المروءة وثبات القيم

كيف نكافئ المعروف؟ موقف يزيد بن المهلب بن أبي صفرة

رسم تصويري يجسد طريقة يزيد بن المهلب في مكافأة أصحاب المعروف.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، أن يَزِيد بن المُهَلَّب هَرَبَ مِنَ الحَبْسِ، وَقَصَدَ عَبْدَالمَلِكِ، فَمَرَّ بِعُرَيْبٍ فِي البَرِّيَّةِ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: اسْتَسْقِنَا مِنْهُم لَبَناً، فَسَقَوْهُ، فَقَالَ: أَعْطِهِم أَلْفاً، قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْرِفُوْنَكَ، قَالَ: لَكِنِّي أَعْرِفُ نَفْسِي(1).

قد يخرج الإنسان من منصبه، وتفارقه أسباب القوة التي اعتادها، وتتبدل نظرة الناس إليه، فإذا به أمام امتحان لا يتعلق بما يملك، وإنما بما بقي في نفسه من مبادئ وأخلاق، وفي مثل هذه اللحظات تظهر المسافة بين المكانة التي تصنعها الظروف، والمكانة التي يصنعها الخلق الراسخ.

هذا المعنى هو الذي تستدعيه الحكاية التي أوردها الذهبي عن يزيد بن المهلب؛ إذ اجتمعت فيها قسوة الحبس، ومخاطر الفرار، وبساطة الضيافة، وسخاء المكافأة، ثم جاءت جملة قصيرة لتكشف الفكرة التي تنتظم الموقف كله: «لكني أعرف نفسي».

كيف تكشف الشدة معادن الرجال؟ يزيد بن المهلب نموذجاً

كان يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، المتوفى سنة 102هـ، من أشهر القادة والولاة في العصر الأموي، وقد نشأ في بيت عُرف بالحرب والقيادة والنفوذ، وتولى مناصب بارزة في المشرق الإسلامي، كما تعرض لتقلبات سياسية شديدة انتهت بمقتله في صراعه مع السلطة الأموية.

وذكر الذهبي في ترجمته أن الحجاج بن يوسف عزل يزيد بن المهلب وعذبه ثم اعتقله، وأنه هرب من حبسه، وأشار إلى ما اشتهر عنه من السخاء والشجاعة، ثم ساق حكاية الأعراب بصيغة «وقيل»؛ وهي صيغة لا تفيد بذاتها ثبوت الخبر، ولا سيما أنه لم يسق له إسنادًا في هذا الموضع.

وهنا تظهر ملاحظة تاريخية مهمة؛ فالذهبي ذكر في الرواية أنه قصد عبدالملك، بينما نقل ابن خلكان عن الحافظ ابن عساكر أن يزيد بن المهلب هرب من الحجاج قاصدًا سليمان بن عبدالملك، وكان يومئذ بالرملة، وأنه اجتاز في طريقه بأبيات من العرب، فأمر غلامه أن يعطيهم ألف درهم(2).

وتبدو رواية ابن خلكان في تحديد المقصود بالسفر أوفق بالسياق المعروف لهرب يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبدالملك.

أما من جهة الدلالة، فإن المشهد ـ على فرض وقوعه ـ يصور رجلًا فقد الأمان السياسي، لكنه لم يرد أن يفقد ما اعتاده من طريقة في معاملة الناس.

لقد كان الحبس قيدًا على حركته، ولكنه لم يكن بالضرورة قيدًا على اختياراته الأخلاقية، وكان الفرار سببًا للحذر، لكنه لم يمنعه -كما تصوره الرواية- من مكافأة من أحسن إليه.

وهذه صورة يمكن الاستفادة منها في فهم علاقة الإنسان بأزماته: فالأزمة قد تغير قدرته على التصرف، لكنها لا تستلزم أن يتخلى عن الصدق أو الوفاء أو شكر المعروف.

وفي واقعنا المعاصر قد يفقد المرء منصبًا، أو يخسر تجارة، أو تضيق عليه سبل الرزق، فيجد نفسه أمام سؤال مشابه: هل كانت أخلاقه مرتبطة بما يملكه من سلطة ومال، أم أنها صفات يحرص عليها في حال القوة والضعف؟

لماذا تتجاوز المروءة حدود الاعتراف الاجتماعي بالفضل؟

تكمن قوة العبارة في أن يزيد بن المهلب لم يجعل معرفة الأعراب به شرطًا للعطاء؛ فالغلام يحتج بأنهم لا يعرفون مكانة الرجل الذي يشرب لبنهم، بينما يحيل يزيد بن المهلب الحكم إلى معرفته بنفسه.

والفرق بين المنظورين دقيق؛ فالأول ينظر إلى الاعتراف الاجتماعي بوصفه مبررًا للإنفاق، والثاني ينظر إلى ما ينبغي للإنسان أن يفعله بحسب المعيار الذي ألزم به نفسه.

وهذا يقربنا من مفهوم المروءة الذي اعتنى به علماء الأخلاق والسلوك، قال الإمام ابن القيم في تعريفها: «وحقيقة المروءة تجنب الدنايا والرذائل، من الأقوال، والأخلاق، والأعمال»، ثم ذكر أن مروءة المال تكون بإصابته مواضع البذل المحمودة عقلًا وعرفًا وشرعًا(3)، فالمروءة ليست شعورًا بالتفوق على الناس، ولا ادعاءً لفضل النفس، وإنما هي التزام عملي بالأخلاق التي تحفظ للإنسان استقامته وكرامته.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ لأنه يمنع المبالغة في قراءة الحكاية، فلا نستطيع أن نحكم من موقف واحد على جميع أحوال يزيد بن المهلب، لكننا نستطيع أن نرى في عبارته مثالًا لما تكون عليه الأخلاق حين تتحول إلى معيار يرجع إليه صاحبها.

وفي الأسرة والعمل والتعليم تظهر هذه المروءة عندما يلتزم الإنسان بالعدل وإن غابت الرقابة، ويحفظ الأمانة وإن لم يعرفه أحد، ويصدق وإن لم يكن في الصدق مكسب عاجل؛ فالخلق الذي يحتاج في كل مرة إلى جمهور يراه وثناء يسمعه، لا يزال محتاجًا إلى مزيد من التربية والرسوخ.

لماذا تقاس مكافأة المعروف بالأثر لا بالثمن؟

لم تكن شربة اللبن في الرواية سلعة فاخرة، وإنما كانت استجابة لطلب مسافر يمر بالبرية، ومع ذلك لم ينظر يزيد بن المهلب إلى ما قدمه الأعراب من جهة ثمنه وحده، بل قابل إحسانهم بعطاء عظيم، والتفاوت بين قيمة اللبن ومقدار المكافأة يفتح بابًا للنظر في معنى الوفاء للمعروف، فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يَشْكُرُ الله من ‌لا ‌يَشْكُرُ ‌النَّاس»(4)، فالحديث يقرر أصلًا أخلاقيًا مهمًا، وهو أن شكر المخلوق على إحسانه من الأخلاق التي لا يستغني عنها من يريد تحقيق شكر الخالق، ولا يلزم من شكر المعروف أن تكون المكافأة مساوية لقيمته السوقية، فقد يكون المعروف يسيرًا في مادته، عظيمًا في أثره على صاحبه.

وقد سئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة، فقال: «العقل يأمرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل»(5)، وهذا القول لا يضع العقل في مواجهة الأخلاق، وإنما يلفت النظر إلى أن حساب المنفعة وحده قد لا يستوعب جميع الاعتبارات الإنسانية.

فقد تكون مكافأة رجل أنقذك في موقف صعب أكبر من قيمة الجهد الذي بذله، وقد يكون الوفاء لمعلم قديم أو عامل أمين أو صديق وقف معك في محنة أوسع من مقتضيات التعامل المادي المجرد.

غير أن المروءة لا تعني إهدار المال أو إغفال الحقوق؛ فالكرم المحمود هو الذي يجمع حسن المقصد بحسن التصرف.

ومن هنا فإن أجمل ما نستخرجه من الخبر ليس وجوب المبالغة في المكافأة، بل ضرورة ألا تختزل قيمة المعروف في ثمن ما قُدم، وألا تجعل ضآلة العطاء المادي سببًا في ضآلة الشكر والامتنان.

كيف تجعل عطاءك خالصاً لوجه الله تعالى؟

حين قال الغلام: «إن هؤلاء لا يعرفونك»، فقد أشار إلى أمر قد يؤثر في قرارات الناس؛ ما جدوى العطاء الكبير إذا كان المتلقي لا يعرف مكانة المعطي ولا يستطيع أن ينشر فضله؟ وجاء جواب يزيد بن المهلب ليحول مركز النظر من معرفة الناس إلى سلوك الإنسان نفسه.

وهذا المعنى يفتح بابًا لفهم إحدى آفات الإحسان، وهي ربطه الدائم بالمكافأة المعنوية أو بالمكانة الاجتماعية، قال الله تعالى في وصف الأبرار: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ ‌لِوَجْهِ ‌اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) (الإنسان: 9)، قال الطبري في تفسيرها إنهم يطعمون ابتغاء رضا الله والقربة إليه، ولا يريدون ممن يطعمونهم ثوابًا ولا شكرًا(6)، والآية تؤسس لمقام أعلى من مجرد المحافظة على الصورة الاجتماعية؛ إذ تجعل غاية الإحسان رضا الله، لا اعتراف الناس.

ولابن القيم كلام دقيق في هذا الباب، إذ عد من مروءة الإحسان؛ ‌تعجيله ‌وتيسيره وتوفيره، وعدم رؤيته حالَ وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه(7)، وهذا يضع أمام الإنسان معيارًا لتقويم عطائه: هل يساعد المحتاج لأنه محتاج فعلًا، أم لأنه سيعلن اسمه؟ وهل يحسن إلى العامل البسيط كما يحسن إلى صاحب الجاه؟ وهل يتغير كرمه بحسب قدرة الطرف الآخر على رد الجميل؟

وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يسهل فيه تحويل كل مبادرة إحسان إلى مادة للنشر، تصبح الحاجة أشد إلى إحياء أعمال الخير التي يؤديها الإنسان ولو لم تُلتقط لها صورة، أو يكتب عنها خبر، أو يسمع صاحبها كلمة ثناء، فليس كل عمل صالح محتاجًا إلى جمهور، ولا كل إحسان صامت قليل الأثر.

أثر القدوة العملية في ترسيخ القيم القيادية

يتضمن الخبر حوارًا بين رجل اعتاد القيادة وغلام يتولى تنفيذ أمره، فالغلام ينظر إلى الموقف من زاوية المصلحة المباشرة؛ فالأعراب لا يعرفون يزيد بن المهلب، ومن ثم لا يرى سببًا ظاهرًا للعطاء الكبير، أما يزيد بن المهلب فينظر إلى المسألة من زاوية ما يريد المحافظة عليه من سلوك.

وهنا تكمن قيمة الموقف التربوية؛ إذ لم يقدم يزيد بن المهلب لغلامه موعظة مطولة عن المروءة، وإنما صدر عنه أمر عملي، ثم جاءت الجملة الأخيرة تفسيرًا موجزًا له.

وتتصل هذه الصورة بما قرره ابن القيم عند حديثه عن مراتب المروءة، فقال في أول درجاتها: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يحملها قسرًا على ما يجمل ويزين، وترك ما يدنس ويشين، ليصير لها ملكة في العلانية(8)، فالتربية تبدأ من إلزام الإنسان نفسه بما يراه حقًا، حتى تصبح الأخلاق المستحسنة مألوفة في سلوكه، ثم ينتقل أثرها إلى من يرافقونه ويعيشون معه.

ولهذا يكون تأثير الأب الذي يفي بوعده أبلغ من كثرة حديثه عن الوفاء، ويكون تأثير المعلم الذي ينصف طلابه أعمق من محاضراته عن العدل، ويكون تأثير المدير الذي يحفظ حقوق العاملين في الأزمات أقوى من الشعارات التي يرفعها عن قيم المؤسسة.

وتزداد أهمية القدوة حين يكون القائد في موضع التأثير والتوجيه؛ لأن سلوكه لا يظل محصورًا في شخصه، بل قد يتحول إلى معيار يحتكم إليه من حوله، وقد تنبه ابن خلدون إلى هذه الحقيقة حين تحدث عن اقتداء الرعية بالملك؛ فقال: الملك غالب لمن تحت يده والرّعيّة مقتدون به ‌لاعتقاد ‌الكمال ‌فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلّمين بمعلّميهم(9)، وهو معنى يمكن الإفادة منه في فهم أثر سلوك القائد في تشكيل ثقافة الجماعة، وترسيخ القيم التي تتكرر أمام أفرادها في المواقف العملية.

لكن ينبغي هنا ضبط مفهوم القيادة؛ فالسخاء وحده لا يكفي للحكم بكفاءة القائد، ولا يصح أن تتحول تصرفاته الرمزية إلى بديل عن حسن الإدارة.

المقابلة البلاغية بين معرفة الإنسان نفسه ومعرفة الآخرين له

من الخصائص الأدبية اللافتة في الرواية أن الجملة الأخيرة قصيرة جدًا، لكنها تحمل التحول الأساسي في الحوار، فالغلام يقول: «إن هؤلاء لا يعرفونك»، ويجيبه يزيد بن المهلب: «لكني أعرف نفسي».

وتقوم قوة العبارة على المقابلة بين معرفتين: معرفة الآخرين بالإنسان، ومعرفة الإنسان بنفسه، فالمعرفة الأولى خارجية، قد تتبدل بانتشار الاسم أو غيابه، أما الثانية فهي في سياق الحوار معرفة بمعيار السلوك الذي يختاره الإنسان لنفسه.

ولفظة «لكن» تنقل الكلام من الحجة التي ساقها الغلام إلى المعنى الذي يريد يزيد بن المهلب تقريره، ثم تأتي إضافة النفس إلى ضمير المتكلم لتجعل المسؤولية شخصية مباشرة.

لقد كان بإمكانه -وفق التصوير الأدبي للخبر- أن يقول: نحن قوم نحب الكرم، أو هذا من شيم آبائنا، أو لا ينبغي لنا أن نبخل، لكنه اختار عبارة أقصر وأشد اتصالًا بذاته.

وتتحقق في العبارة قوة الإيجاز من جهتين؛ فهي أولًا جواب مباشر عن الاعتراض، وهي ثانيًا تترك للقارئ استنتاج المعنى الأوسع دون شرح مطول.

كيف تتحول المروءة إلى سلوك يومي؟

تكشف هذه القراءة أن القيمة التربوية الأساسية في حكاية يزيد بن المهلب ليست في ضخامة الألف وحدها، بل في العلاقة بين ما يؤمن الإنسان أنه ينبغي له فعله، وبين الطريقة التي يتصرف بها حين تتبدل الظروف، وهذا المعنى يمتد إلى ميادين الحياة المختلفة.

  • ففي الأسرة تظهر المروءة حين لا تجعل الخلافات المالية أو الضغوط النفسية سببًا لإسقاط الاحترام المتبادل، وحين يرى الأبناء أن الصدق والوفاء والإحسان قواعد تحكم البيت في أيام السعة والضيق.
  • وفي التعليم تظهر عندما يتعامل المعلم مع الطلاب بميزان واحد، فلا يحسن إلى أبناء أصحاب النفوذ ويهمل غيرهم، ولا يجعل تقديره للطالب تابعًا لمكانة أسرته الاجتماعية.
  • وفي الدعوة تظهر حين يكون إحسان الداعية إلى الناس سابقًا لانتظار استجابتهم، وحين يجد المختلف معه حسن الخلق كما يجده الموافق له.
  • وفي العمل تظهر حين يحفظ المسؤول كرامة العاملين في أوقات الأزمات، ويشكر جهودهم وإن لم يكونوا من أصحاب المناصب العليا، ولا يستغل حاجتهم ليهضم حقوقهم.
  • وفي الإعلام تظهر حين يقاوم الإنسان إغراء تحويل كل عمل خير إلى استعراض، مع إدراك أن إظهار بعض الأعمال قد يكون مشروعًا ونافعًا إذا قصد به الاقتداء أو التشجيع على الخير، وسلم من المحاذير.

والجامع بين هذه التطبيقات أن المروءة لا تتحقق بالشعارات، بل بتكرار أفعال صغيرة تتراكم حتى تصبح منهجًا في التعامل.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (4/ 503).
  • 2 وفيات الأعيان (6/ 280).
  • 3 مدارج السالكين (3/ 105).
  • 4 سنن أبي داود بسند صحيح (4811).
  • 5 أدب الدنيا والدين، ص 318.
  • 6 تفسير الطبري (24/ 98).
  • 7 مدارج السالكين (3/ 105).
  • 8 المرجع السابق (3/ 106).
  • 9 مقدمة ابن خلدون (1/ 185).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة