إن له لحلاوة.. سطوة القرآن
سطوة القرآن..
كنت
أسير ذات يوم في شوارع القاهرة، متجهاً إلى أحد مواقف السيارات، عازماً على السفر،
وقد حاصرني ضجيج السيارات الذي كاد أن يخطف سمعي، وصخب المارَّة الذي يُبعثر
السكينة في داخلي، وحرارة الصيف اللاهبة التي تخنق الأنفاس، وتثقل الخُطى.
وما إن وصلت إلى
الحافلة وأخذت مقعدي؛ ألقيت برأسي إلى الخلف، وأرخيت جفني، أرجو أن أغوص في غفوة
أختلس بها بعض الوقت للراحة، هروباً من وعثاء السفر ومشقته، ومن عناء الطريق
وطوله.
وما هي إلا
لحظات إلا وتحركت السيارة، ومَـدَّ السائق يده إلى جهاز التسجيل (الكاسيت) فضغط
زِرَّه، فانبعث الصوت من أرجاء الحافلة هادئاً مهيباً يعلوه الهيبة والوقار، وإذا
بآيات من كتاب الله تنبعث وتتهادى إلى الأسماع بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي،
وكانت التلاوة من أنوار سورة «الروم».
وأخذ القارئ
يتلو الآية إثر الآية، فينساب صوته بالحروف انسياب الماء بين الرياض النضرة،
ويتغنى بكتاب الله غناء من ذاق حلاوته، وعرف قدره، فأصبح الحرف في فمه حياة
للقلوب، والكلمة في صوته من عذب النداء.
وما إن بلغت
الآيات مسامعي؛ حتى حدث في داخلي ما لم يكن في الحسبان، بدأ القلب يهتز بعد سكون،
وطرب الفؤاد بعد فتور، وأصغَى العقل بعدما كان شارداً، وخشع الجسد بعما أثقلته
مشقة السفر وطول الطريق، فكأنما انشق عن صدري باب إلى عالم آخر؛ عالم لا ضجيج فيه
إلا ذكر الله، وطار النوم من عيني بعد أن كنت أطلبه.
وشعرت بقشعريرة
تسري في جسدي، وكأن الآيات لم تكن تمر على أذني فحسب، بل كانت تنزل إلى أعماقي؛
توقظ ما غفا من روحي، وتستنهض ما خمد من عزيمتي، أما النوم، فقد فارقني كأنما لم
يعرف إليَّ سبيلاً.
وبينما كانت
القاهرة تضجّ من حولي بأصواتها وزحامها وصخبها، كان في داخلي صوت آخر يعلو فوق كل
صوت؛ إنه صوت القرآن؛ ذلك الصوت الذي لا يحتاج إلى ضجيج ليُسمع، ولا إلى ألوان
ليؤثِـر، لأنه إذا بلغ القلب ولامس الروح، أحياها، ويا للعجب من كتاب تتلى آياته
في حافلة تمضي بين زحام وصخب وضوضاء، فإذا بالمدينة كلها من حولي تنبض بالحياة،
وإذا بقلبي قد وُلِدَ من جديد!
وما أن انتهى
القارئ من تلاوته حتى شعرت بشيء في أعماقي ينتفض؛ كأن القلب لم يَعُد قادراً على
الصمت، وأن الكلمات التي سمعتها للتو قد تجاوزت الأذن، واخترقت الطريق إلى القلب،
فإذا بي أسمع قلبي يصرخ من الداخل: «إنَّ له لحَلاوة»؛ أيّ حلاوة تلك التي لا
تُذاق باللسان، ولا تُرى بالعين، وإنما يشعر بها القلب وفقط!
حلاوة لا يفتح
أبوابها إلا الله وحده، ولا يصل إليها العبد إلا منَّة الله، وحين ترددت في داخلي
عبارة «إن له لحلاوة» قفز إلى ذهني مشهد عجيب وغريب من تاريخ هذا القرآن.
تذكرت رجلاً لم
يكن مؤمناً بالقرآن، بل كان من أشد الناس عداوة له ولمن يدعو إليه، رجلاً صنديداً
من سادات قريش، وأحد أكثر العرب معرفة بلغتهم وأسرار بيانهم؛ يعرف الشِّعر والنثر،
ويُميز بين رفيع القول ووضيعه، ويعرف للكلمة وقعها، وللعبارة منزلها؛ إنه الوليد
بن المغيرة.
جلس الوليد يوماً
يستمع إلى القرآن من فَمِ النبي صلى الله عليه وسلم، لا ليستجيب له ويهتدي بهديه،
أو حتى يسير على دربه؛ وإنما وقف ليُحاكمه بميزان العربي الذي خبر الكلام، وعرف
أسراره، وعاش بين فصحائه وبلغائه، فيُريد أن يظهر عَوَاره، إن كان له عوار.
أنصتَ.. ثم
أنصتَ.. ثم استمـع.. وكأن شيئاً ما كان يجذبه للسماع، فهناك شيء يحدث بداخله، وقد
عجز عن دفعه ورده.
ثم خرجت منه تلك
الكلمات التي بقيت شاهدة على سطوة القرآن وسلطان جماله وجلاله: «إن له لحلاوة، وإن
عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمُثمر، وإن أسفله لمُغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه».. يا
الله! حينما يدخل القرآن إلى القلب فيتحول من كلمات وحروف تتلى إلى حياة حقيقية لم
يعايشها الإنسان من قبل.
إن له لحلاوة؛ نعم
للقرآن حلاوة، ولكنها حلاوة لا يعرفها حقاً إلا من ذاقها، وشرح الله صدره لها،
وروح أقبلت على كلام ربها.
إن له لحلاوة؛
حلاوة المنطق، والقراءة، والمعنى، والسماع، والاستماع، والاستمتاع، وكيف لا؟ وهو
كلام الله.
إن له لحلاوة؛
نعم له حلاوة، خاصة حينما يخرج من أطهر فم على وجه الأرض، هو فم النبي صلى الله
عليه وسلم.
هذه الحلاوة
التي حُرِم منها بعض أجيالنا، فلم تصل إليهم بما هو أهله، فراحوا يبحثون خلف كل غث
وسمين، وتاهوا في طرقاتهم وهم يبحثون، حتى اختلت أذواقهم، فصاروا يرون ما هو غث
سميناً، والسمين غثاً، واختلطت الأوراق، وضلت الأفهام، فما استطاعوا الوصول لهذا
القرآن، وما وجدوا من يساعدهم على ذلك، فصار الواحد منهم يجلس أمام الموسيقى
الصاخبة، والأغاني التافهة بالساعات تلو الساعات، وعلى مواقع التواصل (العالم
الافتراضي) بما يفوق خيال العقلاء، وهو هو لا يستطيع أن يجلس ليستمع جزءاً من
القرآن؛ لأن الذوق اختل، والأفكار انحدرت، وصرنا كالذي يطلب السماء وهو يحفر في
الأرض.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً