من الحيازة إلى الأثر..

كيف تملك المال ولا يملكك؟ موقف الأحنف بن قيس

د. نصر حسن

24 أغسطس 2026

170

صورة رمزية للدرهم والعطاء تعكس انتقال المال من مجرد الحيازة إلى النفع والأثر.

أورد الذهبي عن الحسن البصري، أنه قال: رأى الأحنف في يد رجل درهمًا، فقال: «لِمَنْ هَذَا؟»، قال: «لِي»، قال: «لَيْسَ هُوَ لَكَ حَتَّى تُخْرِجَهُ فِي أَجْرٍ أَوِ اكْتِسَابِ شُكْرٍ»، وتمثّل: «أَنْتَ لِلْمَالِ إِذَا أَمْسَكْتَهُ، وَإِذَا أَنْفَقْتَهُ فَالْمَالُ لَكَ»(1).

يمثل هذا الموقف القصير مشهدًا من مشاهد الحكمة الاجتماعية عند أحد أعلام التابعين وأشهر عقلاء العرب، الأحنف بن قيس، الذي لم تكن كلماته مجرد موعظة عابرة، بل كانت تعبيرًا عن رؤية متكاملة للإنسان والمال والعمران، فالموقف يجري في بيئة البصرة في القرن الأول الهجري، وهي مدينة كانت تشهد اتساعًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، مما جعل قضية التعامل مع المال من القضايا المؤثرة في تشكيل الفرد والمجتمع، ويؤكد القرآن هذا الارتباط بين المال والعمران الإنساني حين يقول تعالى: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) (النور: 33)؛ فإضافة المال إلى الله تذكّر بأن ملكية الإنسان له ليست استقلالًا مطلقًا، وإنما هي في إطار الاستخلاف والمسؤولية.

إن قراءة هذا الأثر لا تقف عند حدود الزهد في المال، بل تكشف عن سؤال أعمق: هل قيمة المال في مجرد امتلاكه، أم في قدرته على صناعة أثر نافع؟ فالحكمة التي يقررها الأحنف لا تنظر إلى المال باعتباره غاية في ذاته، وإنما إلى ما يمكن أن يتحول إليه من أجر ونفع وأثر؛ وبذلك ينتقل المال من مجرد الحيازة إلى حسن التوظيف، ومن ملكية يحتفظ بها الإنسان إلى نعمةٍ يتحمل مسؤولية توجيهها.

كيف حوّل الأحنف بن قيس مفهوم الملكية إلى مسؤولية؟

لم يبدأ الأحنف بن قيس بالنهي أو الوعظ المباشر، بل بدأ بسؤال بسيط: «لمن هذا؟»، وهذا الأسلوب يكشف عن فهم دقيق لطبيعة النفس البشرية؛ فالإنسان غالبًا يتمسك بتصوراته قبل أن يسمع النصائح، ولذلك كان تفكيك التصور مقدمة لتغيير السلوك، ومن هنا يلتقي سؤال الأحنف مع التوجيه القرآني الذي يعيد توجيه نظر الإنسان إلى وظيفة ما آتاه الله، كما في قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (القصص: 77)؛ فالمال ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة يستطيع الإنسان أن يوظفها في مصالح دنياه وآخرته.

وحين قال الرجل: «لي»، نقل الأحنف بن قيس الحوار من الملكية الظاهرة إلى الملكية الحقيقية، فبيّن أن المال الذي يبقى محبوسًا لا يؤدي وظيفته الكاملة، وأن الإنسان قد يظن نفسه مالكًا للمال بينما هو في الحقيقة قائم على حراسته فقط، وهذا المعنى يتسق مع التوجيه النبوي الشريف حين اشتد وجع النبي صلى الله عليه وسلم وعنده دنانير، فأمر بالتصدق بها وقال: «مَا ‌ظَنُّ ‌مُحَمَّدٍ ‌بِاللهِ ‌عَزَّ ‌وَجَلَّ ‌لَوْ ‌لَقِيَهُ، وَهَذِهِ عِنْدَهُ أَنْفِقِيهَا»(2)؛ تأكيدًا على أن الملكية الحقيقية النافعة تكون بإخراج المال في الأجر والأثر لا بحبسه.

وقد تجلى هذا الوعي بحدود الملكية لدى التابعين في موقف سالم بن عبد الله بن عمر حين قال للخليفة هشام بن عبدالملك في الكعبة: «ما سألت الدنيا ممن يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها»(3)؛ لتأصيل حقيقة الملكية المطلقة لله، وأن العبد لا يملك المادة ملكًا حقيقيًا مستقلًا، وبذلك تتحول الحيازة من مجرد امتلاك مادي إلى مسؤولية وحسن تصرف.

كيف يحوّل الحرص على الثروة صاحبه لأسير؟

تكشف كلمة الأحنف بن قيس عن جانب نفسي مهم؛ فالإنسان حين يجعل جمع المال غاية مستقلة قد ينتقل من موقع المتصرف إلى موقع الأسير، فينشغل بحماية ما جمعه، ويزداد خوفه من نقصه أو فقده، حتى يتحول المال من وسيلة لتحقيق مقاصد الحياة إلى غاية تستولي على اهتمامه، وقد حذّر القرآن من هذا الاستغراق حين قال تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ {1} حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر)؛ فالمشكلة ليست في وجود المال، وإنما في أن يتحول التنافس عليه إلى غاية تشغل الإنسان عما هو أبقى وأهم.

ومن هنا جاء التوجيه النبوي ليصحح تصور الإنسان لما يملك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟»(4)؛ فالحديث لا يدعو إلى ترك التملك، وإنما يصحح العلاقة به، مبينًا أن ما ينتفع به الإنسان حقيقة هو ما استعمله في حاجاته أو أنفقه فيما يبقى له أجره وأثره، أما ما يظل محبوسًا في يده فليس له منه في النهاية إلا تعلقه به.

وتتأكد هذه الحقيقة النفسية في موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، حين كثر المال عنده حتى قال: «المال الذي عندي قد كثر وأكربني»(5)، فلم يجد راحته إلا في قسمته حتى لم يبق منه درهم واحد، فالمشكلة هنا لم تكن في قلة المال، وإنما في تحوله من نعمة يُنتفع بها إلى ثقل يستقر في النفس؛ وحين أخرجه طلحة من يده زال عنه ما وجده من الكرب، وهكذا يكشف الموقف أن المال المحفوظ قد يفقد وظيفته حين يتحول الاحتفاظ به إلى مصدر للهم بدل أن يكون وسيلة للنفع.

ولا يقف الخطر عند مجرد كثرة المال، بل يتجاوزها إلى الحرص عليه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌مَا ‌ذِئْبَانِ ‌جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ أَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ، وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»(6)؛ فالمال في ذاته ليس موضع الذم، وإنما الخطر في الحرص الذي يجعل الإنسان أسيرًا له، ويزاحم في قلبه ما ينبغي أن يكون أعلى منه قيمة.

ويبلغ هذا المعنى ذروته حين ينتقل المال من كونه شيئًا يملكه الإنسان إلى كونه شيئًا يستعبده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «‌تَعِسَ ‌عَبْدُ ‌الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ»(7)؛ فالعبودية هنا ليست عبودية تملكٍ شرعي، وإنما عبودية تعلق تجعل رضا الإنسان وسخطه مرتبطين بما يحصل عليه من المال والمتاع، وهنا تتضح دلالة حكمة الأحنف: الخطر لا يكمن في أن يملك الإنسان المال، وإنما في أن يملك المالُ قلبَه، فيتحول من وسيلة ينتفع بها إلى قوة توجه مشاعره وسلوكه.

أثر الحوار والأسئلة في إعادة ترتيب الأولويات

من جوانب عبقرية الأحنف بن قيس أنه لم يحتج إلى خطاب طويل أو مجلس عام، بل استثمر موقفًا يوميًا بسيطًا ليزرع قاعدة فكرية تتعلق بحقيقة المال والملكية، وهذه إحدى سمات القادة المؤثرين؛ فهم لا ينتظرون الظروف المثالية للتربية، بل يحولون اللحظات العابرة إلى فرص لبناء الوعي، ويؤكد القرآن هذا المنهج في الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل: 125)؛ فالحكمة في التربية تقتضي اختيار الأسلوب الذي يناسب الموقف والمتلقي.

لقد مارس الأحنف بن قيس قيادة تربوية تقوم على السؤال والحوار، وهي طريقة تجعل الإنسان يشارك في اكتشاف المعنى بدلًا من تلقيه بصورة مجردة، فسؤاله: «لمن هذا؟» جعل الرجل يعلن تصوره للملكية بقوله: «لي»، ثم جاء التصحيح ليعيد بناء هذا المفهوم، موضحًا أن المال لا يكون للإنسان على الحقيقة إلا إذا أحسن توجيهه، وهذا الأسلوب يلتقي مع المنهج النبوي في استخدام السؤال لإثارة التفكير وإعادة بناء المفاهيم، كما في قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟»(8)، ثم بيّن لهم أن الإفلاس الحقيقي ليس فقدان المال، وإنما فقدان الحسنات، فالسؤال في الموقفين لم يكن غاية في ذاته، وإنما كان مدخلًا إلى تصحيح تصور سابق وبناء وعي أعمق.

ويتأكد هذا المنهج في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار حين وجد بعضهم في أنفسهم من قسمة غنائم «حنين»، فلم يكتف بإنهاء الاعتراض، بل جمعهم وحاورهم واستدعى ما بينهم وبينه من تاريخ، ثم قال: «أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟»(9)؛ فحوّل موقفًا عابرًا من الشعور بالغبن إلى إعادة ترتيب للأولويات والمعاني، وهكذا يظهر في موقف الأحنف والنموذج النبوي أن القيادة الواعية لا تقتصر على إصدار التوجيه، وإنما تستثمر الموقف في بناء الفهم وتصحيح التصورات، ليصبح أثر الموقف أبقى من أثر التوجيه العابر.

دور الإنفاق والإيثار في التنمية والتكافل الاجتماعي

لم يجعل الإسلام المال عدوًا للإنسان، بل جعله أداة للاستخلاف والإصلاح، ولذلك ارتبط الإنفاق في القرآن بمعاني الإيمان والتزكية، قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9)؛ وقد فسر السعدي وقاية الشح بأنها «تشمل بذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وربطها بالفلاح؛ بما يوضح أن تجاوز شح النفس جزء من صلاح الإنسان»(10).

فالمشكلة ليست في وجود المال، وإنما في الشح الذي يمنع المال من أداء وظيفته، فالمال حين يتحول إلى صدقة أو إعانة أو مشروع نافع يصبح سببًا في بناء المجتمع، أما حين يتجمد في دائرة الفرد فإنه يفقد جانبًا من حكمته الاجتماعية، ويجسد القرآن هذا المعنى في وصف الأنصار بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر: 9)؛ فالإيثار نقلٌ للمال من دائرة الحيازة الفردية إلى دائرة النفع الإنساني.

ومن هنا يظهر أن الإنفاق ليس مجرد خروج شيء من اليد، بل انتقال للمال من صورة جامدة إلى طاقة حية تصنع أثرًا، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»(11)؛ فالمال يبلغ غايته حين يتحول إلى عطاء نافع، وقد تمثل السلف هذا البر الاجتماعي، كما في موقف عروة بن الزبير رضي الله عنه الذي كان إذا كان أيام الرطب يثلم جدار بستانه ليأذن للناس بالدخول والأكل، ويتلو قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ ‌جَنَّتَكَ ‌قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) (الكهف: 39)(12)، محولًا الملكية الخاصة إلى طاقة نفع اجتماعي وعمراني.

وتتضح الصورة بصورة أوسع في موقف عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ إذ تحولت قدرته المالية إلى نفع عام حين اشترى بئر رومة، كما أسهم ماله في تجهيز جيش العسرة(13)، وهكذا لم تعد الثروة عنده مجرد حيازة خاصة، بل أصبحت وسيلة تخدم حاجة المجتمع.

لماذا يسبق الدرهم الواحد مائة ألف درهم؟

اختيار الدرهم في قصة الأحنف بن قيس يحمل دلالة تربوية عميقة؛ فالمشكلة ليست في كثرة المال أو قلته، وإنما في الفكرة التي يحملها الإنسان تجاهه، فمن لم يتعلم حسن التعامل مع القليل فلن يصلحه الكثير، وهذا المعنى يلتقي مع قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: 7)؛ إذ يقرر القرآن قيمة العمل مهما بدا صغيرًا في نظر الإنسان.

وتؤكد السُّنة أن قلة المال لا تعني بالضرورة قلة قيمته أو أثره؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ»(14)؛ فالعبرة ليست بحجم المبلغ وحده، وإنما بما يمثله في حياة صاحبه وبما يصاحبه من صدق وإخلاص.

كما يظهر الانضباط بالمنهج في أدق التفاصيل المالية في موقف النبي صلى الله عليه وسلم عقب قسمة غنائم «حنين»؛ إذ تَنَاوَلَ وَبَرَةً بَيْنَ أُنْمُلَتَيْهِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ مِنْ غَنَائِمِكُمْ، وَإِنَّهُ لَيْسَ لِي فِيهَا إِلَّا نَصِيبِي مَعَكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ.. ‌فَأَدُّوا ‌الْخَيْطَ ‌وَالْمَخِيطَ»(15)، ليرسخ قاعدة أن الأمانة والالتزام بالمنهج يتجليان في أصغر التفاصيل.

وقد استوعب علماء السلف هذا المنهج الدقيق في القليل والكثير، كما ظهر في موقف سعيد بن المسيب حين كان يماري غلامًا له في ثلثي درهم ضبطًا واستقامة للمنهج، في حين رفض أربعة آلاف درهم أتاه بها ابن عمه ورعًا وزهدًا(16)؛ فطريقة الإنسان في التعامل مع القليل تكشف مبكرًا عن المنهج الذي سيحكم تعامله مع الكثير.

حين يكون أثر الإنسان أهم من حجم ما يملك

في زمن أصبحت فيه قيمة الإنسان كثيرًا ما تُقاس بما يملك، تأتي كلمة الأحنف بن قيس لتعيد الميزان؛ ليست العبرة بما تجمعه فقط، بل بما تحوّله إلى خير وأثر، وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم الميزان الحضاري الحقيقي لقيمة الإنسان في خطبته يوم فتح مكة متلوًّا قوله تعالى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ.. النَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ»(17)؛ فمعيار الكرامة والتأثير يتجاوز الحيازة المادية والتكاثر إلى التقوى والعمل.

ويرتبط ذلك بالتوجيه النبوي الشريف المباشر في جعل معيار قيمة المرء مقترنًا بالنفع المتعدي: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»(18)؛ فمدار الفضيلة ليس على مجرد تجميع الموارد، بل على توجيهها في وجوه الحق والنفع.

وهذا المعنى يتجاوز المال إلى كل الموارد من علم وخبرة وقدرة؛ وهو ما تجسده وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد في المفاضلة بين الموارد المادية والمعنوية، إذ قال: «العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.. مات خُزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر»(19)؛ فالإنسان لا يُقاس بما تحت يده، وإنما بما يخرج من يده من نفع وإصلاح.

وختامًا: تكشف كلمة الأحنف بن قيس عن قاعدة إنسانية عميقة؛ أن الملك الحقيقي ليس في الحيازة، بل في حسن التصرف، فالمال الذي يحمله الإنسان في خزائنه قد يفارقه، أما المال الذي يحوله إلى نفع وأجر وأثر فيبقى شاهدًا له.

ويؤكد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ؛ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ»(20)؛ فالإنسان لا يصحبه بعد موته ما جمعه من مال، وإنما يبقى له من عمله ما امتد نفعه واستمر أثره.

ومن أبلغ ما في هذه الحكمة أنها لا تحارب الغنى، بل تحارب عبودية الغنى؛ فهي تدعو الإنسان أن يكون صاحب المال لا خادمًا له، وأن يجعل من النعمة طريقًا للبناء لا حاجزًا عن العطاء، وهذا يلتقي مع التوجيه النبوي الشريف الداعي إلى التحرر من الأسر المادي: «وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ»(21)؛ فالغنى الحقيقي لا يُقاس بمجرد كثرة ما يملكه الإنسان، وإنما بقدرته على أن يملك المال دون أن يستعبده المال، وأن يحوّل ما في يده إلى نفع يبقى أثره بعد رحيله.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 94).
  • 2 أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن (24222).
  • 3 رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (80).
  • 4 أخرجه مسلم (2958).
  • 5 الرياض النضرة في مناقب العشرة: محب الدين الطبري (4/ 261).
  • 6 أخرجه أحمد في مسنده بسند صحيح (15784).
  • 7 أخرجه البخاري (6435).
  • 8 أخرجه الترمذي في سننه (2418)، وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
  • 9 أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن (11730).
  • 10 تفسير السعدي (850) بتصرف.
  • 11 أخرجه البخاري (1427)، ومسلم (1034).
  • 12 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 108).
  • 13 أخرجه البخاري في باب مناقب عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَبِي عَمْرٍو الْقُرَشِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (5/ 13).
  • 14 أخرجه النسائي في السنن الكبرى (2318)، وحسنه الألباني.
  • 15 أخرجه أحمد في مسنده (22699)، وحسنه شعيب الأرناؤوط.
  • 16 سير السلف الصالحين: أبو القاسم الأصبهاني (3/ 779).
  • 17 أخرجه الترمذي في سننه (3270)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
  • 18 أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (1234)، وحسنه الألباني.
  • 19 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (1/ 79).
  • 20 أخرجه البخاري (6514)، ومسلم (2960).
  • 21 أخرجه البخاري واللفظ له (1469)، ومسلم (1053).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة