النفي في القرآن الكريم.. دور «لا» في توجيه المعنى

صورة بها عنوان الموضوع واسم الكاتبة وصورة زيتية لحرف النفي لا حوله هالة منضيئة

يكشف النفي في القرآن عن طاقة تعبيرية تتجاوز مجرد سلب المعنى أو الإخبار بعدم وقوعه؛ فقد تبدو أداة النفي صغيرة في مبناها، لكنها تحمل قدرة كبيرة على توجيه الدلالة وتغييرها. فهي لا تكتفي بإخبار المخاطب بأن أمرًا ما لم يقع، أو أن شيئًا ما غير ثابت، بل قد تأتي لدفع وهم، أو نقض اعتقاد، أو رد دعوى، أو إزالة معنى استقر في الذهن.

وقد تنبّه علماء العربية قديمًا إلى أن النفي ليس مقابلًا للإثبات فحسب، بل هو أحد شطري الكلام وأداة فاعلة في بنائه. وإذا انتقلنا من المعاجم وكتب النحو إلى التعبير القرآني، وجدنا أن أدوات النفي تَرِد في مواضع شديدة الدقة، فلا تؤدي معنى السلب وحده، وإنما تسهم في تأكيد الحقيقة، وإبطال الشبهة، وإبراز المعنى المقابل في أكمل صورة.

فهل يقتصر أثر النفي في القرآن على سلب المعنى، أم يتجاوزه إلى إثبات معنى أعمق وأكمل؟ تكشف النماذج القرآنية أن النفي قد يصبح وسيلة لإثبات الكمال والتنزيه، وتوكيد المعنى، وتوجيه المتلقي إلى الحقيقة المرادة. ويتضح ذلك من خلال الوقوف على مفهوم النفي، ثم تأمل بعض صيغه ودلالاته الدقيقة في القرآن الكريم.

النفي بين اللغة والاصطلاح

ورد النفي في المعاجم اللغوية بمعانٍ أشهرها؛ البُعد، أو الطرد، أو النقض، أو التنحية، أو الإخراج، وغيرها مما طوت عليه معاجم اللغة، ومنها: النفي: نفيت الرجل وغَيرَه نَفْيًا إذا طردته، فهو منفيّ، قال الله تعالى: {...أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (المائدة:33). ويقال: معناه: السّجْن. والانتفاء من الولد: أن يتبرّأ منه(1).

أمَّا النحاة فقد تناولوا النفي ضمن الحديث عن أدواته وأحكامها، وعلاقته بالإثبات والجحد. يقول القاضي الجرجاني: الجحد ما انجزم بـ"لم" لنفي الماضي وهو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل في الماضي فيكون النفي أعمّ منه، وقيل: الجحد عبارة عن الفعل المضارع المجزوم بلم التي وضعت لنفي الماضي في المعنى وضد الماضي(2).

وذهب ابن الشجري إلى أن الكلام الموجب: ما عري من أدوات النفي، وقد يكون النفي جحدًا، فإذا كان النافي صادقًا فيما قاله سمّى كلامه نفيًا، وإن كان يعلم أنه كاذب فيما نفاه سمّى ذلك النفي جحدًا، فمن النفي قوله تعالى: {مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ...} (الأحزاب:40)، ومن الجحد نفي فرعون وقومه لآيات موسى، في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِين * وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين} (النمل: 13، 14) المعنى: جحدوا بها ظلما وعلوّا، أي ترفّعا عن الإيمان بما جاء به موسى، فقولهم: {هَذَا سِحْرٌ مُّبِين} خبر موجب، يراد به النفي، أي ما هذا حق، فلذلك قال: {وَجَحَدُوا بِهَا} أي نفوها وهم يعلمون أنها من عند الله(3).

النفي في القرآن.. إثبات النقيض وإبراز كماله

النفي في حقيقته خبرٌ يدل على أن المُخبَر به ليس موجودًا، فإذا كان الإثبات إخبارًا بوجود الشيء أو ثبوته، كان النفي إخبارًا بعدمه أو انتفاء كونه شيئًا، غير أن اللغة العربية لا تقف بالنفي عند حدود سلب المعنى، بل قد تجعل من المنفي طريقًا إلى إثبات نقيضه وإبراز كماله، ويظهر ذلك بوضوح في القرآن الكريم، لا سيما فيما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى، فحين يقول تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} (البقرة: 255)، فالنفي في {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} ليس مجرد نفي لوجود آلهة أخرى، بل يتضمن إثبات الألوهية لله وحده. وكذلك {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} تنفي عنه سبحانه النوم والنعاس، ويتضمن ذلك إثبات كمال حياته وقيوميته(4).

لام الجحود وتجاوز النفي لتأكيد المعنى

قد يزداد النفي في القرآن قوة وبلاغة باقترانه بلام الجحود؛ إذ لا يقتصر أثرها على نفي وقوع الفعل، بل يتجاوز ذلك إلى نفي ما يتصل به من تهيؤ وإرادة(5). وتتجلى هذه الدقة في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: 143)، لم يقتصر على نفي الإضاعة، بل جاء بتركيب {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ}، فنفى عن الله تعالى إضاعة الإيمان نفيًا يؤكد أن ذلك لا يتصور في حقه ولا يليق بحكمته. ولم يقف أثر النفي عند مجرد نفي الإضاعة، بل دلّ بالكون المنفي على ثبوت الأجر من الله عز وجل لعباده الذين اتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم.

المبالغة في النفي عن الوصف

في قوله تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} (فصلت: 46)؛ النفي هنا لا يقتصر على نفي الظلم، وإنما يدل على كمال عدل الله سبحانه وتعالى؛ إذ نفي الظلم عنه يتضمن إثبات العدل. كما جاءت دقة التعبير في صيغة المبالغة "بِظَلَّامٍ" فهي في أصل الاستعمال اللغوي تدل على كثرة الظلم وشدته، غير أن دخول النفي عليها لا يقتضي إثبات أصل الظلم ونفي كثرته، بل يفيد نفي الوصف على وجه المبالغة في النفي؛ فكأن المعنى: لو عاقب الله من لا يستحق العقوبة لكان ذلك ظلمًا بالغًا شديدًا، والله تعالى منزّه عن ذلك.

ومن هنا تعدّ الآية شاهدًا على استعمال النفي مع الوصف المصوغ بصيغة المبالغة؛ إذ إن النفي إذا دخل على كلام مقيد بوصف، فقد يكون المقصود نفي القيد وحده، وقد يكون القيد جزءًا من صيغة النفي ومقصودًا به تقوية النفي وتأكيده.

وعليه، فإن صيغة "ظَلَّام" في الآية لا تفيد أن المنفي عن الله تعالى هو كثرة الظلم فقط، وإنما جاءت صيغة المبالغة في سياق النفي لتأكيد انتفاء الظلم عنه سبحانه وتعالى، حتى إن أشد مراتب الظلم وأبلغها منفية عنه، فمن باب أولى تنتفي عنه سائر مراتبه(6).

النفي والاستثناء وأثرهما في توكيد المعنى

ومن دقة النفي في القرآن قوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} (الواقعة: 25-26)؛ جاء بعد نفي اللغو والتأثيم قوله تعالى: {سَلَامًا سَلَامًا} وليس في ذلك نقض للنفي السابق، بل تأكيد له وبيان لنوع الكلام الذي يسمعه أهل الجنة، فقد نفى عن أهل الجنة سماع اللغو والكلام الآثم، ولذلك لا يكون المعنى: أنهم لا يسمعون لغوًا ولا تأثيمًا إلا السلام، وكأن السلام جزء من اللغو أو التأثيم. بل المعنى: لا يسمعون شيئًا من الكلام الذي يدخل في جنس اللغو والتأثيم، وإنما يسمعون كلامًا حسنًا طيبًا، ومنه السلام(7).

يتبين من هذه النماذج أن النفي في القرآن لا يقف عند حدود سلب الحكم أو إنكار وقوعه، بل يؤدي وظائف دلالية وبلاغية متعددة؛ فيدفع الوهم، وينقض الدعوى، ويؤكد المعنى، وينزّه الله تعالى عن كل نقص، مثبتًا له كمال الصفات. وقد تتعاضد أدوات النفي مع صيغ المبالغة أو لام الجحود أو أسلوب الاستثناء، فتزداد الدلالة قوةً ودقةً بحسب المقام.

وهكذا لا تكون الأداة النافية عنصرًا زائدًا أو مجرد مقابل للإثبات، وإنما تصبح جزءًا أصيلًا من بناء المعنى القرآني؛ فما ينفيه التعبير يفتح الطريق في كثير من المواضع لإثبات معنى أعمق وأكمل.

ومن هنا تتجلى بلاغة النفي في قدرته على أن يجمع، بأوجز عبارة، بين تنزيه المنفي عنه، وإبطال المعنى الفاسد، وترسيخ الحقيقة المقابلة في نفس المتلقي.

الهوامش
  • 1 العين: الخليل (ت 170هـ): (8/ 376)، ومعاني القرآن وإعرابه: أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ): (2/ 170).
  • 2 التعريفات: القاضي الجرجاني (ت 392 هـ): (101).
  • 3 أمالي ابن الشجري (ت 542هـ): (1/ 391).
  • 4 ينظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: البيضاوي (ت 685هـ): (1/ 153)، وتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم: الرازي (ت 327هـ): (3/ 585).
  • 5 الجمل في النحو: الخليل (ت 170هـ): (270). البحر المحيط في التفسير: أبو حيان (ت 745هـ): (2/ 20)، وإرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم أبو السعود (ت: 982هـ): (1/ 174).
  • 6 ينظر التحرير والتنوير: الطاهر بن عاشور (ت 1393هـ): (24/ 319)، والبرهان في علوم القرآن: الزركشي (ت 794هـ): (2/ 515).
  • 7 الإتقان في علوم القرآن: السيوطي (ت 911هـ): (3/ 304).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة