قيادة الخلاف قبل أن يتحول إلى فتنة

كيفية إدارة النزاع بالحكمة.. قراءة في موقف الأحنف بن ‏قيس

د. نصر حسن

23 أغسطس 2026

101

لوحة تاريخية أو مشهد تعبيري يصور الأحنف بن قيس وهو يحاور أطراف نزاع، في إشارة إلى الحكمة والإصلاح وتهدئة الخصومات.

أورد الذهبي بسنده عن هِشَام بن عُقْبَةَ، قَالَ: «شَهِدْتُ الأَحْنَفَ بنَ قَيْسٍ(1) وَقَدْ جَاءَ إِلَى قَوْمٍ فِي دَمٍ، فَتَكَلَّمَ فِيْهِ، وَقَالَ: احْتَكِمُوا، قَالُوا: نَحْتَكِمُ دِيَتَيْنِ، قَالَ: ذَاكَ لَكُم، فَلَمَّا سَكَتُوا، قَالَ: أَنَا أُعْطِيْكُم مَا سَأَلْتُم، فَاسْمَعُوا: إِنَّ اللهَ قَضَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِدِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ العَرَبَ تَعَاطَى بَيْنَهَا دِيَةً وَاحِدَةً، وَأَنْتُمُ اليَوْمَ تُطَالِبُونَ، وَأَخْشَى أَنْ تَكُونُوا غَدًا مَطْلُوبِينَ، فَلَا تَرْضَى النَّاسُ مِنْكُمْ إِلَّا بِمِثْلِ مَا سَنَنْتُم، قَالُوا: رُدَّهَا إِلَى دِيَةٍ»(2).

يمثل هذا الموقف صورة نادرة من صور القيادة التي لا تعتمد على قوة الصوت، ولا على سرعة الغضب، بل على عمق النظر في طبيعة الإنسان ومآلات الأفعال، فالأحنف بن قيس من أعلام الحلم في صدر الإسلام، وقد اشتهر برجاحة العقل، وسعة الصدر، والقدرة على احتواء المواقف التي تتجه إلى التصعيد، والنص هنا لا يعرض مجرد معالجة مالية لقضية دم، بل يكشف عن منهج متكامل في إطفاء الفتن، يقوم على فهم النفس البشرية، واستحضار الشرع، والنظر في عواقب القرارات قبل اتخاذها.

وهذا المعنى يتصل بأصل قرآني جامع في الإصلاح ومنع النزاع من الاستطالة، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات: 10)؛ فالإصلاح هنا ليس مجرد إنهاء مؤقت للنزاع، وإنما إعادة العلاقة إلى أصلها الذي يمنع امتداد الخصومة وتحولها إلى قطيعة أو ثأر متتابع، ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقف الأحنف بوصفه ممارسة عملية لمعنى الإصلاح، إذ لم يكتفِ بتهدئة اللحظة، وإنما سعى إلى منع ما قد يترتب عليها من آثار مستقبلية.

كيف أطفأ الأحنف بن قيس فتنة الدماء؟

لم يكن موقف الأحنف مجرد تدخل بعد وقوع المشكلة، بل كان محاولة لمنع تحول حادثة فردية إلى سلسلة من الثارات المتتابعة، ففي المجتمعات القبلية كانت قضايا الدماء من أكثر المواطن قابلية للاشتعال؛ لأن القضية لا تبقى عند حدود الشخص المعتدى عليه، بل تمتد إلى شعور الجماعة بالكرامة والانتصار، ولهذا كان منع التنازع من التمدد مقصدًا مهمًا في الخطاب الشرعي، قال تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46)؛ فالآية لا تقف عند النهي عن النزاع من حيث هو سلوك فردي، وإنما تكشف عن أثره في قوة الجماعة وتماسكها، وهو ما يجعل احتواء أسباب النزاع قبل اتساعها جزءًا من حفظ الاستقرار الاجتماعي.

ولهذا بدأ الأحنف بكلمة قصيرة تحمل معنى عميقًا: «احْتَكِمُوا»، فهو لم يدخل في مواجهة مباشرة مع أصحاب الدم، ولم يصف مطالبهم بالباطلة في بداية الحديث؛ لأن الإنسان إذا كان في ذروة الانفعال فإنه قد يرفض الحق لا لضعف حجته، بل لشعوره بأن قبولها هزيمة، وهنا تظهر حكمة التعامل مع النفس الإنسانية؛ فالقائد الناجح لا يبدأ دائمًا بتصحيح الخطأ، بل يبدأ بتهيئة النفس لقبول التصحيح، وقد تجلى هذا المنهج النبوي في حادثة إعادة بناء الكعبة، حين اختلفت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود وكادت الخصومة أن تتحول إلى قتال، فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط ثوبه ووضع الحجر فيه، ثم دعا رؤساء القبائل إلى أن يأخذ كل منهم بناحية منه ويرفعوه جميعًا، حتى وضعه بيده الشريفة في موضعه(3)؛ فحوّل بذلك موطن التنافس إلى مشاركة جماعية، وأطفأ أسباب الفتنة قبل أن تتحول إلى صراع.

وهكذا لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم معالجة النزاع منفصلة عن تهدئة النفوس، بل بدأ بإيقاف أسباب التصعيد وإعادة الهدوء إلى الموقف؛ وهو ما يجعل حسن المدخل إلى النفس جزءًا من نجاح المعالجة، لا أمرًا زائدًا عليها، ومن هنا يتضح أن الأحنف لم يبدأ بكسر إرادة خصومه، وإنما بدأ بفتح مساحة للحوار، حتى يصبح الانتقال من الانفعال إلى النظر ممكنًا.

تحويل نزاع الدية من الانفعال إلى المرجعية

بعد أن ترك لهم الأحنف مساحة التعبير عن مطلبهم، انتقل إلى بناء حجته على مرجعيات لا يمكن تجاوزها: حكم الله، وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم، وما استقر بين العرب من التعامل مع الدية، وهذا الأسلوب يكشف عن فقه عميق في الإقناع؛ فالجدل الناجح لا يقوم على مجرد الرغبة في الانتصار للرأي، بل على إعادة القضية إلى أصلها الذي يجتمع عليه الجميع، فحين قال: «إن الله قضى بدية واحدة، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية واحدة»، نقل النقاش من دائرة الرغبة والضغط القبلي إلى دائرة الحكم والميزان.

وهذا هو جوهر الاحتكام إلى المرجعية العليا في معالجة النزاع؛ فالميزان الشرعي لا يتغير بتغير مشاعر الخصومة أو شدة الانفعال، وإنما يظل حاكمًا على الموقف مهما كانت دوافعه، ومن أوضح الشواهد على ذلك موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين غضب من مسطح بن أثاثة لما خاض في حادثة الإفك، فقطع عنه النفقة، ثم لما نزل قول الله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور: 22)، قال: «بَلَى ‌وَاللهِ ‌إِنِّي ‌لَأُحِبُّ ‌أَنْ ‌يَغْفِرَ ‌اللهُ ‌لِي»(4)، ورجع إلى النفقة عليه.

ويكشف هذا الموقف أن الاحتكام إلى الشرع لا يقتصر على القضايا التي يكون فيها الإنسان محايدًا، بل يبلغ قيمته الحقيقية حين يتعارض الحكم الشرعي مع مقتضى الغضب الشخصي؛ فهنا يظهر سلطان المرجعية على الانفعال، ويتقدم حكم الله على الرغبة في الانتقام.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: 178)؛ فالآية تؤسس لمعالجة قضايا الدماء ضمن إطار منضبط، يجمع بين حفظ الحقوق ومنع تحول القصاص أو التعويض إلى باب من أبواب الظلم والمبالغة، ولذلك فإن استناد الأحنف إلى حكم الله وقضاء النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن إلغاءً لحق أصحاب الدم، وإنما كان ردًا لهذا الحق إلى الإطار الذي يضبطه ويمنع تجاوزه.

ومن هنا يظهر أن الأحنف لم يكن يطلب منهم التنازل عن حق، وإنما كان يعيد الحق إلى ميزانه؛ لأن العدالة لا تتحقق بتحقيق رغبة الغاضب، بل بوضع الأمور في مواضعها، وهكذا تحولت الحجة عند الأحنف من مجرد رأي شخصي إلى ميزان مشترك يمكن لأطراف النزاع أن يحتكموا إليه دون أن يشعر أحدهم بأن التراجع هزيمة أمام شخص آخر.

منطق الأحنف بن قيس.. القاعدة التي تضعها قد تحكمك

أقوى أجزاء خطاب الأحنف قوله: «وأخشى أن تكونوا غدًا مطلوبين، فلا ترضى الناس منكم إلا بمثل ما سننتم».

هذه الجملة القصيرة تحمل بناءً نفسيًا بالغ التأثير؛ فقد نقلهم من التفكير في لحظة القوة الحالية إلى التفكير في احتمال تغير الموقف مستقبلًا، فالإنسان قد يقبل لنفسه ما يرفضه على غيره، وقد يرى المصلحة كاملة حين تكون في جانبه، لكنه يعيد حساباته حين يتخيل نفسه في الطرف الآخر، ولهذا كان استحضار المستقبل في خطاب الأحنف وسيلة لإعادة ترتيب الموقف أخلاقيًا وعقليًا، إذ لم يناقشهم في مجرد مقدار الدية، وإنما جعلهم يتأملون في القاعدة التي سيؤسسها تصرفهم، وهل يقبلون أن تتحول هذه القاعدة نفسها إلى معيار يحكمهم إذا تبدلت مواقع الأطراف.

لقد استخدم الأحنف هنا مبدأ من أعظم مبادئ الحكمة الاجتماعية؛ أن القاعدة التي تضعها على غيرك اليوم قد تعود لتحكمك غدًا، وهذا المعنى حاضر في مختلف مجالات الحياة؛

  • فالمؤسسة التي تضع نظامًا جائرًا على موظفيها قد تجد نفسها يومًا محتاجة إلى عدالة هذا النظام.
  • والمجتمع الذي يطبع المبالغة في الخصومات قد يتحول أفراده إلى ضحايا لها.

ومن هنا يلتقي هذا التفكير مع ضرورة أن ينظر الإنسان إلى أثر القاعدة التي يقررها، لا إلى فائدتها العاجلة وحدها، وقد عبّر أبو حازم سلمة بن دينار عن قيمة النظر في العاقبة حين سأل سليمان بن عبد الملك عن سبب كراهية الموت، فنقله من النظر إلى حاضر الدنيا إلى مآلها، قائلاً: «لأنكم ‌خربتم ‌آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب»، فبكى سليمان وأعاد حساباته(5)، ويكشف هذا الموقف عن أن استحضار المآل لا يغيّر القرار فحسب، بل يعيد ترتيب الأولويات التي يُبنى عليها القرار من أساسها.

ولهذا كان من فقه الحكماء أن ينظروا إلى آثار القرار لا إلى لذة الانتصار اللحظي، وقد عبّر الأحنف عن هذا المنهج في الخصومة بقوله: «ما نازعني أحد إلا أخذت أمري بأمور؛ إن كان فوقي عرفت له، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه»(6)؛ فهذه الكلمات تكشف أن إدارة النزاع عنده لم تكن استجابة تلقائية لدافع الانتصار، وإنما كانت قائمة على تقدير موقع الخصومة، وضبط رد الفعل، والنظر في الطريقة التي تحفظ المصلحة وتمنع تحول النزاع إلى عداوة مستدامة.

كيف يحرر ضبط الانفعال القرار من الانتقام؟

ارتبط اسم الأحنف بالحلم، والحلم في التراث العربي والإسلامي لم يكن بمعنى العجز أو قلة الحيلة، بل كان قدرة على امتلاك النفس عند دواعي الغضب، وقد جاء في الحديث الصحيح: «‌لَيْسَ ‌الشَّدِيدُ ‌بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»(7)؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم أعاد تعريف القوة من القدرة على غلبة الآخرين إلى القدرة على السيطرة على النفس في لحظة الغضب.

وهذا المعنى يفسر جانبًا أصيلًا من شخصية الأحنف؛ فقد روي عنه قوله: «إني لست بحليم، ولكني أتحالم»(8)، وهي عبارة ذات دلالة عميقة؛ لأنها تجعل الحلم فعلًا مقصودًا ومجاهدة للنفس، لا مجرد حالة انفعالية تلقائية، فالحلم عند الأحنف لم يكن غياب الغضب، وإنما كان القدرة على ألا يتحول الغضب إلى قرار أو سلوك.

كما يلتقي هذا المعنى مع وصف القرآن للمتقين بقوله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)؛ فكظم الغيظ هنا ليس غياب القدرة على الرد، وإنما قدرة على التحكم في الاستجابة حين يكون الانفعال حاضرًا، ويجسد ذلك موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي جذبه من ردائه جذبة شديدة أثرت في حاشية عاتقه، ثم طالبه بالعطاء، فلم يدفعه ما صدر منه إلى الغضب أو العقوبة، بل قابله بالحلم وأمر له بعطاء(9).

فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيقاع بالآخرين، وإنما في القدرة على منع النفس من الانقياد للاندفاع، وهذا ما فعله الأحنف؛ فقد كان منهجه في هذه الرواية قائمًا على عدم مجاراة الموقف في اتجاه التصعيد، بل على ضبط الانفعال وتوجيه الإرادة نحو العدل.

وفي واقع الناس اليوم، تظهر الحاجة إلى هذا النوع من الحلم في الأسرة والعمل والمجتمع والإعلام؛ فكثير من النزاعات لا تستمر بسبب غياب الحلول، وإنما بسبب غياب من يستطيع تهدئة النفوس قبل عرض الحلول، ولهذا فإن الحلم لا يعني الانسحاب من الموقف، وإنما يعني القدرة على الدخول فيه دون أن يصبح الغضب هو الذي يحدد اتجاهه، فالحلم قوة تحرر القرار من ضغط الانفعال، وتمنح صاحبه القدرة على اختيار ما يحقق المصلحة بدل ما يحقق لذة الانتقام الآني.

صناعة القرار الاجتماعي عبر الاقتناع لا القهر

لم يعتمد الأحنف على مكانته الاجتماعية وحدها، بل بنى تأثيره على الثقة التي اكتسبها بالحكمة، ففي لحظة الأزمة لم يقدم نفسه باعتباره صاحب سلطة، بل باعتباره صاحب نظر، وهذا النمط من التأثير يتفق مع المنهج القرآني الذي يجعل الحكمة وحسن المجادلة من وسائل التأثير، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125).

ومن سمات القيادة الرشيدة أنها لا تجعل الناس يطيعون خوفًا، بل تجعلهم يقتنعون، فالقرار الذي يُفرض بالقوة قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، أما القرار الذي يصل إليه الناس بعد اقتناع فإنه يتحول إلى ثقافة مستقرة، وهذا المعنى يظهر في موقف الأحنف نفسه؛ فقد بدأ بإتاحة المجال لهم فقال: «ذاك لكم»، ثم لما سكتوا عرض عليهم حجته، وانتهى الأمر إلى استجابتهم وقولهم: «رُدَّهَا إلى دية»، فالتسلسل الذي حفظته الرواية يكشف أن التأثير لم يكن قائمًا على الإكراه، وإنما على إعادة بناء طريقة النظر إلى القضية، ويؤكد هذا المنهج موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنصار يوم الجعرانة بعد قسمة الغنائم(10)، إذ لم يعتمد في معالجة ما وجدوه في نفوسهم على سلطته، وإنما جمعهم وخاطبهم بالبيان والإقناع حتى رضوا بقسمته؛ وهو نموذج للقيادة التي تستميل النفوس بالحجة وحسن الخطاب، لا بالهيمنة والإجبار.

ومثلما قاد البيان والإقناع الأنصار إلى الرضا، قاد خطاب الأحنف القوم إلى مراجعة موقفهم والاستجابة لما بيّنه لهم؛ وهذا يفسر استجابتهم في نهاية الموقف حين قالوا: «رُدَّهَا إلى دية»، فلم يكن التراجع منهم نتيجة قهر، وإنما نتيجة تغير زاوية النظر؛ إذ استطاع الأحنف أن يجعلهم ينظرون إلى القضية من زاوية الشرع، ثم من زاوية العاقبة، حتى أصبح الرجوع إلى الدية الواحدة نتيجة منطقية للمراجعة التي قادت إليها حجته، وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تقنع الإنسان بالقرار بدل أن تجبره عليه؛ لأن الاقتناع يجعل القرار أكثر قابلية للاستمرار وأقل عرضة لإعادة إنتاج النزاع.

أهمية معالجة الأزمات بما يضمن منع تكرارها

تكشف قصة الأحنف أن معالجة النزاعات ليست مجرد مهارة تفاوضية، بل هي جزء من بناء الحضارة، فالمجتمعات لا تنهض بكثرة القوة فقط، وإنما بوجود عقول تمنع القوة من التحول إلى فوضى، ومن أبلغ ما يبين هذا المعنى قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179)؛ فالقصاص في المنظور القرآني ليس بابًا لاستدامة الانتقام، وإنما تشريع يحقق الحياة من خلال ضبط العدوان وإيقاف دورة الثأر.

وفي عالمنا المعاصر، يمكن استحضار هذا المنهج في إدارة الخلافات الأسرية، والنزاعات المهنية، والأزمات الاجتماعية؛ فالمطلوب ليس دائمًا أن ينتصر طرف على طرف، بل أن يُعاد بناء العلاقة على أساس يمنع تكرار الأزمة، وهذا المعنى يجد أصله في الأمر القرآني بالإصلاح: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: 10)؛ فالإصلاح ليس مجرد تسوية مؤقتة، وإنما وسيلة لحفظ الجماعة من استمرار أسباب النزاع.

وقد عظّم النبي صلى الله عليه وسلم شأن هذا الإصلاح فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ؟»، قَالُوا: بَلَى قَالَ: «‌إِصْلَاحُ ‌ذَاتِ ‌الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ»(11)؛ فالإصلاح هنا لا يعالج أثر الخصومة فحسب، وإنما يحفظ الجماعة من الأثر الممتد للنزاع حين يتحول إلى قطيعة وعداوة واستنزاف مستمر.

ومن هذه الزاوية يتجاوز موقف الأحنف حدود القضية التي تدخل فيها؛ فقد منع أن تتحول مطالبة بالدية إلى قاعدة جديدة تفتح بابًا للمبالغة في الدماء، وحال دون أن تتحول الواقعة الفردية إلى نموذج قابل للتكرار، ويؤكد هذا الانتقال من معالجة الحادثة إلى تأسيس القاعدة ما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حين أبطل دماء الجاهلية وثاراتها، وبدأ بدم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب(12)، ليضع حدًا لامتداد الثأر ويؤسس قاعدة عامة لحفظ الدماء واستقرار المجتمع.

وهنا تتجلى القيادة الاجتماعية في أرفع صورها؛ أن تعالج الحادثة الحاضرة بطريقة تمنع إنتاج حوادث مشابهة في المستقبل.

وختامًا، تكشف حكمةُ الأحنفِ بنِ قيسٍ عن جملةٍ من أبرزِ الدروسِ المستفادةِ، من أهمِّها:

1- تهدئة النفوس قبل معالجة النزاع.

2- الاحتكام إلى الشرع عند اختلاف الأهواء.

3- ضبط الغضب وتقديم العقل على الانفعال.

4- النظر في العواقب قبل اتخاذ القرار.

5- الإقناع بالحجة وتغيير زاوية النظر بدل فرض الرأي.

6- الحلم قوة تحفظ الحق وتمنع التصعيد.

7- تقديم المصلحة العامة على الانتصار اللحظي.

8- تحويل معالجة النزاع إلى قاعدة تحفظ الجماعة وتمنع تكراره.

الهوامش
  • 1 الأحنف بن قيس ابن معاوية بن حصين، أبو بحر التميمي، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل، اسمه ضحاك، وقيل: صخر، واشتهر بالأحنف لحنف رجليه، وهو العوج والميل، كان سيد تميم، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ووفد على عمر، وكان من قواد جيش علي يوم صفين، وافتتح مرو الروذ، واختلف في سنة وفاته، فقيل: سنة سبع وستين، وقيل: توفي سنة إحدى وسبعين، وقال جماعة: مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق، سير أعلام النبلاء: للذهبي، (4/ 86-96).
  • 2 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 93).
  • 3 السير والمغازي: ابن إسحاق (109).
  • 4 متفق عليه؛ أخرجه البخاري واللفظ له، (4141)، ومسلم (2770).
  • 5 إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي (2/ 147).
  • 6 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 92).
  • 7 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له، (6114)، ومسلم (2609).
  • 8 الطبقات الكبرى: ابن سعد (9/ 94).
  • 9 متفق عليه، أخرجه البخاري (3149)، ومسلم (1057).
  • 10 أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن (11730).
  • 11 أخرجه أحمد في مسنده بسند صحيح (27508).
  • 12 أخرجه مسلم (1218).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة