من صفات الفضل إلى مراجعة الذات

الربيع بن خثيم.. كيف يصنع الإنسان فضله الحقيقي؟

د. نصر حسن

20 سبتمبر 2026

32

صورة رمزية تعبر عن التأمل والسكينة والقراءة في الحكم التراثية، مع إبراز معنى الذكر والتفكر والتدبر.

أورد الذهبي عن ياسين الزيات، قال: جاء ابن الكواء إلى الربيع بن خثيم، فقال: «دلني على من هو خير منك، قال: نعم، من كان منطقه ذكرًا، وصمته تفكرًا، ومسيره تدبرًا، فهو خير مني»(1).

بين سؤال يبحث عن اسم، وجواب يدل على صفات، تنفتح قضية تتجاوز المفاضلة بين شخصين؛ بماذا يكون الإنسان خيرًا؟ أبشهرته وألقابه، أم بما يصلح من قوله وفكره وعمله؟ لا تمنح العبارة السائل اسمًا يضيفه إلى قائمة المعظَّمين، وإنما توجهه إلى أسباب الفضل، وتعيد إليه السؤال في صورة أنفع: ماذا ينبغي أن نتعلم من أهل الخير؟

لماذا تسبق الصفات الأسماء عند التفاضل؟

يبدأ السؤال بطلب مألوف: «دلني على من هو خير منك»، والمتوقع أن يأتي الجواب باسم رجل، أو بحديث عن منزلة المتكلم، لكن العبارة تتجه إلى الفضائل نفسها: الذكر، والتفكر، والتدبر.

وهذه النقلة لا تلغي القدوات ولا تنكر تفاوت الناس، بل تجعل الاقتداء أبصر بمعناه، فليس المطلوب أن نعرف من نعظّم فحسب، وإنما لماذا نعظّمه، وما الذي نتعلمه منه، وحين تبقى الصفة واضحة، يظل باب التعلم مفتوحًا، سواء وجدناها في المشهور أم في المغمور.

ومن هنا يأتي السؤال عن معيار الأفضلية نفسه: فإذا كان الفضل لا يُقاس بمجرد معرفة صاحبه، فبماذا يُقاس؟ وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌أَيُّ ‌النَّاسِ ‌أَكْرَمُ؟»، قَالَ: «أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ»(2)؛ فبيّن أن معيار الفضل ليس اسمًا أو منزلةً، وإنما صفةٌ هي التقوى.

وإذا حُدِّد معيار الفضل، بقي أن نعرف كيف تظهر هذه الصفة في واقع الإنسان؛ وهذا ما يوضحه الموقف الذي سُئل فيه النبي صلى الله عليه وسلم: « أَيُّ ‌النَّاسِ ‌أَفْضَلُ؟» فلم يذكر اسمًا بعينه، بل وصف صورًا من الفضل العملي، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ»، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «مُؤْمِنٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ»(3).

فالحديث الأول يحدد المعيار الذي تُعرف به الأفضلية، والحديث الثاني يكشف للمتعلم كيف يتجسد هذا المعيار في صفات وأعمال يمكن أن يقتدي بها؛ وبذلك ينتقل النظر من البحث عن اسم الأفضل إلى معرفة ما الذي يصنع الفضل في صاحبه.

وفي التربية، بدل أن نقول للطفل: «كن مثل فلان» بإطلاق، نبيّن له وجه الاقتداء: تعلّم صدقه، أو أمانته، أو صبره، وفي العمل ينبغي أن يتصل الثناء ببيان ما أحسنه صاحبه؛ فتتحول القدوة من صورة تبهر الناظر إلى خصلة يستطيع التدرب عليها.

الفرق بين التواضع المحمود وإهانة النفس

تنتهي العبارة بقول الربيع بن خثيم: «فهو خير مني»، وفي هذه الجملة القصيرة يتجلى تواضع لا يهدم الذات، بل يفتحها على إمكان التعلم من فضل الآخرين.

وليس في ذلك إلغاء للذات؛ فهناك فرق بين الاعتراف بفضل الآخرين، وإنكار كل ما عند الإنسان من خير، الأول يفتح باب التعلم، والثاني قد يعطّل العمل، والتواضع المستلهم هنا استعداد للمراجعة، لا دعوة إلى احتقار النفس.

ويضيء هذا المعنى قوله تعالى: (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) (النجم: 32)، فالآية ترد الإنسان عن دعوى الكمال، وتذكّره بأن علم الله به أوسع من معرفة الناس بظاهره.

وهذا التواضع لا يعني إهانة النفس أو إلغاء ما فيها من خير؛ وقد فرّق ابن القيم بين الأمرين بقوله: «فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالإِهَانَةِ؛ فَالتَّوَاضُعُ يَتَوَلَّدُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَعْرِفَةِ النَّفْسِ، وَأَمَّا مَهَانَةُ النَّفْسِ وَوَضَاعَتُهَا فَهِيَ خِسَّتُهَا وَحَقَارَتُهَا»(4)، وبذلك يبقى التواضع اعترافًا بحدود الإنسان، لا إنكارًا لقيمته.

وفي حياتنا اليومية، ليس على المعلم أن يعرف كل جزئية، ولا على الأب أن يصيب في كل تقدير، ولا على المدير أن ينفرد بالرأي الصائب، وقد ظهر هذا المعنى في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ردّت عليه امرأة في مسألة المهر، فأصغى إلى حجتها ولم يستنكف من الرجوع إلى الحق، وقال: «أصابت امرأة وأخطأ عمر»(5)، فهذا الموقف يكشف عن تواضعٍ لا يرى في قبول الحق من غيره انتقاصًا من قدره؛ فلم يمنعه مقامه من أن يقبل الصواب حين ظهر له، بل فتح له ذلك بابًا للتعلم من الآخرين، دون أن يرى في اعترافه بالحق هدمًا لمكانته، وحين يعترف أحدهم بصواب ملاحظة جاءت ممن دونه سنًّا أو منصبًا، فإنه لا يرى في ذلك انتقاصًا من مقامه، بل يمارس تواضعًا يفتح له باب الانتفاع بفضل غيره؛ وعندئذ تصبح فضيلة الآخر فرصةً للتعلم، لا تهديدًا للمكانة.

كيف تتحول الكلمة إلى مسؤولية أخلاقية؟

وأول الأوصاف التي ذكرها الربيع متعلق باللسان؛ فبالكلام نعلّم وننصح ونعتذر، ونحفظ الحقوق أو نضيّعها، ولا ينبغي اختزال الذكر في مهارة التواصل؛ إذ يحمل معناه الإيماني المتصل بالله، ومنه يمتد التأمل إلى أثر العبودية في صدق الخطاب وعدله ورحمته، ويؤكد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (الأحزاب)؛ فالكلمة في التصور القرآني ليست مجرد وسيلة للتعبير، وإنما مسؤولية ينبغي أن تستقيم مع التقوى، حتى يكون القول السديد جزءًا من إصلاح العمل.

وفي السُّنة أصل صحيح يضبط هذا الباب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌مَنْ ‌كَانَ ‌يُؤْمِنُ ‌بِاللهِ ‌وَالْيَوْمِ ‌الْآخِرِ ‌فَلْيَقُلْ ‌خَيْرًا ‌أَوْ ‌لِيَصْمُتْ»(6)؛ فالعبرة ليست بكثرة الكلام، وإنما بخيره، والصمت خيار حين لا يكون القول كذلك، وهكذا يلتقي معنى «منطقه ذكرًا» عند الربيع مع التوجيه النبوي: أن تكون الكلمة خيرًا، وإلا كان الصمت أولى.

ولم يكن هذا المعنى عند الربيع مجرد تصور نظري، بل ظهر في ضبطه لمجالات الكلام، فقد روي عنه: «أقلوا ‌الكلام ‌إلا ‌بتسع: تسبيح، وتهليل، وتكبير وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن»(7)، فالكلام لا يُترك لمجرد العادة أو الرغبة في الحضور، وإنما يُوزن بما يحمله من ذكر أو خير أو إصلاح؛ وبذلك يصبح «منطقه ذكرًا» وصفًا لمنهج في استعمال اللسان، لا مجرد كثرة في النطق بالألفاظ.

ومن هنا لا يبقى هذا المنهج متعلقًا بمجالس الربيع وحدها، بل يمتد إلى كل سياق يصبح فيه الكلام فعلًا له أثر في الآخرين، ففي واقع التواصل المعاصر، يمكن أن يسبق نشرَ الخبر سؤالٌ عن صحته، وأن يسبق التعليقَ سؤالٌ عن فائدته، وأن تسبق النصيحةَ مراجعةٌ لطريقتها، ليس المقصود تحويل كل حديث إلى موعظة، بل ألا تكون الرغبة في الظهور مبررًا كافيًا للكلام.

ولنتصور مجلسًا انتقل الحديث فيه إلى عيوب غائب؛ قد تكون الكلمة الأنفع تغيير الموضوع أو ردّ الظلم عنه، لا إضافة حكاية جديدة، فإصلاح اللسان يظهر أحيانًا في منع أذى كان في طريقه إلى الاتساع.

أهمية الصمت الواعي في بناء البصيرة

لا تمدح العبارة الصمت مجردًا، بل تربطه بالتفكر؛ فالمقصود ليس سكون اللسان وحده، وإنما حضور العقل والقلب، وبين من يصغي ليفهم، ومن ينتظر دوره للرد، فرق يكشف أن الصمت قد يتشابه في ظاهره وتختلف وجهته.

وقد جمع القرآن بين الذكر والتفكر في وصف أولي الألباب، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (آل عمران: 191)، وفي هذا الجمع تتصل العبادة بإعمال الفكر، فلا يصبح حضور القلب بديلًا عن النظر، ولا النظر منفصلًا عن وجهته الإيمانية.

وهذا المعنى لا يجعل الصمت غاية في ذاته، بل يراه وسيلة لإتاحة المجال للفكر قبل الكلام؛ وقد قال الشافعي: «استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر»(8)، فحين يتوقف اللسان، تتاح للعقل فرصة أن يستمع ويفهم ويميز، فيخرج الكلام بعد ذلك عن العجلة إلى البصيرة.

ويظهر هذا المعنى في موقف القاسم بن محمد، فقد كان إذا سُئل عن أمر لا يعلمه أمسك وفكّر، ثم قال: «لا أعلم»(9)، فالصمت هنا ليس فراغًا ولا تهربًا من الجواب، وإنما مساحة للتثبت، انتهت إلى الاعتراف بحدود العلم، ومن التطبيقات الممكنة أن يراجع الإنسان موقفًا اختلف فيه مع غيره: ما الذي فهمته؟ وما الذي افترضته دون دليل؟ وأين كان يمكن أن أكون أعدل؟ ليست الغاية محاكمة النفس بلا نهاية، بل الخروج بفهم أو تصحيح.

وفي التعليم والحوار الأسري، قد تتيح لحظة التريث سماع ما فات وفهم ما التبس؛ فيكون الصمت استعدادًا لكلام أبصر، لا انسحابًا من مسؤولية البيان.

تحويل مشاهدات الحياة إلى دروس وعبر

تمتد الثلاثية إلى المسير، فتقرن الحركة بالتدبر، وكأن قيمة الطريق لا تنحصر في الوصول إلى نهايته، بل تشمل ما يتعلمه الإنسان فيه، وما يراجعه من مقاصد خطواته وعواقبها.

ويمكن قراءة هذا الاقتران من جهتين؛ الاعتبار بما يشاهده المرء، والنظر فيما يقدم عليه، فلا تمر الأحداث كلها دون أثر، ولا تصبح القدرة على الفعل بديلًا عن السؤال عن غايته.

ويؤكد القرآن هذا المعنى بربط السير بالنظر في العواقب، قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران: 137)، فالسير في التصور القرآني ليس حركة في المكان فحسب، بل طريق إلى النظر والاعتبار، بحيث تتحول المشاهدة إلى وعي بالعواقب، وتصبح الحركة نفسها مجالًا للتعلم.

وهذا المعنى أعمق من مجرد الحركة الظاهرة؛ وقد قال ابن القيم: «فاعلم أن العبد إنما يقطع منازل السير إلى الله بقلبه وهمته لا ببدنه»(10)، فالمسير الذي يصاحبه التدبر لا يقاس بكثرة الخطوات، وإنما بما يصاحبها من حضور القلب ووعي الغاية.

وقد ظهر هذا المعنى في موقف الربيع بن خثيم حين مرّ مع عبد الله بن مسعود على أتون بشاطئ الفرات، فلما رأى النار تلتهب قرأ ابن مسعود قوله تعالى: (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) (الفرقان: 12)، فصعق الربيع وسقط مغشيًا عليه اعتبارًا وتدبرًا(11)، فالمشهد العابر لم يمر عليه مرورًا عاديًا، بل تحول في وعيه إلى تذكير بالمآل، وهنا تتجلى قيمة المسير حين يصحبه قلب يتعلم مما يرى.

وفي العمل الخيري، مثلًا، لا يكفي تنفيذ النشاط حتى نعدّه ناجحًا؛ بل نسأل: هل وصل النفع إلى مستحقيه؟ وهل حُفظت كرامتهم؟ وما الذي يحتاج إلى تعديل؟ هكذا تصبح الحركة فرصة للتعلم، لا مجرد إثبات لكثرة الإنجاز، والتدبر لا يضمن صواب كل قرار، لكنه يتضمن الاستعداد لتصحيح الطريق حين يتبين الخطأ.

لماذا يعتبر الرجوع للحق قوة قيادية؟

بدأ جواب الربيع عن سائله بقوله: «نعم»، ثم بيّن صفات الخيرية، دون تعنيف للسائل أو انشغال بالدفاع عن المكانة، ولا تثبت الرواية أن السؤال كان استفزازًا متعمدًا، لكن طريقة الجواب تتيح استلهامًا نافعًا: ليس كل سؤال يضعنا موضع مقارنة يستلزم تحويل الحديث إلى خصومة شخصية.

وفي هذا المعنى، يقرر القرآن أصلًا حاكمًا في التعامل مع الناس، قال تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، فالقيادة الحكيمة لا تجعل الحكم على الأشخاص تابعًا للقرب أو المحبة، وإنما تربطه بمعيار يمكن بيانه والاحتكام إليه، ومن هنا، فإذا سأل فريق عمل عن صاحب الفضل في نجاح مشروع أو مهمة، فلا ينبغي أن يكون الحكم مبنيًا على المكانة أو القرب من المسؤول، بل على ما قدّمه كل فرد من إسهام حقيقي: من أحسن التخطيط، ومن أتقن التنفيذ، ومن عالج الخلل، ومن تحمل المسؤولية، ومن أسهم في مساعدة زملائه، وبهذا يصبح تقدير الأشخاص نتيجةً لتطبيق المعيار، لا نتيجةً للانطباع الشخصي.

غير أن اعتماد المعيار لا يعني أن يتمسك المسؤول بقراره لمجرد أنه صدر عنه؛ فالقيادة الحكيمة تجمع بين وضوح المعيار والاستعداد لمراجعة القرار إذا ظهر الخطأ، ويجسد هذا المعنى ما كتبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري:« لا يمنعنك قضاء قضيته، ثم راجعت فيه نفسك، فهديت لرشده أن تنقضه، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، ‌والرجوع ‌إلى ‌الحق ‌خير ‌من ‌التمادي ‌في ‌الباطل»(12)، فالحكمة في القيادة ليست الإصرار على القرار لمجرد صدوره، بل القدرة على مراجعته حين يظهر وجه الحق، وتحمل تبعة التصحيح دون أن يتحول الاعتراف بالخطأ إلى ضعف.

وإذا كان الرجوع عن الخطأ جانبًا من المسؤولية، فإن شرح القرار وتوضيح أسبابه جانب آخر منها؛ إذ يحتاج من يقع عليهم القرار إلى أن يفهموا المعيار الذي بُني عليه، خاصة عندما لا تتساوى النتائج التي يحصل عليها الجميع، وقد ظهر هذا المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، حين وجد الأنصار في أنفسهم من قسمة الغنائم، فجمعهم وبيّن لهم أسباب ما صنع، وذكّرهم بما سبق من نعم الله عليهم، ثم قال: «أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلَامِكُمْ؟ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ فِي رِحَالِكُمْ؟»(13)، فلم يواجه الاعتراض بتجاهل أو تعنيف، بل شرح المعيار الذي قام عليه القرار، وربط الاختيار بمقصده، حتى انقلبت مشاعر الاعتراض إلى رضا، وهنا تتجلى القيادة التي لا تكتفي باتخاذ القرار، بل تشرح أسبابه، وتوضح المعيار الذي يحكمه، وتتيح للآخرين فهم منطق القرار دون أن تتخلى عن مسؤوليتها عنه.

ومن هنا يستطيع المربي والمسؤول أن يتجاوزا طلب الإعجاب بشخصيهما إلى تعليم الناس كيف يحكمون بعدل، فشرح أسباب القرار يتيح الفهم والمراجعة، ويجعل المعيار صالحًا للتطبيق على الجميع، كما يجعل الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق جزءًا من المسؤولية، لا خروجًا عليها.

الانتقال من تقييم الناس لمراجعة الذات

يجمع بناء العبارة بين الإيجاز والتوازي: منطق يقابله ذكر، وصمت يقابله تفكر، ومسير يقابله تدبر، ويمنح التقابل بين الكلام والصمت اتساعًا للمعنى، ثم يأتي المسير ليصل التأمل بالحياة المتحركة.

وليست الثلاثية إحصاءً لجميع الأعمال أو مقياسًا عدديًا لمراتب البشر، وإنما مدخل تربوي لمراجعة أحوال بارزة في حياتنا، وفرق بين أن نجعلها أداة لمحاسبة النفس، وأن نتخذها شهادة بتفوقنا على الآخرين، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة)؛ فالإنسان أدرى بما في نفسه، ومراجعة أحواله تبدأ من صدقه مع ذاته، لا من انشغاله بتقييم غيره.

ولا تقف هذه المراجعة عند اكتشاف الخلل، بل تمتد إلى تصحيحه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»(14)، فالمراجعة النافعة ليست مجرد اكتشاف لما يحتاج إلى إصلاح، وإنما هي انتقال من الوعي بالخطأ إلى العمل على تجاوزه.

وقد عبّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذا المنهج في قوله: «حاسبوا ‌أنفسكم ‌قبل ‌أن ‌تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزنوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية»(15)، فالمحاسبة هنا ممارسة واعية تسبق الحساب، وتمنح الإنسان فرصة أن يرى مواضع الخلل في أقواله وأفكاره وأفعاله قبل أن تستحكم آثارها.

ويمكن ترجمة هذا التأمل إلى مراجعة هادئة في نهاية اليوم: كلمة تحتاج إلى استدراك، وفكرة تحتاج إلى تمحيص، وخطوة تحتاج إلى تصحيح، يكفي أن تثمر اعتذارًا، أو تثبتًا من خبر، أو وفاءً بوعد، وبذلك تتساند المعاني: التفكر يعين على إحسان القول، والتدبر يصل الفهم بالفعل، والذكر يحفظ للمراجعة وجهتها الإيمانية.

من معرفة الفضل إلى العمل به

بدأ القول بسؤال عن رجل خير من رجل، وانتهى إلى صفات يستطيع السائل والقارئ أن يراجعا نفسيهما في ضوئها، وهذه هي النقلة التي تستحق البقاء: من الانشغال بترتيب الناس إلى طلب أسباب الخير.

لسنا مطالبين بإنكار فضل القدوات، وإنما بجعل محبتهم طريقًا إلى التعلم، ولا نحتاج إلى ادعاء الكمال حتى نعمل، أو احتقار أنفسنا حتى نتواضع؛ نحتاج إلى ميزان لا يتغير حين يُطبَّق علينا.

وحين تصبح الكلمة أمانة، والصمت فرصة للفهم، والمسير مجالًا للاعتبار، يتحول السؤال من «من هو خير مني؟» إلى: ما الخير الذي عرفته، ولم أبدأ العمل به بعد؟

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 261).
  • 2 أخرجه البخاري (4689).
  • 3 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (2786)، ومسلم (1888).
  • 4 الروح: ابن القيم، ص233 – 234، بتصرف يسير.
  • 5 مسند الفاروق: ابن كثير (2/ 573).
  • 6 أخرجه البخاري (6475).
  • 7 أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (37582).
  • 8 الفوائد والأخبار: ابن حمكان (139).
  • 9 تاريخ دمشق: ابن عساكر (49/ 175).
  • 10 الفوائد: ابن القيم (1/ 206).
  • 11 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (9/ 75).
  • 12 شرح السنة: البغوي (10/ 114).
  • 13 أخرجه أحمد في مسنده (11730)، وقال محققه: إسناده حسن.
  • 14 أخرجه الترمذي في سننه (1987)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
  • 15 أخرجه أحمد في الزهد (633)، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس (2).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة