أخلاق الشدة وميزان العطاء
كيف نحفظ الأخلاق وقت الشدة؟ سخاء يزيد بن المهلب
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، أن يَزِيد بن المُهَلَّبِ بنِ أَبِي صُفْرَةَ(1)،
وُلِدَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، وَكَانَ الحَجَّاجُ قَدْ
عَزَلَهُ وَعَذَّبَهُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُ الضَّرْبَ عَلَى أَنْ
يُعْطِيَهُ كُلَّ يَوْمٍ مائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَصَدَهُ الأَخْطَلُ،
وَمَدَحَهُ، فَأَعْطَاهُ مائَةَ أَلْفٍ، فَعَجِبَ الحَجَّاجُ مِنْ جُوْدِهِ فِي
تِلْكَ الحَالِ، وَعَفَا عَنْهُ، وَاعْتَقَلَهُ، ثُمَّ هَرَبَ مِنْ حَبْسِهِ.
وَلَهُ
أَخْبَارٌ فِي السَّخَاءِ وَالشَّجَاعَةِ، وَكَانَ الحَجَّاجُ مُزَوَّجاً
بِأُخْتِهِ، وَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ آلُ المُهَلَّبِ بُرَآءَ،
فَلَا تُسَلِّطْنِي عَلَيْهِم، وَنَجِّهِمْ(2).
ليست غرابة هذا
المشهد في كثرة المال وحدها، وإنما في اجتماع الحاجة إلى المال والقدرة على بذله:
رجل يريد أن يفتدي بدنه من الضرب، ثم يمنح شاعرًا مبلغًا يماثل ما عرضه لتخفيف
ألمه، وبين السجن والسخاء تنفتح أسئلة عن قوة النفس، وحدود الكرم، وعلاقة السمعة
بالقيادة، غير أن الانتفاع بالتاريخ يقتضي ألا نجعل الإعجاب بديلًا عن التثبت،
وألا نحمل الحكاية من أسرار النفوس ما لم تنقله.
كيف نمحص أخبار التاريخ دون الانخداع بالقصص؟
وُلد يزيد بن المُهَلَّبِ في عهد معاوية سنة ثلاث وخمسين للهجرة، وعاش حياة أمير تقلّب بين
الولاية والعزل والسجن، فنحن أمام خبر من أخبار السياسة والاجتماع في الدولة
الأموية، لا أمام موقف تعبدي محض، والذهبي، الذي أورد سخاءه، لم يحجب في بقية
ترجمته ما يؤخذ عليه؛ فلا يصح أن تتحول خصلة محمودة إلى تزكية شاملة للشخصية، كما
أن هذا الموضع لا يسوق إسنادًا متصلًا للقصة، فلا يكون مجرد إيرادها حكمًا بصحة
جميع تفاصيلها.
وقد عدّ ابن
خلدون معرفة طبائع العمران من وسائل تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها(3)،
ليكون النظر في الرواية مصحوبًا بفهم أحوال الناس وإمكان الوقائع، لا بالاستسلام
لجمال الحكاية وحده.
ومن هنا تبدأ القراءة المنصفة؛ نستخرج المعنى الذي يحتمله الخبر، ونميز بين الواقعة المنقولة والتفسير المحتمل، وهذا أدب نحتاج إليه كذلك في تداول القصص الملهمة اليوم؛ فحسن مقصد الواعظ أو الكاتب لا يعفيه من مسؤولية التوثيق.
كيف تحافظ على أخلاقك تحت ضغط المعاناة؟ يزيد بن المهلب نموذجاً
يمكن قراءة
استمرار يزيد بن المُهَلَّبِ في العطاء بوصفه مقاومةً لاختزال شخصيته في حال
الأسر؛ فالسجن يقيّد الحركة، لكنه لا يحدد بالضرورة كل استجابة يصدرها الإنسان، ومع
ذلك، لا يتيح النص تشخيص حالته النفسية، ولا الجزم بأنه قصد إرباك الحجاج أو
تجريده من الشعور بالانتصار.
والمعيار الشرعي
الأوضح للقوة الداخلية قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد
الذي يملك نفسه عند الغضب»(4)، قال ابن بطال: دلّ هذا على أن مجاهدة
النفس أشد من مجاهدة العدو(5)، فالقوة هنا ليست انعدام الألم،
وإنما ألا ينفرد الألم بقيادة السلوك.
وفي البيت
والعمل قد يتمثل هذا المعنى في أبٍ أنهكته الضغوط فلم يظلم أبناءه، أو مسؤول واجه
الإساءة فلم يتخذها عذرًا لإهانة من تحت يده، وليس من الإنصاف أن نطالب المتألم
بإخفاء ألمه؛ وإنما نعينه على حفظ اختياره وكرامته.
لماذا يختبر العطاء في أوقات الشدة والضيق؟
يلفت الخبر إلى
أن الكرم لم يتوقف عند تبدل الحال، وهذا يفتح باب التأمل في الفرق بين خُلقٍ يلازم
صاحبه، وسلوكٍ لا يظهر إلا حين تتسع الموارد وتغيب المخاطر، قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي
السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) (آل عمران: 134)، أي في الشدة والرخاء والمنشط
والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ
وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) (البقرة: 274)؛ والمعنى أنهم لا يشغلهم
أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم
بأنواع البر(6).
والاستشهاد
بالآية لتقرير قيمة الإنفاق في الشدة، لا للحكم بأن عطاء يزيد بن المُهَلَّبِ
للأخطل كان صدقة مقبولة؛ فالخبر يذكر العطية والمدح، ولا يكشف النية.
وفي حياتنا لا
يلزم أن يكون السخاء مالًا كثيرًا؛ فقد يكون وقتًا يبذله معلم لطالب متعثر، أو
مواساة يقدمها صاحب همّ لمن أثقله الهم، والمغزى ألا نؤجل كل إحسان حتى تزول
متاعبنا؛ فقد تبقى لنا، وسط الضيق، مساحة نستطيع أن ننفع بها غيرنا.
ميزان العطاء بين طلب السمعة وحفظ الواجبات
الإعجاب بالعطاء
يحتاج إلى ميزان؛ فليست كثرة الإنفاق دليلًا كافيًا على فضيلته، والسؤال لا يقتصر
على مقدار ما بُذل، بل يشمل موضعه، والحقوق التي قد يزاحمها، والغاية التي يُطلب
بها.
يقول الغزالي:
فالجود وسط بين الإسراف والإقتار.، ويجعل البذل والإمساك تابعين لما ينبغي، لا
لمجرد الرغبة في الإنفاق أو الحبس(7)، وعلى هذا الميزان، لا تسمح
الحكاية وحدها بحكم تفصيلي على عطية يزيد؛ إذ لا تذكر مجموع ماله ولا الحقوق
المتعلقة به، لكنها لا تصلح أيضًا ذريعة لتمجيد الإنفاق بلا حدود.
وفي واقع
المؤسسات والأسر، ينبغي ألا تتحول الرغبة في السمعة الحسنة إلى منافسة على مظاهر
البذل، بينما تتأخر الحقوق الأساسية، فكرم الأب لا يُقاس بإعجاب ضيوفه مع تضييع
حاجات أسرته، وسخاء المسؤول لا يتحقق بصرف الموارد على المديح، إنما يستقيم الجود
حين تصحبه أمانة وحسن تقدير.
كيف تدار الأزمات بالموازنة بين المفاسد والأضرار؟
طلب يزيد بن
المُهَلَّبِ تخفيف الضرب مقابل المال، ويمكن فهم هذا الطلب في ضوء الموازنة بين
الأضرار: فقد تكون خسارة بعض المال أهون من استمرار الأذى البدني، ولا يلزم أن
يكون كل تنازل مادي انكسارًا أخلاقيًا.
يقول العز بن
عبدالسلام في اجتماع المفاسد: وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل
فالأرذل(8)، وهذه قاعدة للموازنة المنضبطة، لا ترخيص مفتوحًا لتبرير كل
تصرف باسم الضرورة، أما تساوي المبلغ المعروض لتخفيف الضرب مع عطية الأخطل، فيصنع
مفارقة لافتة، لكنه لا يثبت أن سلامة الجسد والسمعة كانتا متساويتين في ذهن يزيد؛
فتساوي الأرقام لا يكشف وحده ترتيب الدوافع، كذلك يخبر النص بفراره لاحقًا، ولا
يشرح خطة الهروب أو يربطها بالعطاء.
ومن هنا يظهر
وجه نافع للقيادة في الأزمات: تحديد ما يجب حمايته أولًا، وما يمكن احتمال خسارته،
بدل التضحية بالناس للمحافظة على صورة الصلابة، فالمرونة في الوسائل قد تحفظ
القدرة على التعافي، متى بقيت محكومة بالحقوق والمبادئ.
دور الإعلام والتأثير في صناعة السمعة الاجتماعية
لم يكن الآخذ في
الحكاية شخصًا عابرًا، بل شاعرًا مدح الأمير، وهذا الحضور يفتح احتمال انتقال
الموقف من واقعة محدودة إلى خبر تتناقله الألسنة؛ دون أن يثبت وجود حملة مقصودة أو
خطة إعلامية محكمة.
وقد وصف ابن
سلام الجمحي منزلة الشعر فقال: وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان علمهم
ومنتهى حكمهم، بِهِ يَأْخُذُونَ وَإِلَيْهِ يصيرون(9)، وحضور الأخطل في
خبر يزيد بن المُهَلَّبِ يذكّر بهذه الصلة بين الشعر وحفظ أخبار الناس وصورهم
الاجتماعية.
ويكمن الجمال
الأدبي للمشهد في التقابل بين يدٍ مقيدة ويدٍ معطية؛ بين ضيق المكان واتساع البذل،
غير أن جمال الصورة لا ينبغي أن يحجب السؤال عن حقيقة الفعل وموازينه.
وفي زمن الاتصال
الواسع، يمكن أن يتحول موقف إنساني إلى عنوان يُعرف به صاحبه، والأجدر بالمربي
والقائد أن يعتنيا بصدق الموقف قبل انتشاره؛ فالمطلوب ليس اختراع مشاهد تستجلب
الثناء، بل بناء سلوك يمكن الدفاع عنه حتى حين تغيب الكاميرات، السمعة المنشودة
ثمرة لعمل مسؤول، لا بديل عنه.
كيف نمنع الخصومة من إسقاط حقوق المخالفين؟
الدعاء الوارد
في النص منسوب إلى الحجاج، لا إلى يزيد، وهو، على فرض ثبوته، لا يكفي لإثبات تحول
نفسي شامل، أو توبة مكتملة، أو براءة أحد الطرفين، كما أن المصاهرة المذكورة لم
تمنع وقوع الأذى في الرواية؛ ولذلك لا يصح افتراض أنها صنعت حماية ناجحة.
والميزان الأثبت
هو قوله تعالى: (وَلَا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
لِلتَّقْوَى) (المائدة: 8)، فالدعاء ينبغي أن يصحبه التثبت والكف عن
العدوان، والخصومة لا تبيح إسقاط الحقوق، وهذا المعنى يراجع به المدير قراره في
موظف يخالفه، والمعلم حكمه على طالب يزعجه، والكاتب موقفه من خصم فكري، وليس العدل
أن نستحسن كل أفعال من أحببناه، بل أن نحفظ له حقه وننقد خطأه، ونفعل الأمر نفسه
مع من نختلف معه.
آلية استخراج المبادئ العملية من التراث الإنساني
لا تتحول
الحكاية إلى تربية بمجرد الإعجاب بها؛ بل حين نعرف ما يصلح نقله منها إلى واقعنا،
وما يظل مرتبطًا بظروفها، فليس المطلوب تقليد مقدار العطية، أو البحث عن استجابة
تربك الخصم، وإنما بناء تصرف يجمع بين حفظ النفس وحسن الخلق ورعاية الحقوق.
يقول الشاطبي:
النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا(10)، وهو أصل يذكّر بأن
تقدير الفعل لا ينفصل عن النظر فيما يؤول إليه، وأن حسن المقصد وحده لا يغني عن
تبصر العاقبة.
وفي التنزيل
التربوي، يمكن للوالدين أن يربطا العطاء بالاستطاعة لا بالمباهاة، وللمعلم أن يعرض
سير الشخصيات بمحاسنها وحدودها، وللمسؤول أن يحمي كرامة العاملين حين تضيق الموارد،
وقبل اتخاذ قرار في أزمة، يحسن أن نسأل: أي حق نحفظ؟ وأي ضرر ندفع؟ وهل نخدم قيمة
حقيقية، أم نحاول فقط المحافظة على صورة نحب أن يرانا الناس فيها؟ هكذا يصبح الخبر
معينًا على التفكير، لا وصفة جاهزة تُفرض على كل ظرف.
كيف نجمع بين ثبات الأخلاق والبصيرة في الأزمات؟
في تعليقه على
أخبار يزيد، نقل الذهبي النظر من تقلب المناصب والمساكن إلى المآل الأخير، فقال:
فهل من عامر لدار مقره(11).
وتلك زاوية تُكمل قراءة المشهد؛ فليست العبرة أن يبقى اسم الإنسان مقرونًا بعطية مدهشة فحسب، بل أن يستقيم ما يبذله وما يمسكه على ميزان صحيح، نحتاج إلى سخاء لا يبدد الحقوق، وثبات لا يحوّل الألم إلى قسوة، وعدل لا يتغير بتغير المحبة والخصومة، ومن خبر يزيد بن المُهَلَّبِ يمكن أن نخرج بهذا السؤال العملي: حين تضيق بنا الظروف، كيف نحفظ خير ما فينا، من غير أن نفقد البصيرة بما علينا؟
الهوامش
- 1 يَزِيْدُ بنُ المُهَلَّبِ بنِ أَبِي صُفْرَةَ أَبُو خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، الأَمِيْرُ، أَبُو خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، وَلِي المَشْرِقَ بَعْدَ أَبِيْهِ، ثُمَّ وَلِي البَصْرَةَ لِسُلَيْمَانَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ، ثُمَّ عَزَلَهُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ بَعَدِيِّ بنِ أَرْطَاةَ، وَطَلَبَهُ عُمَرُ، وَسَجَنَهُ، رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ؛ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ، مَوْلِدُهُ: زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِيْنَ، قُتِلَ عَنْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً، سير أعلام النبلاء (4/ 503).
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 503).
- 3 مقدمة ابن خلدون (1/ 48).
- 4 متفق عليه، أخرجه البخاري (6114)، ومسلم (2609).
- 5 شرح صحيح البخاري: ابن بطال (9/ 296).
- 6 تفسير ابن كثير (2/ 103).
- 7 إحياء علوم الدين (3/ 259).
- 8 قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 93).
- 9 طبقات فحول الشعراء (1/ 24).
- 10 الموافقات (5/ 177).
- 11 سير أعلام النبلاء (4/ 506).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً