اليوم العالمي للغة العربية..

«العربية».. اللغة الصامدة

ليست اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن الذات، والتواصل بين الأحياء، بل هي وعاء للمخزون الثقافي، ووصلة بين الذات والتاريخ، ودلالة على الهوية والخصوصية الحضارية للأمة، ورابطة بين الناطقين بها تميزهم عمن سواهم، وعامل توحيد موثوق بين أهلها، وتكتسب اللغة العربية في الحالة الإسلامية قداسة لا تنازع بشأنها، فهي لغة القرآن الكريم، الذي أُمِر المسلمون بتلاوته بها، والصلاة بها.

تيار التغريب ودعاوى التيسير

غير أن تيار التغريب الذي نشط منذ بدايات القرن التاسع عشر كان ينظر بامتعاض إلى هذه اللغة، بعدما أشرب من الغرب تمجيد لغاته، والنظر إليها على أنها وحدها الجديرة بالتعبير عن العلوم الحاضرة، والآداب الزاهرة، وقد تتابعت بعد ذلك وسائل الهجوم على اللغة العربية، تحت دعاوى متعددة منها تيسير اللغة، حيث زعموا صعوبة نحوها وصرفها، وغرابة كثير من مفرداتها، ومجاز أساليبها.

«العربية».. حصن الهوية في مواجهة مؤامرات التغريب ومشاريع اللاتينية

فدعا أحمد لطفي السيد (ت 1963م) وهو في مكانته العالية بين مثقفي عصره، وكان يلقب بـ«أستاذ الجيل»! إلى تسكين حروف الهجاء، وإهمال تشكيل أواخر الكلمات، وفك الإدغام، واستعمال الكلمات الأجنبية في اللغة العربية، بعدما كثر استعمالها في اللهجات العامية، وإطلاق حرية الكاتب والأديب في الإبداع في اللغة؛ ألفاظاً وأساليب. (أعلام وأقزام في ميزان الإسلام (1/ 122)، سيد العفاني).

الدعوة إلى العامية.. جذورها الاستشراقية وامتداداتها العربية

واتخذوا من دعواهم ستاراً للدعوة إلى العامية بديلاً للفصحى في التعبير الأدبي، والتواصل الاجتماعي، وهي دعوة قديمة، بدأها د. ولهلم سبيتا في كتابه «قواعد اللغة العربية العامية في مصر» (صدر عام 1880م)، ثم تنامت عناية الأوروبيين باللهجات العامية العربية، فأصبحت جزءاً من المقررات العلمية في بعض المدارس والجامعات، ومادة للبحث والتأليف لدى عدد من المستشرقين ومنهم الفرنسي لويس ماسينيون، والألماني كارل فولرس في كتابه «اللهجة العربية الحديثة».

من دنلوب إلى أتاتورك.. كيف نجا الحرف العربي من مقصلة الإلغاء؟

وقد ندد فولرس في نهاية مقدمته للكتاب بجمود العربية الفصحى، وشبه العلاقة التي بينها وبين اللهجة المصرية العامية بالعلاقة التي بين اللاتينية الكلاسيكية، والإيطالية الحديثة.

وكذا المستشرق الإنجليزي سلمون ولمور الذي أصدر كتابه «العربية المحلية في مصر» عام 1901م، والمستشرق الإنجليزي وليم ولكوكس الذي نشر مقالاً بعنوان «لِمَ توجد قوة الاختراع لدى المصريين إلى الآن؟»، وأكد أن سبب ذلك تشبُّثهم بالعربية الفصحى.

ولقد سار بعضُ الكُتَّاب العرب على سنن هؤلاء، ومنهم إسكندر معلوف الذي كتب في مجلة «الهلال» (15 مارس 1902م) مقالاً بعنوان «اللغة الفصحى واللغة العامية»؛ حيث رأى أن سبب تخلف العرب عن الغرب التمسك بالفصحى! ودعا أحمد لطفي السيد، في عام 1912م، إلى تمصير اللغة الفصحى، وشاركه سلامة موسى، ولويس عوض. (أعلام وأقزام في ميزان الإسلام، 1/ 207).

مشروع استبدال الحرف اللاتيني بالعربي

كما ظهرت الدعوة إلى استبدال الحرف اللاتيني بالحرف العربي، ومن أبرز من أثارها ولهلم سبيتا في كتابه السابق، حيث ضج بالشكوى من صعوبة اللغة العربية، واقترح لحلها استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وقام فعلاً بوضع طريقة الكتابة بالحروف اللاتينية، طبقها في كتابة النصوص العامية التي مثَّل لها في كتابه.

ودعا عبدالعزيز باشا فهمي (ت 1951م) -وهو أحد زعماء الوفد المصري، وقاض ووزير للعدل، وعضو بمجمع اللغة العربية- إلى استبدال الأحرف اللاتينية بالأحرف العربية وتشكيلها، وألَّف كتابه «الحروف اللاتينية لكتابة العربية» (صدرت طبعته الأولى عام 1944م)، وعبر فيه عن رأيه في الانتقال إلى الحرف اللاتيني دون المساس بقواعد اللغة وأسلوب نطقها الصحيح. (الحروف العربية لكتابة اللاتينية، ص 17)، وقدم مشروعاً متكاملاً بذلك، في اجتماع مجمع اللغة العربية في القاهرة، في 3 مايو 1943م، ولقي معارضة شديدة من معظم أعضاء المجمع. (تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر (208-2)، نفوسة زكريا سعيد).

التجربة الأتاتوركية والصدى الإيراني

ولا ريب أن تلك الجرأة التي اتسمت بها هذه الدعوة إنما اكتسبت قوتها من فعل مصطفى كمال أتاتورك بإلغاء الكتابة بالأحرف العربية، واستبدال الأحرف اللاتينية بها، ونفذ ذلك بكل عزم وصلابة، بالرغم مما لقيه من معارضة، تم العصف بها؛ إذ بلغ تعلق الأتراك بالكتابة بالأحرف العربية أن كانت الكتابة -وليست اللغة– العلامة الواضحة والمميزة بين المسلم والكافر. (ظهور تركيا الحديثة، ص509، برنارد لويس، ترجمة: قاسم عبده قاسم، وسامية محمد).

أستاذ الجيل ورسم القرآن.. قراءة في فخاخ التيسير ودعوات العامية الهدامة

وفي إيران، ظهرت الدعوات إلى إلغاء الحروف العربية التي تكتب بها الفارسية، واستبدال الأحرف اللاتينية بها في أثناء حكم رضا بهلوي، وباءت هذه المحاولات بالفشل بعدما واجهتها مقاومة عنيفة.

موقف عبدالعزيز فهمي من التراث ورسم القرآن

وما ارعوى الداعون إلى ذلك بحصاد التجربة الأتاتوركية في بلادها، إذ انقطع ما بين أهلها وتراثهم الإسلامي، وما بينهم وبين الحرف العربي الذي أنسوا الكتابة به، وقد قارب بينهم وبين لغة القرآن كثرة ما بالتركية من مفردات العربية.

وها هو ذا عبدالعزيز فهمي يرد على من رفض دعوته إلى الحرف اللاتيني لما سيقطعه من سياق ثقافي متواصل مع التراث، ويرى أن علاج الأمر ميسور بترجمة ذلك التراث إلى نهج الكتابة الجديدة، ويقول: «إذن لا تسمع لمن يَفتنك بقالة الانقطاع عن آثار السلف في العلوم والفنون؛ فإن تلك الآثار أصبحت -بالقياس إلى ما عند الأوروبيين- سراباً موهماً إذا جئته لم تجده شيئاً، ووجدت الحقيقة المرة تصدمك وتردك خائراً إلى الصواب». (عبدالعزيز فهمي، مرجع سابق، ص29).

ولا قلل من حماستهم خوف هجران القرآن العربي، فها هو ذا يقول: «لست مكلَّفاً باحترام رسم القرآن، ولست ألغي عقلي لمجرد أن بعض الناس أو كلهم يريدون إلغاء عقولهم، ولا يُميِّزون بين القرآن العظيم، كلام الله القديم، ورسمه السخيف الذي هو من وضع الوثنيِّين القاصرين» (عبدالعزيز فهمي، مرجع سابق، ص31).

أساليب الاحتلال في حصار اللغة.. مصر والجزائر نموذجين

وقد تكثفت جهود الاحتلال الغربي لإضعاف اللغة العربية وتهميشها في كل مجالات الحياة الثقافية والتعليمية؛ ففي مصر استهدف الإنجليز توطين الإنجليزية خاصة، واللغات الأجنبية عامة، وتهميش العربية، وجاء تعيين القس المُنَصِّر دوجلاس دنلوب مستشاراً لوزارة المعارف المصرية فاتحة أولية لتغريب التعليم وتنحية اللغة.

وقد اتُّبعت أساليب خبيثة لحصار اللغة العربية وتهميشها في العملية التعليمة ذاتها، منها زيادة عدد ساعات تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس على حساب اللغة العربية.

العربية والجزائر.. ملحمة الصمود ضد «الفرْنَسة» وحرب الاستعمار على لغة «الضاد»

وما جرى في مصر جرى أسوأ منه في أقطار أخرى، من أهمها ما حدث في الجزائر، حيث استهدف الاستعمار الفرنسي فَرنَسَة الجزائر، بجعلها جزءاً من فرنسا؛ فأعلن الحرب على هويتها العربية والإسلامية بلا هوادة، وحارب اللغة العربية حيث كانت، وفرض الفرنسية، وحارب الكتاتيب والمساجد، على ما هو مشهور.

وهكذا، فإن معركة العربية لم تكن لغوية فحسب، بل كانت صراعاً وجودياً على الهوية، ورغم شراسة محاولات التغريب، ومشاريع اللاتينية، وضغوط الاستعمار، ظلت الفصحى صامدة بقداسة نصها القرآني، لتثبت أن لغة استودعها الله كتابه لا تقوى عليها معاول الهدم ولا رياح التغريب.



اقرأ أيضاً:

اللغة.. الحارس الأمين للهوية والتراث

«العربية» في المؤسسات الأكاديمية.. تشخيص الواقع ومفاتيح النهوض

دُرَّة الغواص.. اللغة العربية في عيون الشعراء

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة