من عالم الحيوان إلى وعي الإنسان..
كيف نواجه ضغط الجماعة؟ رواية عمرو بن ميمون
أورد الذهبي
عَنْ أَبِي بَلْجٍ، وَحُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ قَالَ: «رَأَيْتُ فِي
الجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ، فَرَجَمُوْهَا
فَرَجَمْتُهَا مَعَهُم»(1).
يروي التابعي
الجليل عمرو بن ميمون هذا الخبر عن مشهد رآه في الجاهلية، قبل إسلامه، حين شاهد
جماعة من القردة تجتمع على قردة فرجموها، فشاركهم في ذلك، وقد أخرج البخاري هذا
الخبر في صحيحه تعليقًا في كتاب «المناقب»(2).
وجاء أيضًا في
كتب «الأخبار والآثار» بألفاظ متقاربة، وهذا النوع من الروايات يفتح بابًا للتأمل
في كيفية تعامل العلماء مع أخبار الحيوان، وحدود الاستدلال بها، وما يمكن أن
يستفاد منها في فهم الإنسان والفطرة والسلوك الاجتماعي، مع بقاء الفرق واضحًا بين
عالم الحيوان وعالم التكليف الشرعي.
ويمثل هذا الخبر
مشهدًا إنسانيًا كثيف الدلالة، لا بسبب غرابة الحادثة وحدها، بل بسبب ما يكشفه من
طبيعة الإنسان في تفاعله مع البيئة المحيطة به، ومن قابلية النفس البشرية للتأثر
بالمشهد الجمعي حين يغيب التحليل الواعي، والمقصود من قراءة هذا الأثر ليس محاكمة
موقف وقع في زمن الجاهلية قبل اكتمال منظومة التشريع الإسلامي، وإنما فهم كيف
تتشكل الاستجابات البشرية تحت تأثير الفطرة والبيئة والمجموعة.
وعمرو بن ميمون الأودي من كبار التابعين، وقد أدرك الجاهلية ثم أسلم، فكان في خبره شاهدًا على
انتقال الإنسان من مرحلة التلقي الفطري للواقع إلى مرحلة التهذيب المعرفي الذي
يصنعه الوحي والعلم، ومن هنا فإن الحادثة تصبح نافذة لفهم النفس البشرية، لا مجرد
قصة عجيبة من أخبار السابقين.
تأملات التابعين في سلوك الكائنات والسنن الكونية
أورد الذهبي في
نفس الموضع من كتابه رواية طويلة للمشهد عن عَمْرُو بنُ مَيْمُوْنٍ قَالَ: كُنْتُ
فِي حَرْثٍ، فَرَأَيْتُ قُرُوْداً كَثِيْرَةً قَدِ اجْتَمَعْنَ، فرأيت قردًا وقردة
قد اضَّطَجَعَا، ثُمَّ أَدْخَلَتِ القِرْدَةُ، يَدَهَا تَحْتَ عُنُقِ القِرْدِ،
وَاعْتَنَقَهَا وَنَامَا، فَجَاءَ قِرْدٌ، فَغَمَزَهَا، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ،
وَانْسلَّتْ يَدُهَا مِنْ تَحْتِ رَأْسِ القِرْدِ ثُمَّ انْطَلَقَتْ مَعَهُ غَيْرَ
بَعِيْدٍ فَنَكَحَهَا وَأَنَا أَنْظُرُ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَضْجَعِهَا
فَذَهَبَتْ تُدْخِلُ يَدَهَا تَحْتَ عُنُقِ القِرْدِ فَانْتَبَهَ فَقَامَ
إِلَيْهَا فَشَمَّ دُبُرَهَا، قَالَ: فَاجْتَمَعَتِ القِرَدَةُ، فَجَعَلَ يُشِيْرُ
إِلَيْهَا فَتَفَرَّقَتِ القِرَدَةُ، فَلَمْ أَلْبَثْ أَنْ جِيْءَ بِذَلِكَ
القِرْدِ بِعَيْنِهِ -أَعْرِفُهُ- فَانْطَلَقُوا بِهَا وَبِهِ إِلَى مَوْضِعٍ
كَثِيْرِ الرَّمْلِ فَحَفَرُوا لَهُمَا حُفَيْرَةً، فَجَعَلُوْهُمَا فِيْهَا،
ثُمَّ رَجَمُوْهُمُا حَتَّى قَتَلُوْهُمَا.
ولم يكن عمرو بن ميمون مجرد ناقل خبر، بل كان من كبار التابعين المعروفين بالعلم والعبادة، وقد
أدرك عددًا من الصحابة، ونقل عنهم العلم، ولذلك فإن قيمة الرواية لا تأتي فقط من
غرابة الحادثة، وإنما من كونها محفوظة عن رجل عُرف بالدقة في النقل والمشاهدة.
إن أخبار
الحيوان في كتب التراث لم تكن تُذكر دائمًا لمجرد الطرافة، بل كان العلماء ينظرون
إليها أحيانًا باعتبارها نافذة لفهم سنن الله في خلقه، فالإنسان حين يتأمل سلوك
المخلوقات من حوله يزداد إدراكًا لعظمة الخالق، كما قال الله تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) (الأنعام: 38)،
لكن هذه الآية لا تعني أن الحيوان يساوي الإنسان في التكليف والشرائع، وإنما تشير
إلى وجود أنظمة وأحوال في عالم المخلوقات تدل على حكمة الخالق وتدبيره.
كيف شكّلت البيئة طريقة تفكير الإنسان الجاهلي؟
كانت الجزيرة
العربية قبل الإسلام فضاءً يعتمد كثير من أبنائه على المشاهدة المباشرة والتجربة
اليومية في تفسير الظواهر من حولهم، وكان الإنسان يعيش قريبًا من الحيوان
والطبيعة، يراقب سلوك الكائنات ويستخلص منها صورًا ومعاني بحسب ما تتيحه له أدوات
المعرفة في زمانه.
حين رأى عمرو بن
ميمون مجموعة من القردة تجتمع على واحدة منها وترجمها، لم يكن أمامه إطار علمي
حديث لتحليل السلوك الحيواني، بل كان أمام مشهد حي يحمل في ظاهره صورة العقوبة
الجماعية، فانتقل من المشاهدة إلى المشاركة.
وهنا تظهر قيمة
المنهج الإسلامي الذي جاء لاحقًا بتربية العقل على التثبت والنظر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)، فالإنسان لا
يُطلب منه أن يكتفي بما يرى، بل أن يبحث عما وراء الظاهر.
وقد تعامل العرب
في الجاهلية مع مشاهد البيئة ومظاهر الطبيعة بطريقة بدائية مبنية على الملاحظة
المباشرة دون ميزان شرعي أو تثبت، حتى بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أشد
حال وأظلم فترة جاهلية، فجاء بالفرقان الذي ميّز به بين الحق والباطل، كما وصف ذلك
المقداد بن عمرو رضي الله عنه بقوله: «والله لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم على
أشد حال بعث عليه نبي من الأنبياء، في فترة وجاهلية، ما يرون دينا أفضل من عبادة
الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل»(3).
لماذا لا نبني الأحكام الشرعية على سلوك الحيوان؟
تعامل العلماء
مع هذا الأثر باعتباره خبر مشاهدة يرويه الصحابي الجليل عمرو بن ميمون عن زمن
الجاهلية، لا باعتباره دليلًا على أن الحيوانات تقيم الحدود الشرعية أو تفهم
الأحكام كما يفهمها الإنسان.
وقد ذكر الحافظ
ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عند الكلام على هذا الخبر أن المقصود منه بيان عجيب
ما يقع في المخلوقات، وأن وجود بعض صور الاجتماع أو العقوبة عند الحيوان لا يعني
أنها مبنية على تشريع أو تكليف(4).
وهنا يظهر الفرق
المهم بين «الفطرة» و«الشريعة»، فالفطرة قد تدفع بعض المخلوقات إلى سلوكيات توافق
بعض المعاني التي يستحسنها العقل البشري، كالدفاع عن الجماعة أو رفض بعض صور
الاعتداء، لكن التشريع الإلهي اختص به الإنسان المكرم بالعقل والوحي.
وفي واقع الناس
اليوم، تظهر أهمية هذا التفريق؛ إذ لا يصح أن تُبنى الأحكام الدينية على مجرد
ملاحظات أو قصص عجيبة، بل مرد الأحكام إلى القرآن والسُّنة وفهم العلماء.
لماذا ينجذب الإنسان إلى سلوك الجماعة؟
تكشف الحادثة
جانبًا مهمًا من علم النفس الإنساني؛ أن الإنسان كائن اجتماعي يتأثر بما حوله، وقد
يميل إلى موافقة الجماعة حتى قبل أن يدرس الفعل الذي تقوم به.
لقد رأى عمرو بن
ميمون حركة جماعية واضحة، فكان حضور العدد وقوة المشهد سببًا في توجيه السلوك، وهذه
ليست ظاهرة مرتبطة بزمن معين؛ فالإنسان المعاصر قد يقع في الصورة نفسها حين يتبنى
رأيًا لمجرد انتشار أصحابه، أو يشارك في موقف لمجرد أن الجميع يشاركون فيه.
ولهذا جاء
القرآن بتربية الفرد على الاستقلال الأخلاقي، فقال تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ
يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام: 116)، فالكثرة ليست معيار
الحق، كما أن القلة ليست دليل الخطأ، وإنما الميزان هو الدليل والبرهان، ومن هنا يظهر
أن أخطر ما يواجه الإنسان ليس جهل المعلومة فقط، بل فقدان القدرة على مراجعة ما
يفعله عندما تتحرك الجماعة في اتجاه معين.
ولهذا بيّن
النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين خطورة الاعتداد بالكثرة والانجراف خلف
الشعور الجمعي بالعدد، كما حدث حين أعجبت المسلمين كثرتُهم وقال بعضهم: «لَنْ نُغْلَبَ
الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ»(5)، فكانت هزيمة أولية وتشتت للناس حتى ثبت
النبي صلى الله عليه وسلم وأعاد تنظيمهم ليُعلّمهم أن العبرة بالحق والثبات وليست
بمجرد الانسياب مع الجمع.
كيف يحمي العقل والوحي الإنسان من التبعية؟
يفتح هذا الخبر
بابًا مهمًا للتأمل في الفرق بين عالم الغرائز وعالم التكليف، فالحيوانات تتحرك
وفق ما أودعه الله فيها من طبائع وغرائز، أما الإنسان فقد اختصه الله بالعقل
والاختيار وتحمل المسؤولية، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (الإسراء: 70)، ومن مظاهر هذا
التكريم أن الإنسان لا يعيش أسير الانفعال المباشر، بل يستطيع أن يسأل ويحلل
ويراجع.
ولهذا، فإن أعظم
ما يميز الإنسان ليس مجرد القدرة على التقليد، بل القدرة على التوقف قبل التقليد، فالعقل
المؤمن لا يكتفي بسؤال: ماذا يفعل الناس؟ بل يسأل: لماذا يفعلون؟ وهل هذا الفعل
قائم على حق أم على مجرد انفعال؟
ويظهر المفهوم
الإسلامي لتكريم الإنسان بالعقل وتحمله المسؤولية الشخصية ومراجعة الأفعال قبل
تقليد الآخرين، في حماية الإسلام للفرد من استغلال الغرائز أو التقليد الأعمى؛
ومثال ذلك موقف سلمان الفارسي رضي الله عنه قبل إسلامه، حيث لم يستسلم لما وجد
عليه قومه من عبادة النار والانسياق الغريزي والبيئي، بل أعمل عقله وبحث عن الحق
واستقل برأيه ورحل ينشد التكليف الرباني القائم على العقل والوحي، متجاوزاً ضغوط
والده وقومه(6).
وفي واقع
المؤسسات والأسرة والتعليم، تظهر أهمية هذه المعاني؛ فالتربية الناجحة لا تصنع
أفرادًا يكررون ما يسمعون، وإنما تصنع شخصيات قادرة على الفهم والنقد وتحمل
مسؤولية الاختيار.
كيف يدل صدق عمرو بن ميمون مع الماضي على نضج الشخصية؟
من أجمل ما في
رواية عمرو بن ميمون أنه نقل موقفًا من حياته الأولى بعد أن أصبح من أهل العلم
والرواية، فلم يمنعه مقامه العلمي من ذكر تجربة قديمة تبدو غريبة لمن يسمعها، وهذا
يكشف عن نوع من القوة النفسية؛ فالشخص الناضج لا يحتاج إلى صناعة صورة مثالية
زائفة عن ماضيه، بل يستطيع أن يعرض مراحل تطوره بصدق، فالإنسان لا يُقاس فقط بما
كان عليه، وإنما بما أصبح عليه بعد التعلم والهداية.
وقد أظهر
التابعي الجليل وغيره من الأعلام الصدق التام مع ماضيهم في الجاهلية دون وجل أو
تستر؛ ومن ذلك موقف سهيل بن عمرو رضي الله عنه بعد إسلامه، فلم يمنعه مقامه وحسن
إسلامه من ذكر موقفه السابق شديد الخصومة للإسلام في صلح الحديبية وموقفه ضد
المسلمين، بل صَدَق مع ماضيه وأقبل على العبادة والصوم والصلاة والبكاء عند سماع
القرآن، وكان يقول: «واللَّه لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلّا وقفت مع
المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها،
لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا»(7).
وهذا المعنى
ظاهر في سير كثير من العلماء؛ فقد كانوا يذكرون بدايات طلبهم للعلم، وأخطاءهم في
الفهم، ورحلات انتقالهم من حال إلى حال، لأن الاعتراف بمراحل النمو جزء من بناء
المعرفة.
كيف يدير القائد الناجح موقف العقل الجمعي؟
في الإدارة
والقيادة المعاصرة، يمثل هذا الخبر مثالًا مبكرًا على خطورة القرار الذي يصنعه
الانطباع الجماعي، فقد تتحول الجماعة إلى قوة تدفع الأفراد نحو أفعال لا يختارونها
لو كانوا منفردين، وهذا ما يسمى بالعقل الجمعي(8).
القائد الناجح
لا يكون مجرد شخص يتبع الاتجاه السائد، بل من يمتلك القدرة على فحص الاتجاه قبل
تبنيه، وفي الأزمات خصوصًا، يحتاج القائد إلى الفصل بين سرعة الاستجابة واندفاع
الاستجابة؛ فليس كل تحرك جماعي دليلًا على صحة الطريق.
وقد أثنى
الإسلام على أصحاب البصيرة الذين يستمعون ثم يميزون، قال تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِ {17} الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) (الزمر)، فاتباع أحسن القول يدل على التحري والانتقاء وحسن
التفحص ودراسة الحال والمآل، وهذه كله لا ينبع من شخص مقلد للآخرين أو سائر في
ركاب القوم دون تمييز.
وقد أظهر
الصحابي الجليل أبو بكر الصديق رضي الله عنه قدرته القيادية في مقاومة ضغط الجماعة
في بدايات توليه الخلافة، فعندما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق
الأعلى ظهر اتجاه يرفض قبول هذا الخبر، وسار فيه الناس بين متحدث وساكت يميل إلى
تصديق المتحدثين، لكن أبا بكر رضي الله عنه رفض ذلك، فحضر واستوثق من الوفاة، ثم
خرج إلى الناس يقول: «مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ
اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»(9).
وعندما ارتد من
ارتد من قبائل العرب، تولد اتجاه لعدم مقاتلتهم، رغبة في تحقيق الأمن والاستقرار،
لكن أبا بكر رضي الله عنه رفض هذا الاتجاه السائد، قائلاً: «وَاللهِ لَو مَنَعُونِي
عَنَاقًا مِمَّا كَانُوا يُعْطُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ»(10).
كيفية بناء الوعي الحر؟
تتجاوز دلالة
الخبر حدود الحادثة نفسها لتصل إلى سؤال حضاري: كيف يبني المجتمع أفرادًا يملكون
وعيًا مستقلًا؟
فالمجتمعات التي
تربي أبناءها على التحقق والنقاش تنتج طاقات قادرة على الإبداع والإصلاح، أما
المجتمعات التي تكافئ التقليد الأعمى فقد تتحول فيها الجماعة إلى مصدر ضغط يمنع
التصحيح.
وقد صنع النبي
صلى الله عليه وسلم أفراداً يملكون وعياً مستقلاً لا يذوبون في الحشد والجمع من
خلال الشورى واحترام العقل؛ ويظهر ذلك جلياً في موقف سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم
الخندق، فعندما اشتد البلاء وحاصر الأحزابُ المدينة، أراد النبي صلى الله عليه
وسلم مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة لتخفيف العبء عن الناس، واستشار السعدين (سعد
بن معاذ، وسعد بن عبادة)، فلم يذُب سعد بن معاذ في الموقف الحرج أو الرأي المعروض
لمجرد المداراة، بل سال بعقل مستقل وبصيرة: «يا رسول الله؛ أمراً تحبه فنصنعه؟ أم
شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئاً تصنعه لنا؟» فلما علم أنه
اجتهاد لحمايتهم رفَض الخضوع وقال: «والله لا نعطيهم إلا السيف»(11)،
معلناً استقلالية الرأي المبني على العزيمة والحق.
أسباب تدوين علماء الحديث لأخبار الجاهلية والحيوان
بقاء هذا الخبر
في كتب الحديث والتراجم يشير إلى أن العلماء لم يكونوا ينظرون إلى المعرفة نظرة
ضيقة، بل كانوا يجمعون الأخبار التي تحمل دلالة أو عظة أو تكشف جانبًا من عجائب
الخلق.
فالمحدثون لم
يكونوا مجرد جامعين للأسانيد، بل كانوا أصحاب نظر في المعاني، وقد كان الإمام
البخاري مثلًا يضع الأخبار في أبواب لها إشارات تربوية وعلمية، حتى لو لم تكن
الرواية نفسها حديثًا نبويًا مرفوعًا.
وقد حرص علماء
الحديث والسير على تدوين الأخبار والآثار ذات الدلالات والعبر، ولم يقتصروا على
الأحكام الشرعية؛ ومن ذلك تبويب الإمام البخاري في صحيحه وتدوين الحفاظ كابن إسحاق
وابن هشام للوقائع والمشاهد التاريخية والجاهلية، لاستخراج الدروس التربوية والعبر
منها، كما يُنقل عن الحافظ العراقي في نظمه للسيرة:
وليعلمِ الطالبُ
أنَّ السّيَرَا تَجمَعُ ما صحَّ وما قدْ أُنْكرَا(12)
مبيناً أن
التراث يحفظ هذه الأخبار لنظر أهل العلم والاعتبار.
وهذا يعلّم
الباحث المعاصر أهمية التعامل مع التراث بميزان دقيق: فلا يُرفض الخبر لمجرد
غرابته، ولا يُقبل منه أكثر مما يحتمل، فالمنهج العلمي يقوم على التثبت أولًا، ثم
الفهم الصحيح ثانيًا.
كيف تصنع القصة القصيرة وعيًا إنسانيًا عميقًا؟
يحمل الخبر قوة
بلاغية خاصة؛ فهو لا يقدم موعظة مباشرة، بل يعرض مشهدًا صغيرًا ويترك للقارئ مساحة
للتأمل، وهذا من خصائص الأخبار التراثية التي تختزن في لحظة واحدة أسئلة كبرى عن
الإنسان والطبيعة والمجتمع.
فالقردة في
المشهد ليست هي القضية الأساسية، وإنما الإنسان الذي يقف أمامها ويتفاعل معها، والقصة
في ظاهرها عن موقف في البرية، لكنها في عمقها عن النفس البشرية حين ترى جماعة
تتحرك، وعن حاجتها الدائمة إلى ميزان يضبط الانفعال بالعقل.
ويبقى خبر عمرو
بن ميمون مثالًا على قدرة التراث الإسلامي على تقديم مشاهد صغيرة ذات معانٍ كبيرة،
فهو يذكرنا بأن الإنسان مهما امتلك من خبرة يبقى محتاجًا إلى المراجعة والتثبت،
وأن أخطر ما يهدد الوعي ليس نقص المعلومات فقط، بل الاستسلام للحركة الجماعية دون
سؤال.
ومن خلال هذا الموقف يظهر أن التربية الإسلامية لا تهدف إلى عزل الإنسان عن المجتمع، بل إلى بناء إنسان يعيش في المجتمع دون أن يفقد بصيرته، يشارك الناس دون أن يذوب فيهم، ويستفيد من الجماعة دون أن يعطل عقله.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 86).
- 2 صحيح البخاري (3849).
- 3 حلية الأولياء (1/ 175).
- 4 فتح الباري: ابن حجر العسقلاني (7/ 160).
- 5 سيرة ابن هشام (2/ 444).
- 6 راجع: أنساب الأشراف: البلاذري (1/ 486).
- 7 الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 178).
- 8 العقل الجمعي: د. رمضان حميدة، ص 45.
- 9 صحيح البخاري (3668).
- 10 السنن الكبرى: النسائي (3417).
- 11 مغازي الواقدي (2/ 478).
- 12 ألفية السيرة النبوية، نظم الدرر السنية الزكية: الحافظ العراقي، ص 29.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً