مؤسسات العمل الإنساني وعمارة الأرض.. حين يتحول العطاء إلى تمكين

د. خالد بيود

31 أغسطس 2026

170

مؤسسات العمل الإنساني وعمارة الأرض.. حين يتحول العطاء إلى تمكين

إن من مقاصد تحقيق المنهج القرآني عمارة الأرض والمساهمة في تأسيس المجتمع المسلم الصالح النافع لأمته، من خلال توفير البيئة الخصبة الملائمة لنمو هذا الدور على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، فقد أدت مؤسسات العمل الإنساني دوراً فاعلاً في التدبير المالي الإسلامي، قائماً على التوازن بين الإلزام والتطوع، بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد، وحتى يكون هذا الدور مُسهماً في مسيرة الحضارة والعمران.

تعتبر عمارة الأرض المصطلح الشرعي الذي يرادفه حديثاً مصطلح التنمية المستدامة؛ لأن مصطلح العمارة والتعمير يفيد الدوام والاستمرار، ولأن أمر الشارع الحكيم بالتعمير ليس خاصاً وإنما عام في الأفراد، وعام كذلك في الأزمان لكل من يتوجه إليه الخطاب في كل زمان.

يكمن دور مؤسسات العمل الإنساني في الاستثمار في الإنسان، واستخدام جميع الفرص المتاحة المادية والمعنوية، لتحقيق النفع وبلوغ الكفاية وإحاطته بالمصالح، حتى يحقق مقصد العمران والخلافة في الأرض وإصلاحها، استجابةً للأمر القرآني، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ) (الأنعام: 165).

يقول علال الفاسي: «المقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها وصلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل وإصلاح في الأرض، واستنباط لخبراتها وتدبير لمنافع الجميع».

لا تنتظم حياة البشر وعمارة الأرض إلا بالسند المالي الدائم؛ كسباً وتملكاً وإنفاقا في أوجه الخير وتنمية مستمرة على مستوى الحاجات الأساسية، ومستوى زيادة الإنتاج وترقية الكيان الإنساني، ومن منظور بعض الاقتصاديين الذين تكلموا عن التنمية من منطلقات إسلامية، فقد وصفوها بأنها: «تحقيق الإنسان درجات متزايدة من السيطرة على الموارد المتاحة في الكون، والتي سخرها الله سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان، وذلك لتحقيق تمام الكفاية»، التي بها تتحقق عمارة الأرض بتحقيق التقدم الاقتصادي، والاستغلال العادل للموارد المتاحة، من أجل الوصول بالمستويات الإنتاجية والتوزيعية إلى مستوى الكفاية لكل فرد في المجتمع الإسلامي دون استثناء.

أنعم الله على الإنسان بالعقل الذي يتيح له سبل إيجاد أفضل الوسائل في تحقيق المصالح وإقامة العمران، واستخلفه في هذه الأرض ليعمرها، ومكنه من التصرف فيها، ويسر له سبل الوصول إلى خيراتها، ومن هذا المنطلق يبرز دور مؤسسات العمل الإنساني في عصرنا الحاضر وأثرها في تحقيق هذا المقصد، ويتجلى ذلك من خلال:

1- المشاريع التنموية: تمثل التنمية في المنظور الإسلامي وسيلة لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهيته في الدنيا والآخرة، إذ إن الإنسان غاية جميع ما في الطبيعة وكل ما فيها مسخر له.

ويتحقق ذلك من خلال دفع الحاجة الدائمة عن الناس، والحرص على توفير ظروف ملائمة للعيش بمحاربة الفقر والمرض والجهل والتخلف، وفي المقابل إنشاء المشاريع التنموية التي تُعنى بالمال والصحة والتعليم والفكر.

قال ابن عاشور: «المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمَن عليه، وهو نوع الإنسان».

2- الإغاثة العاجلة: من المهام الأساسية لعدد معتبر من المؤسسات الإنسانية التخصص في الإغاثة والاستجابة العاجلة لما يحل بالناس من كوارث ومصائب طبيعية أو طارئة، وما يلحقهم من ضرر في الأموال والأبدان والممتلكات، فلحفظ مصالحهم ودرء المفاسد عنهم تضع المؤسسات خطط استجابة عاجلة وتُطلق مشاريع إغاثية تحفظ للناس كرامتهم وتعيد تنشيط حياتهم.

يقول العز بن عبدالسلام: «وللمصالح تتعلق بالقلوب والحواس والأعضاء والأبدان والأموال والأماكن والأزمان والذمم والأعيان».

3- خطط التعافي السريع: من القيم الإنسانية قيام المؤسسات الخيرية على مبادئ العدل والسلام والإخاء، ومد يد العون للفقير والمحتاج، وعلاج المريض والمصاب، وإيواء المشرد والمحروم، وإدخال السرور على الحزين، وتفريج كرب المهموم، ومؤانسة الأرملة واليتيم، وإرشاد الضال، وتعليم الأمي ورفع الجهل وتنمية الوعي، كل ذلك من خلال خطط تعاف سريعة جاهزة للتدخل وقت الأزمات، تحقيقا للقاعدة الشرعية الكلية وهي جلب المصالح ودرء المفاسد.

4- حفظ الموارد المتاحة: تتمثل في العناية بكل الوسائل التي يمكن من خلالها العمل على دعم التنمية والمشاريع الزراعية والصناعية والاقتصادية، والتعليمية، والدعوة إلى إحياء البيئة وتخصيص مؤسسات وجمعيات كفيلة بسد الثغر في هذا المجال، بعملها المتواصل مع المجتمع المدني حتى تساند الجهات الحكومية في التوعية والمتابعة، والحرص على بث الروح التطوعية في حفظ الموارد.

5- الاستثمار في الموارد البشرية: يقوم على الاستثمار في رأس المال البشري من خلال البرامج التعليمية والتكوينية التي تُعنى بتطوير الإنسان وتحسين قدراته وتجويد أدائه، وتحميله المسؤولية تجاه مجتمعه، حتى يكون أداة فاعلة في الإعمار، ومدركا للتكليف الشرعي في جلب المصالح التي من شأنها تحقيق الخير والنفع والتنمية العقلية والمعرفية.

ويبرز دور العمل الإنساني في تعزيز التنمية المستدامة، من خلال الانتقال من منطق العطاء إلى منطق التمكين، يستلزم ذلك الخطوات التالية:

أ- فهم عميق لاحتياجات المستفيدين اجتماعيًا واقتصاديًا، لتحقيق العدالة وتصميم حلول متخصصة تبني نهجا متكاملا للاستدامة يحقق أثر ممتد على المدى البعيد.

ب- تقوم المشاريع التنموية على تمكين المجتمعات بمختلف مستوياتها، من خلال إطلاق مشاريع التأهيل وبناء القدرات للأفراد، وتيسير حصولهم على فرص العمل أو دعم مشاريعهم الخاصة؛ ما يُسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتقليل الاعتماد على الدعم المالي المباشر الذي ينتهي أثره بانتهاء صرفه.

جـ- تقديم خدمات متوازنة وشاملة لتعزيز التنوع في دور المؤسسات الإنسانية، وإيجاد رؤية عمل وبيئة ملائمة للاستدامة، بما يُسهم في تلبية احتياجات المجتمع بصورة أكثر فاعلية.

د- العمل على تحويل المستفيد من متلق مباشر إلى شريك فاعل في التنمية، بما يضمن مشاركتهم المستدامة في جهود التنمية، ويُرسخ فيهم روح الاستقلالية على المدى البعيد، من خلال بناء القدرات الاقتصادية وتعزيز المكانة الاجتماعية.

هـ- حرصًا على إتاحة فرص الدعم على المدى الطويل، تتجه مؤسسات العمل الإنساني إلى تبني مشاريع تمكين قائمة على إنشاء صناديق استدامة، تتولى تمويل المبادرات والمشاريع الاقتصادية للمستفيدين عبر تقديم دعم مالي يُمكنهم من تأسيس مشاريعهم الخاصة. ويُشترط في هذا الدعم أن يُعاد رأس المال الممنوح إلى صندوق الاستدامة وفق آلية تقسيط عادلة ومُيسرة، بما يضمن ديمومة المورد وإتاحة الفرصة لغيرهم من المستفيدين للانتفاع به في إطلاق مشاريع جديدة.

يتمحور دور مؤسسات العمل الإنساني على المصالح أينما كانت، فإنه من تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فَهم نفس الشرع يوجب ذلك.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة