الزواج.. قرار شخصين أم عائلتين؟

جمال سعد

20 سبتمبر 2026

51

الزواج.. قرار شخصين أم عائلتين؟

هل الزواج قرار يتخذه رجل وامرأة، أم قرار تشارك في صياغته عائلتان؟ ومتى يكون تدخل الأهل حماية من اختيار متسرع؟ ومتى يتحول إلى وصاية تؤجل الزواج أو تفرض شروطاً لا علاقة لها بصلاح الزوجين؟

وهل ما زالت القبيلة والنسب واسم العائلة قادرة على ترجيح كفة الخاطب أو إسقاطه، ولو توافرت فيه بقية مقومات الزواج؟ وإذا كان للأهل حق السؤال والنصح والتحذير، فأين ينتهي هذا الحق ويبدأ حق الزوجين في اختيار حياتهما؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة في المجتمعات الخليجية، حيث لا تبدأ المصاهرة عادة بين شخصين منفصلين عن محيطهما؛ فالأسرة والقبيلة والنسب والمكانة الاجتماعية والعلاقات الممتدة كلها قد تدخل في حسابات الاختيار.

العائلة.. وقرار الزواج

تكشف مواد أرشيفية قديمة وحديثة لـ«المجتمع» أن هذه القضية ليست جديدة؛ فقد ناقشت المجلة الكفاءة الاجتماعية، وزواج الأقارب، وشروط الأسرة، ورأي الوالدين، وتأثير العادات والتقاليد في الزواج، قبل أن تتحول هذه القضايا اليوم إلى نقاش واسع حول استقلالية الشباب وحقهم في بناء أسرهم.

ولأن حضور العائلة في قرار الزواج ليس سؤالاً طارئاً على مجتمعاتنا، بل قضية قديمة تتجدد أسئلتها بتغير الأزمنة، نجد أن «المجتمع» ناقشت ذلك، ففي العدد (953)، في 6 فبراير 1990م، تناولت مسألة زواج الأقارب، وانطلقت من فكرة لافتة مفادها أن الزواج ليس تقارباً بين رجل وامرأة فقط، وإنما قد يكون تقارباً بين أسر وعائلات، بما يحمله ذلك من توثيق للعلاقات الاجتماعية، لكنه قد يحمل أيضاً أخطار امتداد الخلاف الزوجي إلى العائلتين وصولًا إلى قطع صلات الرحم.

وبعد أكثر من 3 عقود، تعود «المجتمع» في العدد (2180)، في 1 يونيو 2023م، بتحقيق عن العادات الاجتماعية المؤثرة في الزواج، ويمتد نقاشها من الجزائر والسودان وليبيا إلى اليمن والعراق والأردن ولبنان وتونس، كاشفة استمرار حضور العائلة والقبيلة والعرف في تحديد شروط الزواج.

حضور عائلي وقبلي

في المجتمعات الخليجية خاصة والعربية عموماً، يصعب النظر إلى الزواج باعتباره علاقة منفصلة تماماً عن العائلة، فالأسرة قد تسأل عن الخاطب، وتبحث عن أسرته، وتتحقق من سمعته، وتناقش مستوى التوافق بين البيئتين، وربما يكون للقبيلة والنسب والمكانة الاجتماعية حضور في النقاش.

وليس كل ذلك سلبياً بالضرورة، فالأسرة تملك أحياناً خبرة وتجربة تجعلها أكثر قدرة على اكتشاف بعض الأخطار التي قد لا يراها الطرفان تحت تأثير العاطفة، كما أن الزواج بخلاف كثير من القرارات الشخصية، يترتب عليه تواصل دائم بين عائلتين، ومصاهرة، وربما مسؤوليات اجتماعية ممتدة.

وهذا ما يفسر استمرار بعض صور الزواج العائلي، ومنها زواج الأقارب في محاولة للحفاظ على التلاحم القبلي وعدم دخول أغراب، وفي العدد (953)، في 6 فبراير 1990م، ناقشت «المجتمع» المسألة من أكثر من زاوية، فلم تجعل زواج الأقارب قاعدة مرغوبة أو ممنوعة بإطلاق، وإنما أشارت إلى اعتبارات اجتماعية وصحية ودينية كصلة الرحم.

وأشارت إلى أن الزواج قد يوسع دائرة التعارف بين الأسر والمجتمعات، وفي المقابل، نبهت إلى أن النزاع الزوجي داخل العائلة الواحدة قد يتحول إلى نزاع بين الأقارب وقطيعة للرحم.

أسباب تعطيل الزواج

وتبدو هذه المسألة أكثر وضوحاً في السياق الكويتي؛ ففي عدد «المجتمع» (823)، في 30 يونيو 1987م، تناول د. عبدالحميد البلالي في مقال له بعنوان «ظاهرة العنوسة في المجتمع الكويتي» ما سماه البحث عن «الأصيل» ضمن أسباب تعطيل الزواج.

ويكشف المصطلح كما عرضه البلالي عن تعدد المعايير التي قد تستخدمها بعض الأسر في قبول الخاطب؛ فمنهم من يقصد بالأصيل سليل القبيلة العربية، ومنهم من يقصد طبقة التجار، أو من ينتمي إلى فئة اجتماعية بعينها، أو من وُلد في الكويت أباً عن جد.

ولم يقف الموضوع عند النسب والمكانة الاجتماعية، بل أشار أيضاً إلى صورة أخرى من صور تدخل الأسرة، حين يُرفض المتقدم لأن الأسرة تحجز الفتاة لقريب لها، حتى لو لم يكن ذلك القريب راغباً في الزواج منها أو مناسباً لها.

وبينما تبدو هذه الممارسات في ظاهرها حرصاً على مصلحة الأسرة أو الحفاظ على روابطها، فإنها تكشف كيف يمكن أن يتحول القرار العائلي من مشورة تساعد على الاختيار إلى شروط تضيق دائرة الاختيار نفسها، وربما تنتهي بتأخير الزواج.

تدخل الأهل في الاختيار

وليس من الصعب فهم أسباب تمسك بعض الأسر بدورها في الاختيار، ففي التحقيق ذاته المشار إليه سابقاً في العدد (2180) تحدث فريد أمار، الباحث في العلوم الاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط، عن بعض المظاهر العرفية التي لا تزال مستمرة، ومنها تدخل الأهل في الاختيار وزواج الأقارب وبعض الأعراف الإثنية والقبلية في النسب.

وفي المقابل، يلفت إلى أن الأسرة نفسها لم تعد تملك الدور السابق في إقناع الشباب بالزواج، مع صعود الاعتبارات المادية والاستقرار الوظيفي والسكن.

وهنا تظهر القضية في صورتها الأوسع، حيث إن الأسرة لا تتدخل فقط لأنها تريد أن تختار العريس المناسب، وإنما لأنها ترى الزواج امتداداً لها، وترى أن نجاحه أو فشله لن يتوقف عند حدود الزوجين.

لكن هذا التصور نفسه يحتاج إلى ضبط، فامتداد آثار الزواج إلى العائلة لا يعني أن العائلة تملك حياة الزوجين.

رأي الوالدين في الزواج

يبقى السؤال الأكثر حساسية وهو: هل رأي الوالدين ملزم؟ لما لهما من منزلة روحية تستدعي حكماً شرعياً يخص العقوق في عدم طاعتهما، وهنا نطالع ما ورد في عدد «المجتمع» (1862)، في 25 يوليو 2009م، حيث تناول المستشار عبدالله العقيل ضمن ترجمته للشيخ عطية صقر فتواه في مسألة رأي الوالدين في اختيار شريك الحياة.

وفيها ميّز الشيخ بين اعتراض الوالدين إذا كان مبنياً على سبب ديني وتحذير معتبر، واعتراض يقوم على مصلحة شخصية أو غرض آخر، معتبراً أن الصورة الثانية لا تجعل مخالفة الوالدين محرمة إذا كان الزواج قائماً على التكافؤ والصلاح.

وهذا التفريق مهم اجتماعياً أيضاً، فليس كل رفض عائلي من النوع نفسه، حيث هناك رفض يستند إلى معلومة حقيقية أو خطر ينبغي التوقف عنده، وهناك رفض قد يكون سببه اختلاف القبيلة أو الطبقة أو المكانة أو رغبة الأسرة في المحافظة على صورتها الاجتماعية.

حدود السلطة العائلية

من هنا يمكن التمييز بين 3 درجات مختلفة من حضور العائلة، حيث هناك المشورة وهناك المشاركة وهناك الوصاية.

ففي المشورة تقدم الأسرة خبرتها ومعلوماتها، وتترك مساحة القرار لصاحبه، وفي المشاركة تدخل الأسرة في بعض مراحل البحث والتعارف والتقييم باعتبارها جزءاً من شبكة المصاهرة.

أما الوصاية فتبدأ عندما يصبح رأي الأسرة أمراً نهائياً، حتى في المسائل التي تخص حياة الزوجين الخاصة.

وهذا الفارق ليس نظرياً فقط، فتقرير «المجتمع» عن زواج الشباب في المغرب، المنشور في 18 مايو 2023م، أظهر أن تدخل الأهل ما زال حاضراً في بعض البيئات، لكنه وضعه ضمن منظومة أوسع من العادات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر في قرار الزواج.

كما أشار الباحثون الذين حاورتهم المجلة وقتها إلى تغير دور الأسرة أمام استقلال الشباب وتغير شروط الحياة، وهو ما يوضح أن رصد هذا الخط الزمني من خلال صفحات المجتمع يثبت أن ثمة تغييرات جوهرية تقع في صلب العادات والأعراف، حيث تنزاح بعض المفاهيم بينما تبقى أخرى راسخة.

بيت مستقل

الزواج إذن ليس قراراً فردياً بالمعنى الذي يلغي الأسرة، ولا قراراً عائلياً بالمعنى الذي يلغي الزوجين، إنه قرار شخصين تشارك الأسرة في التهيئة له، لا في امتلاكه.

فمن حق العائلة أن تسأل وتتحقق وتحذر وتناقش، وأن تقول: نحن نرى في هذا الاختيار خطراً حقيقياً، ومن حقها أيضاً أن تحرص على التوافق بين الأسرتين، خصوصاً في المجتمعات التي تقوم فيها العلاقات الاجتماعية على شبكة واسعة من المصاهرة والقرابة.

لكن من حق الزوجين في المقابل، أن يعرفا أن البيت الذي سيبنيانه ليس امتداداً لمجلس العائلة، وأن اختلافهما عن اختيارات أسرهما لا يعني بالضرورة عقوقاً أو خروجاً على التقاليد.

والتحدي الحقيقي أمام الأسرة الخليجية والعربية اليوم ربما لا يكمن في أن تتخلى عن دورها، بل في أن تعيد تعريف هذا الدور، بمعنى كيف تنتقل من اختيار شريك الحياة بدلاً من ابنها أو ابنتها، إلى تعليمهما كيف يختارانه؟ وكيف تتحول من سلطة ترفض أو تقبل إلى خبرة تساعد على رؤية ما وراء الانطباع الأول؟

وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يسبق كل مصاهرة: هل نبني زواجاً يرضي العائلتين، أم نبني أسرة يستطيع الزوجان أن يرضيا فيها عن حياتهما بعد أن تهدأ أصوات العائلتين؟

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة