تجليات رمضانية في الشعر العربي المعاصر
شعر المناسبات الدينية محفّزًا للشاعر والجمهور:
وللمناسبات الدينية – بطبيعة الحال – حضور لافت عندهم، لعمق تأثيرها الروحي والوجداني الذي يمكن أن يكون محفّزًا للإبداع الشعري عند الشاعر ذاته، ومستقطبًا – بالتبعيّة – للجمهور الأدبيّ الذي يضمن الشاعر تفاعله وجدانيًّا ونفسيًّا بالمناسبة الدينية، ولهذا نجد لهذه الموضوعات الدينيّة حضورًا بارزًا في دواوينهم، ونجد للشهر رمضان المبارك تجليًّا واضحًا من بين تلك الموضوعات.
أشكال التجليات الرمضانيّة في دواوين الشعراء:
استشراف حلول شهر رمضان:
رَمَضانُ أَقْبِلْ، إِنَّنِي قَدْ ذُبْتُ شَوْقًا فِي انْتِظارِكَ
هَذا نَهارِي يَلْتَظي مُذْ غَابَ ظِلٌّ مِنْ نَهارِكَ
وأبرز ما يبدو في هذا البناء الفني هو الموازنة بين ضمير المتكلم الدال على الذات الشاعرة، وكاف الخطاب الدالة على الشهر المبارك: (ذبتُ/ انتظاركَ) (نهاري/ نهارك)، وهو مما يبدي محاولةً تلقائية من الشاعر للتوحّد والامتزاج مع شهر رمضان الذي يتطلع لقدومه.
وفي خطوة تالية تظهر بوادر الترحيب عند قدوم الشهر، واستقبال اليوم الأول من أيامه. يقول الشاعر السعوديّ إبراهيم جعفري (ولد: 1984م):
أَهْلًا بِهِ، خَيْرِ الشُّهُورِ جَمِيعِهَا
رَمَضَانُ أَقْبَلَ، مَوْسِمُ الْغُفْرَان
رَمَضَانُ لِلنَّفْسِ الْأَمَانُ رَبِيعُهَا
هُوَ بَهْجَةٌ لِلْأَرْضِ لِلْإِنْسَانِ
ولا تتجلى فرحة الشاعر بإقبال رمضان لكونه: (ربيع الأمان للنفس) في إطار ضيق محدودٍ بحدودِ الذات وحسب؛ لكنها تمتد لتكون (بهجةً إنسانيةً) وافرةً عامةً.
العظة والحث على الطاعة في التجليات الرمضانية:
يَا بَاغَيَ الخَيْرِ هَذَا شَهْرُ مَكْرُمَةٍ
أقْبِلْ بِصِدْقٍ جَزَاكَ اللهُ إحْسَانَا
أقْبِلْ بجُودٍ وَلاَ تَبْخَلْ بِنَافِلةٍ
واجْعَلْ جَبِينَكَ بِالسَّجْدَاتِ عِنْوَانَا
واحْفَظْ لِسَاناً إذَا مَا قُلتَ عَنْ لَغَطٍ
لاَ تجْرَحِ الصَّوْمَ بالألْفَاظِ نِسْيَانَا
وفي هذا النموذج الشعري، وكذا في غيره من النماذج التحريضيّة الواعظة: يلحظ وفرة الأساليب الإنشائية، من قبيل: الأمر والنهي والنداء، وهذا البناء اللغوي يتواتر بشكل لافت في سياق الحثّ التعبويّ؛ لاستمالة المتلقي، والرغبة في الاستحواذ عليه عاطفيًّا. على أن هذا الجانب التحريضي الواعظ مباشر وصريح؛ إذ اتّخذ من الأساليب الإنشائية تكأةً يتوجه بها الشاعر إلى المتلقي من خلال توجيه الأوامر والنواهي؛ ومن الممكن لهذا الجانب أن يُمَارسَ بالفاعليّة ذاتها، وإن لم يكن صريحًا ومُباشرًا؛ ولعله لا يقل فاعليةً وتأثيرًا، عنيتُ: الحديثَ عن الذات، وتقديمها في حيّز نموذج لافت بخروجه عن المألوف، يقول الشاعر السوريّ الراحل عمر بهاء الأميريّ (1915م-1992م):
قَالُوا: سَيُتْعِبُكَ الصِّيَامُ وَأَنْتَ فِي السَّبْعِينَ مُضْنَى‼
فَأَجَبْتُ: بَلْ سَيَشُدُّ مِنْ عَزْمِي، وَيَحْبُو القَلْبَ أَمْنَا
ذِكْرًا وَصَبْرًا وَامْتِثَالاً لِلَّذِي أَغْنَى وَأَقْنَى
ولا يخفى أن من تبعات هذا النموذج اللافت: الإثارة العاطفية التي تضع الشاعر في موضع التبجيل، وأحسبُ هذه الصورة الذاتية التي يقدمها الشاعر من شأنها: التحفيز على التأسي والاعتبار، على الأخص لمن تهيأت لهم ظروف مواتية ممن هم في أوج الشباب.
انتقاد المظاهر السلوكيّة المجافية لروحيّة رمضان:
وَنَسوا الصِيامَ فَحَلَّ في رَمَضانِهِم
ما لا يَحِلُّ، وَساغَ أَن (يَتَسَمَّموا)!
لا يَصبِرونَ عَنِ الطَعامِ فَما لَهُم
صَبَروا لِحُكمِ الأَجنَبِيِّ وَسَلَّموا!
وتبدو المفارقة الجليّة في صورة هذه الفئة التي تدّعي الثقافة وعلوّ الهمة بالتجاسر على ربها، والأنفة من طاعته، وتحديه مجاهرةً بالإفطار (الذي عبر عنه الشاعر بلهجة مصريّة ساخرة: يتسمموا)، وهي تزعم أن حريتها وكرامتها تحول دون انقيادها لطاعة الله عز وجل، وهي على جسارتها وأنفتها المزعومة تنقاد صاغرةً للمحتل الأجنبي، وتسلّم بأفكاره وثقافته تسليمًا مطلقًا!
ومن الصور المُنتقدة – في هذا السياق أيضًا – صور الغفلة عن البر والتعاون على المرحمة والتكافل في هذا الشهر الفضيل الذي يحفّز المسلمين على وجوه الخير، وفي هذا الصدد يقول الشاعر اليمنيّ يحيي الحمادي (ولد: 1985م) في صورة تشخيصية طريفة:
لِلْبُيُوتِ الَّتِي لَا فُطُورَ لَهَا أَوْ بِهَا كَيْ تَنَامَا
وَالْبُيُوتِ الَّتِي لَا سَحُورَ لَهَا كَيْ تُتِمَّ الصِّيَامَا
يَنْحَنِي رَمَضَانُ كَمُسْتَغْفِرٍ لَا يُجِيدُ الْكَلَامَا
ثُمَّ يُلْقِي بِفَانُوسِهِ خَجْلَةً وَهْوَ يُلْقِي السَّلَامَا
سيرورة الحياة اليومية في رمضان:
وعلى جانب آخر يمكن رصد التجليات الرمضانية من خلال ما يُعبِّرُ عنه الشاعر من مظاهر الحياة الرمضانيّة الدافئة، والتي يقدم الشاعر من خلالها جانبًا حميمًا من سيرورة الحياة اليوميّة. يقول الشاعر السعوديّ عبد الله جعفر آل إبراهيم (ولد: 1955م):
الشَّايُ بَعْدَ الْأَكْلِ فِي رَمَضَانِ
يَسْرِي وَيُنْعِشُ خَاوِيَ الْأَبْدَانِ
تِلْكَ الْفَنَاجِينُ الَّتِي صُبَّتْ لَنَا
بَعْدَ الْفُطُورِ لَطَائِفُ الْإِخْوَانِ
تَحْلُو بِهَا تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي
فِيهَا تَذَكُّرُ سَالِفِ الْأَزْمَانِ
ومن الجوانب اليومية الطريفة التي تبدو في التجليات الرمضانية قول الشاعر الكويتي فيصل الخياط (ولد: 1984م) في حسٍّ فكاهي:
أَلَا يَا صَاحِ أَتْعَبَنَا الدَّوَامُ
أَفِي رَمَضَانَ إِذْ حَلَّ الصِّيَامُ؟
أَنَذْهَبُ دُونَ نَوْمٍ؟ نَحْنُ عَطْشَى
وَغَرْثَى، لَيْسَ يُسْعِفُنَا الْكَلَامُ
رمضان قيمة جمالية مطلقة:
وأخيرًا نود الإشارة إلى ما يمكن اعتباره (قيمة جمالية مطلقة) لشهر رمضان الكريم، ولذا يضعها الشعراء في موضع المفارقة مع طرف وجداني نقيض، بحيث يتم إبراز مأسويّة الطرف الوجداني الذي يعرضه الشاعر بشكل أجلى وأبرز وأتمّ حين يوضع في موضع المقابلة والمناقضة مع (القيمة الجمالية الرمضانية المُطلقة)، وعلى هذا النحو يقول الشاعر السعودي شيخ بن علي الصنعاني (ولد: 1972م) على لسان طفل يتيم:
رَمَضَانُ هَلَّ وَكُلُّهُمْ
مَسَكَتْ مَيَامِنُهُمْ أَبَاهُ
وَأَنَا وَحِيدٌ هَاهُنَا
لَمْ أَلْقَ مِنْ أَبَتِي سَنَاهُ
وغني عن البيان أن مشاعر الألم والفقدان قمينة بالظهور من اليتيم في كل زمان، لكنها برزت على نحو أوسع وأشمل حين شُفِعت بصورة استهلال رمضان. وعلى هذا النحو عينه يبرز الشاعر الفلسطيني محمود مفلح (ولد: 1934م) معاناة اللاجئ الفلسطيني في رمضان:
أُحاوِل أنْ أَصومَ بِلا اكتئاب
فَتَخْذُلُنِي همومي واغترابي
فَلَا صَوْتُ القَذَائِفِ صَامَ مِثْلٌي
وَلَا الأوْغَادُ مِنْ صِنْفِ الذِّئابِ
فَكَيفَ أُقيمُ يَا رَمَضَانُ لَيْلِي
وسيْفُ الظَّالمينَ على الرِّقابِ؟
اقرأ أيضًا:
دُرَّة الغواص .. اللغة العربية في عيون الشعراء
مستويات التعبير الشعري عن «خيانة الوطن» في شعر أمل دنقل
العولمة وهدم القيم.. قراءة في مسرحية «ملحمة السراب» لسعد الله ونوس
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً