الحركات الصهيونية الجديدة وجوه وأجندات (12)
«ريغافيم».. منسقة الحركات الاستيطانية مع الحكومة «الإسرائيلية»
في 8 سبتمبر
2026م، أصدر وزراء خارجية 11 دولة أوروبية وكندا بيانًا مشتركًا أعلنوا فيه نيتهم
فرض قيود على التجارة مع المستوطنات، ردًا على إعلان السلطات الصهيونية مناقصة
لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية شرق مدينة القدس المحتلة، ضمن المشروع المعروف بـ«E1»، معتبرين
أنه يقوّض إمكانية حل الدولتين.
وتعليقًا على
ذلك، رفضت منظمة «ريغافيم» الصهيونية هذا الإعلان، واصفة إياه بأن بمثابة تدخل في
السيادة «الإسرائيلية»، متهمة بريطانيا باتباع سياسة معادية لـ«إسرائيل»، مطالبة
حكومة نتنياهو بوقف التدخل الأجنبي في المنطقة؛ وربما كانت هذه الحركة المنظمة
الوحيدة التي خرجت بالتعليق على ذلك الأمر؛ لتفتح أمامنا الباب للتعريف بهذه
المنظمة ومحاولة تسليط الضوء عليها.
«ريغافيم».. النشأة والأهداف ودورها في الاستيطان
بداية، «ريغافيم»
تعني 3 مصطلحات ومفاهيم مختلفة، وهي:
1- حركة صهيونية
استيطانية تعمل على الدعوة لنشر الاستيطان في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، ومنع
البناء الفلسطيني في الأراضي المصنفة «ج»، وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذا
التقرير.
2- اسم «كيبوتس»
أو قرية زراعية تقع شمال الأراضي المحتلة تحديدًا بالقرب من مدينة أم الفحم، وتم
إنشاؤها فوق أراض تابعة لقرية «قنير» الفلسطينية المهجرة عام 1948م، ويبلغ عدد
سكانها حوالي 671 نسمة وفقًا لإحصاءات التعداد العام لسكان «إسرائيل» للعام 2024م.
3- تعني اسم «ممر»،
حيث يعد «ممر ريغافيم» نقطة فحص أمني أقامها الجيش «الإسرائيلي» قرب معبر رفح
الحدودي بين قطاع غزة ومصر، لإخضاع القادمين إلى القطاع لتدقيق الهويات ومطابقتها
مع قوائم أمنية ضمن فتح محدود وتجريبي لمعبر رفح، بهدف قضم المزيد من الأراضي
الفلسطينية في القطاع من جانب، وتقليص عدد الفلسطينيين القادمين من مصر من جانب
آخر.
يعود أصل
التسمية «ريغافيم» إلى المعنى باللغة العبرية «كتل التراب» أو «العظام»، في إشارة
رمزية للتمسك بالعمل الزراعي والأرض، وهي كلمة جمع ومفردها «رِغِيف»؛ وتعني «كتلة
تراب واحدة»؛ كلمة لها أصل توراتي حيث وردت هذه الكلمة مرتين في العهد القديم،
وتحديدًا في سفر «أيوب»، فيما ارتبطت الكلمة في العصر الحديث بالترابط بين الأرض
والزراعة، لمزجها بين استصلاح الأراضي والارتباط بالتراب.
ولفتت «القناة
12» العبرية إلى أن اسم «رِغيف» يحمله كثيرون في الكيان للدلالة على الارتباط
بالأرض -بحسب المفهوم الصهيوني- منهم ميري ريغيف، وزيرة المواصلات الحالية، ومارك
ريغيف، سفير سابق للكيان الصهيوني لدى لندن، وآخرون.
ونشر الموقع
الإلكتروني للمنظمة أن المصطلح يعني حركة شعبية تأسست بهدف وضع أجندة يهودية
وصهيونية لدولة «إسرائيل» في جوانب الأرض والبيئة، وهدفها التأثير على جميع
الأنظمة والأجهزة الحكومية الصهيونية، ودفعها على العمل في ضوء المبادئ الصهيونية
الأساسية، وحماية أراضي ما تزعم أنها لـ«الشعب اليهودي» والكنوز والمناظر الطبيعية
لأرض «إسرائيل»، ومنع العناصر الأجنبية من السيطرة على هذه الموارد.
كما كتب أنها منظمة
غير ربحية تأسست بهدف وضع أجندة يهودية للحفاظ على أرض «إسرائيل» ومنع البناء
الفلسطيني عليها.
أثارت عملية
الانسحاب الأحادي الجانب من بعض مستوطنات الضفة الغربية وقطاع غزة، في العام
2005م، موجات غضب داخل الأوساط اليمينية في الكيان الصهيوني، وهو ما شجع شخصيات
يمينية متطرفة، آنذاك، إلى البحث عن حلول جديدة وأفكار مضادة.
وجاء ذلك ردًا
على الزعم بارتفاع مؤشرات السلام في الداخل «الإسرائيلي»، خاصة مع النشاط الملحوظ
لحركة «السلام الآن»، وهنا ولدت فكرة تدشين منظمة «ريغافيم» في محاولة لوقف طرد
المستوطنين من الكرافانات التي أقيمت في أنحاء واسعة من الضفة، خلال عامي 2006 -
2007م.
وبحسب صحيفة «ماقور
ريشون» العبرية، في 18 مارس 2015م، أسس بتسلئيل سموتريتش، الذي أصبح وزيرًا
للمالية حاليًا برفقة يهودا إلياهو، حركة «ريغافيم»، حتى تكون ردًا مضادًا
للمنظمات اليسارية التي هيمنت على السياسات الحكومية «الإسرائيلية» في العقود
الأخيرة.
مع التنويه بأنه
لم ترد أي إشارة إلى مصادر تمويل الحركة أو كيفية تلقيها الدعم المادي، سواء داخل
الكيان الصهيوني أو خارجه.
في 17 أكتوبر
2026م، أكد الموقع العبري «سيروغيم» أن سموتريتش، قد وعد في مايو الماضي، بهدم
قرية الخان الأحمر، دون جدوى، حتى الآن، وهذه القرية عبارة عن تجمع سكاني بدوي
فلسطيني يقع في محافظة القدس على الطريق السريع (رقم 1) بين مدينتي القدس وأريحا.
فيما تعد عملية
توثيق أنشطة البناء التي يقوم بها الفلسطينيون على أراضي الدولة في الضفة والقدس
ومحاربة البناء الفلسطيني في الأراضي «ج» باعتباره قرصنة على الموارد الطبيعية
للكيان الصهيوني، أهم أهداف تلك الحركة.
فكان طبيعيًا أن
ترسل الحركة تحذيرًا لحكومة نتنياهو بشأن ما زعمته حول استيلاء السلطة الفلسطينية
على أراضي إسرائيل في موقع أثري شمال الضفة الغربية، وهو ما رصده الموقع «سيروغيم»،
في 2 يونيو الماضي، مطالبة بالوقف الفوري للتعديات الفلسطينية على الموقع الذي
ادعت أنه يعود إلى ألفي عام مضت.
ريغافيم وسموتريتش.. خلافات تكشف اتساع نفوذ الحركة
الغريب أن
الحركة انقلبت على مؤسسها سموتريتش منذ توليه مهام منصبه في نوفمبر 2022م، خاصة مع
ادعائها بأنه تخلى عن مبادئ المنظمة المتطرفة بدعوى مساعدته على بناء متنزه
فلسطيني باسم «سما بتير» بمحافظة بيت لحم، وهو ما رصده الموقع العبري «كيباه»، في
16 سبتمبر 2025م.
رفعت «ريغافيم»
دعوى إدارية أمام محكمة القدس المركزية ضد عدد من الجهات الصهيونية، من بينها وزير
الدفاع يسرائيل كاتس، وسموتريتش، للمطالبة باتخاذ إجراءات فورية ضد مجمع سياحي
فاخر، يضم مطعمًا وحديقة للمناسبات و3 بيوت ضيافة، بزعم أنها دشنت بشكل غير قانوني
على أرض تابعة للدولة!
وهو ما يتسق مع
رفضها للتوسع السكاني الفلسطيني في مدينة أم الفحم، حيث نشرت «كالكاليست» العبرية،
في 10 فبراير 2026م، أن «ريغافيم» الاستيطانية قدمت التماسًا إلى المحكمة المركزية
في حيفا ضد مخطط في المدينة، بزعم أنه سيمنح شرعية لواقع عمراني قائم لصالح
الفلسطينيين.
مستقبل الحركة
في واقعة هي
الأولى من نوعها، أكدت صحيفة «معاريف» العبرية، في 9 أغسطس 2026م، أن «ريغافيم»
ورئيسها التنفيذي، مئير دويتش، رفعت دعوى قضائية غير مسبوقة أمام محكمة العدل
التابعة للاتحاد الأوروبي للمطالبة بالرفع الكامل للعقوبات التي فرضها الاتحاد
عليهما في مايو 2026م، واصفة تلك الدعوى بأنها أول إجراء قانوني يُرفع من قِبل
منظمة أو حركة أو مواطن «إسرائيلي» ضد العقوبات الأوروبية.
ويبدو أن رؤية
صحيفة «هاآرتس» تجاه المنظمة كان صحيحًا، إذ نشرت في 19 أبريل 2024م، أن «ريغافيم»
تحولت من منظمة منفردة إلى منظمة «أم» تشرف على التناغم بين العديد من المنظمات
الاستيطانية الصغيرة التي تعمل إما تحتها، أو بالموازاة معها.
وتطورت من منظمة
غير حكومية تركز على التأثير على توسع المستوطنات «الإسرائيلية» إلى عقل مخطط
وذراع تنفيذي له دور أكثر مركزية داخل مشروع الاستيطان في «إسرائيل».
وهو ما يعني أن
اسم «ريغافيم» سيتردد كثيراً مستقبلاً، بعدما وضعت نفسها كمنسق بين المنظمات
الصهيونية المتطرفة من جانب، والأجهزة والهيئات الحكومية من جانب آخر، بهدف إعادة
تشكيل المشهد الجيوغرافي في الضفة والقدس المحتلة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً