بلاغة التعريف في جوامع الكلم (1)
القوة الحقيقية.. حين يصبح امتلاك النفس بطولة
القوة الحقيقية
قد تظهر في كلمة يحبسها صاحبها، ويدٍ يكفّها، وغضبٍ يملك زمامه قبل أن يملك عليه
قراره. إلا أن العين تتأثر غالبًا بما تراه من مظاهر الغلبة؛ فتربط القوة بمن يصرع
خصمه، أو يفرض إرادته، أو يُسكت الآخرين.
وفي أولى حلقات
سلسلة «بلاغة التعريف في جوامع الكلم» نتأمل حديثًا نبويًا يعيد ترتيب هذا
الميزان، وينقل النظر من القدرة على إخضاع الآخرين إلى القدرة على ضبط النفس؛ لنرى
كيف تصنع ألفاظ قليلة تحولًا عميقًا في فهم معنى مألوف.
عن أبي هريرة
رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما
الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).
إننا أمام عبارة
تتجاوز الحّثّ المباشر على الحلم؛ إذ تبدأ بمراجعة تصور القوة نفسه؛ فمن يغيّر
ميزان الفضيلة في ذهن الإنسان يفتح له طريقًا إلى تغيير سلوكه، ويمنحه سببًا لأن
يعتز بما كان يظنه ضعفًا، وأن يراجع ما كان يحسبه انتصارًا.
معيار القوة الحقيقية
يفتتح الحديث
بـ«ليس»، فتواجه السامع بمراجعة ما استقر في تصوره: «ليس الشديد بالصُّرَعة».
وللباء الداخلة على خبر «ليس» أثر في توكيد النفي؛ فهي زائدة في اصطلاح النحاة من
جهة الإعراب، لكنها تؤدي وظيفة معنوية في تقوية الحكم. وهكذا يأتي المطلع حاسمًا،
يوقف اندفاع الذهن إلى التسليم بأن مهارة الصرع هي وحدها عنوان الشدة الممدوحة.
ثم تأتي «إنما»
لتؤكد المعيار الذي يراد إبرازُه: «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». ويقوم
البناء على خطوتين متكاملتين: زحزحة المعيار المتبادر، وإقامة معيار أعمق مكانه.
ولو اقتصر الكلام على بيان فضل ضبط النفس لظل هذا الفضل إلى جوار التصور القديم،
أما النفي ثم القصر فيدفعان السامع إلى إعادة ترتيب المفاضلة.
والقصر هنا
إضافي بحسب المقام؛ فالموازنة بين غلبة الإنسان لغيره وغلبته لدافع الغضب في نفسه.
ولا يقتضي ذلك إنكار القوة البدنية أو نفي منافعها، وإنما يوجه إلى القوة التي
تستحق التنويه في هذا السياق الأخلاقي.
ومن لطائف النظم
تكرار «الشديد» في طرفي العبارة. لم تُستبدل الكلمة المألوفة، بل أُعيد وصلها
بمعيار آخر؛ يسمعها المتلقي أولًا محاطة بصورة المصارعة، ثم يسمعها ثانية متصلة
بامتلاك النفس. وبذلك يحمل اللفظ نفسه رحلة المعنى من ظاهر القدرة إلى باطن
الإرادة.
وفي هذه
الموازنة أيضًا تقريب للمعنى الخفي بالمشهد المحسوس؛ فالسامع يعرف ما تحتاج إليه
المصارعة من قوة ومقاومة، ثم يُدعى إلى تأمل مقاومة أخرى تقع في داخله. يظل معنى
الغلبة حاضرًا، لكن ميدانها يتسع ليشمل الدافع الذي قد يسوق صاحبه إلى فعل يندم
عليه.
حركة واحدة تقلب المعنى
تستوقفنا كلمة
«الصُّرَعة» بضبطها وبنائها. يشرحها ابن حجر بأنها تدل على من يكثر صرعه للناس
بقوته، ويبين أن التاء فيها للمبالغة، وأن «الصُّرْعة» بتسكين الراء تدل، في
المقابل، على من يكثر أن يصرعه غيره (فتح الباري شرح صحيح البخاري: 10/535 باب
«الحذر من الغضب»).
حركة واحدة،
إذن، تفصل هنا بين الغالب والمغلوب. وهذه دقة تذكرنا بأن ضبط الحديث جزء من فهمه؛
فقد يبقى رسم الكلمة على حاله، بينما ينقلب المعنى بتغيير حركتها. فالمراد في
الحديث صاحب القدرة البالغة على الصرع، حتى تكون الموازنة مع صورة قوية مستقرة في
أذهان المخاطبين.
والتعبير بهذه
الصيغة يضع أمامنا من تكرر منه فعل الغلبة، حتى صار معروفًا به. ومن ثم تزداد قوة
المفارقة: إن صاحب هذا التفوق الظاهر لا يستوفي، بمجرده، المعيار الذي يلفت إليه
البيان النبوي.
وهذا اختيار
يخدم الحجة؛ إذ ينطلق من صورة الشدة التي تستثير الإعجاب، ثم يكشف أن وراءها
امتحانًا آخر قد يعجز عنه صاحبها. فليس عسيرًا أن نتخيل رجلًا يتغلب على خصم قوي،
ثم تغلبه كلمة مستفزة، فيندفع إلى تجاوز لا يرضاه حين يسكن غضبه.
وبذلك يتصل
البناء الصرفي بالمقصد البلاغي؛ فدلالة المبالغة تمنح الطرف الأول أقصى حضوره، ثم
يأتي الطرف الثاني ليعيد توجيه الإعجاب إلى قدرة أرفع في هذا المقام. ومن هنا تظهر
قيمة قراءة اللفظة داخل نسيجها، حيث تتعاون حركتها وصيغتها وموقعها على أداء
المعنى.
«يملك نفسه».. لحظة الامتحان
بعد صورة
المصارع يأتي التعريف بصلة الموصول: «الذي يملك نفسه عند الغضب». وهذا البناء يجعل
الوصف قائمًا على فعل، فلا تبقى الشدة لقبًا يدعيه صاحبه، بل تتحول إلى سلوك تظهر
علاماته في المواقف.
وفي اختيار
«يملك» دلالة على السلطان والقدرة على التصرف. ومن تأمل هذا التعبير أمكنه أن يرى
صورة الإنسان وقد بقي قراره في يده، مع شدة الدافع الذي ينازعه إياه؛ فهو يشعر
بالغضب، لكنه يحفظ لنفسه قدرة الاختيار: ماذا يقول؟ وما الذي يفعله؟ وأين يقف؟
ويكشف المفعول
به «نفسه» مركز المعركة؛ فالإنسان قد ينشغل بفرض إرادته على من أمامه، بينما يكون
محتاجًا، قبل ذلك، إلى إحكام التصرف في إرادته هو. وهنا يتسع معنى القوة ليشمل
اللسان واليد والقرار، وكل ما قد يستجيب لاندفاع الغضب.
أما الفعل
المضارع فيصور القدرة في حال تحققها وتجددها؛ فهذه خصلة تحتاج إلى ممارسة في
المواقف التي تتكرر، حتى يصبح ضبط النفس خلقًا راسخًا، وتساند المعرفةُ بالمبدأ
القدرةَ على العمل به.
وتأتي عبارة
«عند الغضب» لتحدد لحظة الاختبار؛ فامتلاك النفس في حال الرضا سهل الادعاء، وإنما
تظهر قيمة هذا الامتلاك عندما تضيق مساحة التروي، وتشتد الرغبة في الرد، ويبدو
الانتقام قريبًا وممكنًا.
ومن دقة الحديث
أنه لم يشترط غياب الغضب؛ بل جعل الفضيلة في ضبط النفس عند وجوده. وبذلك يوجه
العناية إلى ما يصدر عن الإنسان في تلك الحال، ويجعل له مجالًا للعمل والمجاهدة،
بدل أن يقيسه بمجرد انفعال يطرأ عليه.
ويستطيع القارئ
أن يحمل هذا المعنى إلى تفاصيل يومه: نقاش يحتد، ورسالة تستفز، وخلاف يملك فيه
فرصة التجريح. ففي كل موقف من هذه المواقف يصبح السؤال عن القوة سؤالًا عن مقدار
الحرية التي يحتفظ بها الإنسان أمام اندفاعه.
هكذا تكشف هذه
الكلمات عن وجه من وجوه جوامع الكلم: لفظ مضبوط يؤدي معناه، ونفي يراجع تصورًا،
وقصر يثبت معيارًا، وفعل يرسم سلوكًا، وظرف يحدد موضع امتحانه. وتجتمع هذه العناصر
لتجعل الحلم قوة واعية، تستحق من الاعتزاز ما تستحقه الغلبة الظاهرة من إعجاب.
وحين نستوعب هذا
الميزان، نستطيع أن نرى في التروي إنجازًا، وفي كف الأذى انتصارًا، وفي حفظ الكلمة
قدرة على صيانة ما قد تهدمه لحظة غضب. ومن امتلاك النفس عند ثورة الانفعال ننتقل
في الحلقة المقبلة إلى غنى النفس؛ لنتأمل كيف يعيد البيان النبوي توجيه النظر من
كثرة ما في اليد إلى حقيقة ما يسكن القلب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً