجح لا ينظر إلى الرجال من خلال موقف واحد فقط، وإنما يوازن بين أخطائهم وإسهاماتهم، وبين الضرر المتوقع من فقدان قدراتهم في وقت تحتاج فيه الأمة إلى جهودهم.

فالقيادة الرشيدة لا تقوم على تجاهل الأخطاء، كما لا تقوم على إهدار الطاقات، وإنما تقوم على الموازنة بين المصالح، وفهم طبيعة الأشخاص، ووضع كل إنسان في موضعه الذي يحسن فيه العطاء.

الميزان العادل في قراءة التاريخ

من أكبر المزالق المنهجية في قراءة سير الرجال أن يتحول الإعجاب بشخصية ما إلى درجة سلبها بشريتها، وتصويرها وكأنها خالية من الأخطاء والنقائص، أو أن يتحول النقد إلى أداة تهدم كل الفضائل بسبب موقف أو صفة لا توافق هوى القارئ.

والمنهج السوي في دراسة الشخصيات التاريخية يقتضي النظر إلى الإنسان من خلال مجموع صفاته، وسياقه، وآثاره، لا من خلال جانب واحد معزول.

فمالك بن الحارث الأشتر، كما تعرضه لنا كتب التراجم، ليس مجرد مقاتل مغوار لا يُشق له غبار، ولا هو مجرد رجل شديد الطبع غليظ الجانب، وإنما هو شخصية مركبة اجتمعت فيها عناصر متعددة؛ من شجاعة وإقدام، وتأثير وقيادة، مع وجود جوانب بشرية تحتاج إلى تقويم وتهذيب.

وهذا هو الأقرب إلى طبيعة الإنسان؛ فالكمال المطلق لا يكون للبشر، وإنما تكون العبرة بغلبة المحاسن، ورسوخ القيم، وعظم النفع الذي يقدمه الإنسان من خلال مواهبه وقدراته.

وتأصيلًا لهذا الفهم المتوازن، جاءت كلمة التابعي الجليل سعيد بن المسيب التي تمثل قاعدة مهمة في النظر إلى الشخصيات، حيث قال: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه: من كان فضله أكثر من نقصه وُهب نقصه لفضله»(6).

وهذه القاعدة تضع ميزانًا دقيقًا في قراءة التاريخ؛ فهي لا تدعو إلى تجاهل الأخطاء، ولا إلى تضخيمها، وإنما تدعو إلى رؤية الصورة الكاملة.

فالأمم لا تُبنى بأشخاص لا يخطئون، وإنما بأصحاب الهمم الذين يحملون من الفضائل ما يجعل أثرهم أعظم من جوانب القصور لديهم، مع استمرار حاجتهم إلى المراجعة والإصلاح.

مالك الأشتر النخعى: القيادة بين القوة والرحمة

إن الأمم في كل زمان تحتاج إلى أصحاب العزائم الصلبة القادرين على مواجهة الصعاب واقتحام العقبات، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى أن تقترن هذه القوة بسعة الحلم، وأن يصاحب الحزم الإداري نبض الرحمة الإنسانية.

فالقيادة ليست مجرد قدرة على إصدار الأوامر، وإنما هي قدرة على التأثير في القلوب، وبناء الثقة، وصناعة بيئة يشعر فيها الناس أنهم شركاء في الهدف لا مجرد أدوات لتنفيذه.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح في ميادين الأسرة وتربية الأبناء؛ فالمقصود ليس صناعة شخصيات ضعيفة تخشى كل صعوبة، ولا صناعة طباع قاسية تتجاوز حقوق الآخرين بحجة القوة، وإنما بناء شخصية متينة تعرف متى تشتد ومتى تلين.

وكذلك في مجالات الدعوة والتعليم والعمل؛ فلا تكفي الكفاءة وحدها لتحقيق النجاح، ما لم تصاحبها أخلاق حسنة وقدرة على بناء جسور التواصل مع الناس.

فكم من صاحب مهارة نادرة قلّ أثره بسبب سوء تعامله! وكم من صاحب قدرات محدودة عظم أثره بسبب حسن خلقه وطيب معشره!

ومن أجمل النماذج التي تجسد اجتماع القوة مع الرحمة، والمهابة مع الحلم، موقف علي بن الحسين رحمه الله حين واجه إساءة أحد الناس بالأخلاق بدل الانتقام، فقد كان خارجًا من المسجد، فلقيه رجل فسبه، وهنا ظهرت مظاهر القوة والمكانة؛ إذ ثار إليه العبيد والموالي دفاعًا عنه، غير أنه أوقف غضبهم بحلم عظيم، وقال لهم: «مهلًا عن الرجل»، ثم أقبل على من أساء إليه بقلب هادئ ونفس مطمئنة، فقال له: «ما سُتر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟» فأُسقط في يد الرجل، واستحيا من عظيم حلمه ونبله، فأمر له علي بن الحسين بألف درهم(7).

وهذا الموقف يختصر معنى عميقًا في أخلاق القيادة؛ فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على الانتقام، وإنما في امتلاك النفس حين يكون الإنسان قادرًا على الرد.

فقد يملك الإنسان من السلطة أو المكانة ما يجعله قادرًا على قهر الآخرين، لكن أعظم مراتب القوة أن يملك نفسه عند الغضب، وأن يحول الموقف الذي كان يمكن أن يصنع خصومة إلى فرصة للإصلاح والتأثير.

مالك الأشتر النخعي.. ودروس القيادة الإنسانية

إن استنطاق سيرة مالك بن الحارث الأشتر النخعي يذكرنا دائمًا بأن صناع التاريخ لم يكونوا أصحاب لون واحد، بل حملوا بين جوانحهم مزيجًا من القوة والضعف، والفضائل والنقائص، والقدرات الكبيرة مع التحديات البشرية.

فمالك الأشتر لم يكن مجرد مقاتل اشتهر بالبأس والشجاعة، كما أنه لم يكن شخصية تختصر في صفة واحدة من صفات الشدة أو الصرامة، وإنما كان نموذجًا إنسانيًا مركبًا اجتمعت فيه عناصر القيادة والتأثير والإقدام، مع جوانب تحتاج إلى تهذيب وتقويم.

ولعل الرسالة الأهم التي تقدمها هذه السيرة ليست البحث عن شخصيات لا تخطئ، فذلك خارج طبيعة البشر، وإنما إدراك أن قيمة الإنسان تظهر في قدرته على توجيه طاقاته، ومجاهدة جوانب النقص فيه، وتحويل قوته إلى وسيلة للبناء والإعمار.

فالقوة إذا اقترنت بالحكمة أصبحت سببًا للنهوض، وإذا انفصلت عن الأخلاق قد تتحول إلى سبب للوحشة والنفور.

ولهذا، فإن الأمم لا تحتاج فقط إلى أصحاب العزائم الصلبة القادرين على اقتحام الصعاب، بل تحتاج كذلك إلى قادة يجمعون بين الحزم والرحمة، وبين وضوح المبدأ وحسن التعامل، وبين قوة القرار ونبل الخلق.

فالمعادلة الأصعب في صناعة الإنسان القيادي ليست أن يكون قويًا فحسب، وإنما أن يكون قويًا رحيمًا، حازمًا عادلًا، قادرًا على قيادة الآخرين بعد أن ينجح في قيادة نفسه.

وهنا تكمن إحدى أهم العبر التي تقدمها لنا سير الرجال؛ أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا في ساحات المعارك، وإنما في القدرة على بناء إنسان متوازن يجعل من قوته طاقة للإصلاح، ومن حضوره وسيلة للنفع، ومن أخلاقه أثرًا يبقى بعد رحيله.

الهوامش
  • 1 الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج4، ص34.
  • 2 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج1، ص151.
  • 3 ابن كثير، البداية والنهاية، ج7، ص78.
  • 4 رواه البخاري، كتاب المناقب (3559).
  • 5 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج1، ص135-136.
  • 6 ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج2، ص81.
  • 7 ابن الجوزي، صفة الصفوة، ج2، ص100.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة