كيف نجمع بين القدر والعمل؟ ميزان مطرف بن عبدالله
روى الذهبي في
ترجمته لمطرف بن عبدالله(1) أنه قال: «لأن يسألني الله تعالى يوم
القيامة فيقول: يا مطرف، ألا فعلت، أحب إليَّ من أن يقول: لم فعلت؟».
وقال مطرف:
«إنما وجدت العبد ملقى بين ربه وبين الشيطان، فإن استشلاه ربه واستنقذه نجا، وإن
تركه والشيطان، وذهب به».
وقال: «لو أخرج
قلبي فجعل في يساري، وجيء بالخير فجعل في يميني، ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئًا
حتى يكون الله يضعه».
وقال: «إن هذا
الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيمًا لا موت فيه»(2).
وقال: «ليس لأحد
أن يصعد فيلقي نفسه من شاهق، ويقول: قدر لي ربي؛ ولكن يحذر ويجتهد ويتقي، فإن
أصابه شيء، علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له»(3).
تمثل هذه الآثار
جانبًا من شخصية مطرف بن عبدالله بن الشخير، أحد أعلام التابعين في البصرة، حيث
اجتمع في كلامه صفاء الاعتقاد، ودقة النظر في النفس البشرية، والوعي بخطورة
الانحراف في فهم القدر، وتكشف هذه النصوص عن إنسان لم ينظر إلى الإيمان بوصفه
مشاعر مجردة، بل بوصفه ميزانًا يضبط علاقة العبد بربه، وبنفسه، وبالواقع من حوله.
والقراءة في
شخصية مطرف لا تقف عند حدود الموعظة الفردية، بل تمتد إلى فهم نموذج تربوي وفكري
نشأ في عصر كثرت فيه الأسئلة العقدية والاضطرابات الاجتماعية، فكان خطابه قائمًا
على إعادة الإنسان إلى موقعه الصحيح: عبدٌ يسعى ويجتهد، لكنه لا يرى لنفسه
استقلالًا عن فضل الله وتوفيقه.
كيف حافظ مطرف بن عبدالله على توازنه وسط فتن البصرة؟
نشأ مطرف بن عبدالله في
البصرة، إحدى أهم الحواضر العلمية والفكرية في عصر التابعين، وكانت البصرة آنذاك
ميدانًا للحركة العلمية، كما كانت مسرحًا لظهور اتجاهات فكرية متعددة وقلاقل
سياسية تركت أثرها في طريقة العلماء في معالجة قضايا الإنسان والإيمان والمسؤولية.
في مثل هذا
السياق برزت شخصية مطرف بهدوئها وبعدها عن الانفعال الجماعي، فلم يكن من الذين
يختزلون الدين في الشعارات، ولا ممن يجعلون التسليم بالقدر ذريعة لترك العمل، بل
ظهر في كلامه ميزان دقيق يجمع بين الإيمان بالغيب والنظر الواقعي إلى سنن الحياة.
ويأتي هذا
المعنى في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن حوالة، وعبدالله بن عمر،
رضي الله عنهما، حين أخبرهما بما يكون عند اشتداد الفتن واضطراب الناس، فقال: «كيف
أنت إذا أدركتك فتنة تفور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟» ثم لما سأله عبدالله:
«ما تأمرني يا رسول الله؟» قال: «عليك بالشام»(4).
ففي أوقات
اضطراب المفاهيم لا يكفي أن يملك الإنسان الحماس، بل يحتاج إلى بصيرة تحفظه من
الانجراف، ومنهجٍ يضبط موقفه حين تختلط الأصوات، وهذا هو المعنى الذي تجسده سيرة
مطرف؛ هدوءٌ لا يعني السلبية، وإيمانٌ بالقدر لا يلغي المسؤولية، وثباتٌ يحمي
صاحبه من أن يصبح جزءًا من الفتنة بدل أن يكون واعيًا بها.
المحاسبة على ترك الخير.. نظرة مطرف للمسؤولية الفردية
قول مطرف بن
عبدالله: «لأن يسألني الله تعالى يوم القيامة: يا مطرف، ألا فعلت، أحب إليَّ من أن
يقول: لم فعلت؟»، يكشف عن حساسية عالية تجاه المسؤولية أمام الله.
فهو لا ينظر إلى
الخطأ فقط باعتباره وقوعًا في المحظور، بل يرى أن الإنسان قد يُحاسب أيضًا على فرص
الخير التي تركها، وعلى الطاقات التي لم يستخدمها، وعلى الواجبات التي كان قادرًا
عليها ثم أعرض عنها.
وهذا المعنى
ينسجم مع قول الله تعالى: (وَقِفُوهُمْ
إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) (الصافات: 24)، فالإنسان في التصور الإسلامي ليس
كائنًا عابرًا بلا تكليف، بل صاحب أمانة واختيار.
ومن الناحية
النفسية، فإن هذا الشعور لا يصنع إنسانًا قلقًا عاجزًا، بل يصنع إنسانًا يقظًا
يراجع نفسه قبل أن يطالب الآخرين أو يلوم الظروف.
وفي واقع العمل
والتربية اليوم، فإن المجتمعات لا تتقدم بكثرة الناقدين، وإنما بأصحاب المبادرة
الذين يسألون: ماذا أستطيع أن أقدم قبل أن أسأل لماذا لم يقدّر لي النجاح؟
التبرؤ من الحول والقوة.. كيف واجه مطرف بن عبدالله الغرور؟
من أعمق عبارات
مطرف بن عبدالله قوله: «لو أخرج قلبي، فجعل في يساري وجيء بالخير، فجعل في يميني،
ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئًا حتى يكون الله يضعه».
هذه العبارة
ترسم صورة بليغة لحقيقة الإنسان؛ فهو قد يرى الخير، ويرغب فيه، ويسعى إليه، لكنه
لا يملك مفاتيح القلوب، فالقلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد قال الله
تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (الأنفال: 24).
ولا يعني هذا
تعطيل السعي، بل يعني تحرير الإنسان من الغرور بعد السعي، فالمؤمن يعمل لكنه لا
يتوهم أن النجاح ثمرة قوته وحدها، ولا أن الصلاح نتيجة ذكائه فقط.
ويظهر هذا
المعنى جليًّا في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم مقام العبودية، حين خُيّر بين
أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون «عبدًا نبيًّا»، وقال: «آكل
كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد»(5)، فمع كمال قدرته صلى الله
عليه وسلم ورفعة مقامه، لم ينسب الفضل إلى نفسه، بل اختار مقام العبودية؛ ليبقى
القلب معلّقًا بفضل الله، والعمل منزّهًا عن الغرور بالقوة والقدرة.
وهذا المعنى من
أهم قواعد القيادة الرشيدة؛ فالقائد الذي ينسب كل نجاح إلى ذاته يفقد القدرة على
التعلم، أما من يدرك حدود قدرته فإنه يبقى أكثر تواضعًا، وأكثر استعدادًا لمراجعة
قراراته، وأكثر رحمة بمن يعمل معه.
كيف يتحول تذكر الموت إلى دافع لإصلاح الحياة؟
حين قال مطرف بن
عبدالله: «إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيماً لا موت
فيه»، لم يكن يدعو إلى ترك الدنيا، وإنما كان يعيد ترتيب الأولويات.
فالمشكلة ليست
في النعمة، وإنما في تعلق القلب بما يفنى، وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بقوله
تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ
ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185).
الموت في خطاب
مطرف بن عبدالله ليس عامل إحباط، بل أداة لتحرير الإنسان من الوهم، فمن عرف أن كل
متاع زائل، بحث عن الأعمال والمعاني التي تمتد آثارها بعد رحيله.
ويتجلى هذا
المعنى في موقف عثمان بن مظعون رضي الله عنه حين سمع لبيدًا يقول: «وكل نعيم لا
محالة زائل»، فقال: «كذبت، نعيم الجنة لا يزول»(6)، فلم يكن اعتراضه
على حقيقة فناء نعيم الدنيا، وإنما كان توجيهًا للبوصلة نحو النعيم الباقي؛
فالعاقل لا يجعل همّه في متاعٍ ينتهي، وإنما يجعل سعيه فيما يبقى أثره، وأعظمه
نعيم الجنة الذي لا يعقبه موت ولا زوال.
وفي عصر تتسارع
فيه ثقافة الاستهلاك، يصبح هذا المعنى أكثر حضورًا؛ فالإنسان المعاصر قد يملك
وسائل كثيرة للراحة لكنه يبقى محتاجًا إلى سؤال أعمق: هل ما أسعى إليه يبقى أثره،
أم ينتهي بانتهاء اللحظة؟
الجمع بين الأخذ بالأسباب والرضا بما يقدره الله
يعد كلام مطرف
بن عبدالله في النهي عن إلقاء النفس من شاهق ثم الاحتجاج بالقدر من أوضح النصوص في
الجمع بين الإيمان بالقضاء والقيام بالمسؤولية.
قال: «ولكن يحذر
ويجتهد ويتقي، فإن أصابه شيء، علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له»(7).
فهو يثبت أمرين
في وقت واحد: وجوب الأخذ بالأسباب، والإيمان بأن النتائج بيد الله، وهذا هو المنهج
الذي دل عليه الحديث النبوي: «اعقلها وتوكل»(8).
وهذا التوازن
يعالج مشكلة متكررة في حياة الناس؛ فبعضهم يجعل القدر سببًا لترك العمل، وبعضهم
يجعل النجاح كله قائمًا على قدرته الشخصية، أما المنهج الإيماني فيجمع بين بذل
الجهد والتسليم لله.
وفي الإدارة
والتعليم والأسرة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالتخطيط لا يناقض التوكل، والاحتياط لا
يناقض الرضا بالقضاء، بل هما من تمام الفهم الصحيح للعبودية.
بناء الوعي الداخلي.. منهج مطرف في القيادة التربوية
لم يكن تأثير
مطرف بن عبدالله قائمًا على كثرة الكلام، وإنما على قوة المعنى، فقد قدم نموذجًا
للقيادة القائمة على تصحيح المفاهيم قبل تصحيح السلوك.
فالقيادة
الحقيقية لا تعني فقط إصدار الأوامر، بل بناء الوعي الذي يجعل الإنسان قادرًا على
اتخاذ القرار الصحيح عندما يغيب الرقيب الخارجي.
ويتضح هذا
المنهج في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الطاعون، حين صحح مفهومًا قد يختلط
على الناس، فقال: «نفرّ من قدر الله إلى قدر الله»(9)، فلم يكتفِ
بإصدار قرار الرجوع، بل بيّن الأساس الذي يقوم عليه؛ وهو أن الأخذ بالأسباب لا
ينافي الإيمان بالقدر، بل هو من تمام العبودية لله، وهكذا كان تصحيح المفهوم عنده
وسيلة لصناعة وعيٍ يقود إلى السلوك الصحيح، حتى إذا غاب الرقيب بقيت القناعة
حاضرة.
وهذا النموذج
مهم في زمن الإعلام السريع وضغط الجماهير؛ إذ يحتاج الناس إلى أصوات تعيد لهم
القدرة على التفكير، لا أصوات تزيد الانفعال والاندفاع.
ومن هنا، فإن
منهج مطرف يقدم درسًا معاصرًا في صناعة القادة: أن القائد الذي يضبط نفسه أمام
الله، يستطيع أن يساعد غيره على ضبط أنفسهم أمام الحياة.
كيف استخدم مطرف بن عبدالله الصور المحسوسة لتقريب الأفكار المجردة؟
من جمال كلام
مطرف بن عبدالله أنه لا يقدم الأفكار المجردة فقط، بل يحولها إلى صور محسوسة، ففي
حديثه عن القلب والخير يرسم مشهدًا بصريًا يجعل القارئ يرى المسافة بين وجود الخير
وبين دخول أثره إلى القلب.
وهذه الطريقة من
أساليب البيان المؤثر؛ لأن الإنسان يتأثر بالصورة كما يتأثر بالفكرة، ولهذا كان
خطاب العلماء الربانيين يجمع بين قوة البرهان وجمال التعبير.
ويتجلى هذا
الأسلوب في هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يحول المعاني التربوية المجردة
إلى صور محسوسة، كما في حديث الجليس الصالح وجليس السوء، فشبّه أثر الصحبة بحامل
المسك ونافخ الكير(10)، فلم يكتفِ ببيان أثر الصحبة في الإنسان، بل رسم
له مشهدًا يراه ويتخيله؛ لتصبح الفكرة أعمق حضورًا وأشد تأثيرًا، وهو ما يكشف عن
قوة البيان حين يجمع بين صحة المعنى وحسن تصويره.
فالعبارة
القصيرة قد تحمل وراءها بناءً كاملًا من المعاني النفسية والعقدية والتربوية، وهذا
ما يجعل آثار السلف قابلة للقراءة عبر العصور.
تطبيقات منهج التوازن في التربية والعمل والحياة المعاصرة
يحتاج الإنسان
اليوم إلى هذا الميزان الذي رسمه مطرف بن عبدالله؛ أن يعمل دون غرور، ويخطط دون
اعتماد على الأسباب وحدها، ويخاف التقصير دون أن يقع في اليأس.
في الأسرة يظهر
هذا في التربية التي تجمع بين التوجيه والدعاء، وفي التعليم يظهر في بناء الطالب
المجتهد المتواضع، وفي العمل يظهر في الموظف الذي يبذل وسعه ثم لا يجعل النجاح
سببًا للكِبر.
كما يظهر في
المجال الدعوي والإعلامي؛ فالتأثير الحقيقي لا يصنعه الخطاب الصاخب، وإنما تصنعه
المعاني الصادقة التي تعيد الإنسان إلى معرفة قدره وحاجته إلى ربه.
وقدّم سلمان
الفارسي رضي الله عنه لأبي الدرداء رضي الله عنه قاعدة تختصر هذا الميزان كله: «إن
لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه»،
فأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: «صدق سلمان»(11)، فليست
الاستقامة في أن يطغى جانب من جوانب الحياة على غيره، وإنما في أن يعرف الإنسان ما
عليه من حقوق، فيبذل وسعه دون إفراط، ويؤدي مسؤوليته دون أن ينسى حاجته إلى ربه.
تكشف كلمات مطرف
بن عبدالله بن الشخير عن شخصية جمعت بين عمق الإيمان ودقة الفهم الإنساني، فقد رأى
أن القلب لا يستغني عن فضل الله، وأن القدر لا يلغي المسؤولية، وأن الدنيا مهما
بلغت من الجمال فهي طريق إلى نهاية محتومة.
إن القيمة الكبرى في تراث مطرف بن عبدالله ليست في العبارات وحدها، بل في الميزان الذي أقامه بين الخوف والرجاء، وبين العمل والتوكل، وبين عمارة الدنيا والاستعداد للقاء الله، وهذا الميزان من أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في كل عصر؛ لأنه يحفظ له حركته في الحياة دون أن يفقد صلته بمن بيده الأمر كله.
الهوامش
- 1 مطرف بن عبدالله ابن الشخير الإمام القدوة الحجة أبو عبدالله الحرشي العامري البصري، أخو يزيد بن عبدالله.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص190.
- 3 المرجع السابق، ج4، ص191.
- 4 تاريخ مدينة دمشق، ج 1، ص 81.
- 5 المرجع السابق، ج 4، ص 73-74.
- 6 شذرات الذهب في أخبار من ذهب، ج 1، ص 116.
- 7 سير أعلام النبلاء، ج4، ص191.
- 8 رواه الترمذي.
- 9 الطبقات الكبرى لابن سعد، ج 3، ص 222.
- 10 البداية والنهاية، ج 12، ص 121.
- 11 سير أعلام النبلاء للذهبي، ج 8، ص 382.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً