عزيمة القلب أمام حدود البدن
الثبات على العبادة عند ضعف الجسد.. موقف عمرو بن ميمون
أورد الذهبي
عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ: لَمَّا كَبرَ عَمْرُو بنُ مَيْمُوْنٍ، أُوْتِدَ لَهُ
فِي الحَائِطِ، فَكَانَ إِذَا سَئِمَ مِنَ القِيَامِ، أَمْسَكَ بِهِ، أَوْ
يَتَعَلَّقُ بحبل(1).
هذا المشهد
المختصر الذي نقله الإمام الذهبي عن عمرو بن ميمون الأودي ليس مجرد خبر عن شيخ
كبير يحاول القيام للصلاة، بل هو صورة مكثفة لعلاقة الإنسان المؤمن بالغاية التي
يعيش لها، فنحن أمام شخصية من كبار التابعين، عاش مرحلة الانتقال من الجاهلية إلى
الإسلام، وأدرك جماعة من كبار الصحابة، ونقل عنه أهل العلم، ثم امتد به العمر حتى
بلغ مرحلة ضعف الجسد؛ إلا أن ضعف الآلة لم يُضعف قوة المعنى.
وتحتاج هذه
الحادثة إلى قراءة متوازنة؛ فهي لا تقدم دعوة إلى إهلاك النفس أو مخالفة الرخص
الشرعية، وإنما تكشف عن حال رجل كان يرى العبادة مركز حياته، فبحث عن وسيلة تعينه
على الاستمرار فيما استطاع، مستعملًا ما حوله من أسباب بسيطة تعينه على أداء ما
أحب من الطاعة.
كيف تصنع التربية الإيمانية جيلًا يعظم العبادة؟
كان عمرو بن ميمون من كبار التابعين، واشتهر بلقاء عدد من الصحابة والأخذ عنهم، ومن أشهر من
روى عنهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، رضي الله عنهم، وقد
نشأ في زمن كانت فيه التربية الإيمانية قائمة على المعايشة والقرب من جيل التأسيس
الأول، ومن هنا فإن موقفه في آخر عمره لا يمكن فهمه بمعزل عن البيئة التي صنعت
شخصيته؛ فقد كانت العبادة عند ذلك الجيل ليست نشاطًا هامشيًا في الحياة، بل كانت
الإطار الذي يتربى فيه العظماء.
فهذا عبدالله بن
عباس رضي الله عنهما يحكي مشهداً من مشاهد التربية النبوية الشريفة على التنشئة
التعبدية فيقول: بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ
الْحَارِثِ، فَقُلْتُ لَهَا: إِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فَأَيْقِظِينِي، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَعَلَنِي مِنْ شِقِّهِ
الْأَيْمَنِ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي، قَالَ: «فَصَلَّى
إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً»(2).
كما كانت
العبادة عند هذا الجيل الفريد لا تعوقها الأعمال الشاقة فضلاً عن اليسيرة، فعَنْ أَنَسِ
بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أَنَّ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ
وَبَنِي لِحْيَانَ، اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
عَلَى عَدُوٍّ، فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ
الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ
بِاللَّيْلِ»(3)، فالعبادة التي نشأ عليها هذا الجيل كانت سمة أساسية
لا يمكن وصفه بعيداً عنها.
وقد ظهرت آثار
التربية التعبدية لهذا الجيل على عمرو بن ميمون فأثمرت نشاطاً تعبدياً ظهرت ملامحه
في الاجتهاد في قيام الليل والصلاة، حيث بلغ من حرصه على العبادة في كبره أنه اتخذ
حابلاً أو وُتِدًا في الجدار يمتسك به إذا تعب من القيام في الصلاة ليستمر قائمًا.
ومن الملامح
التعبدية في حياة عمرو بن ميمون أنه عُرِف بكثرة مناسكه، فقد قَالَ أَبُو
إِسْحَاقَ: حَجَّ عَمْرُو بنُ مَيْمُوْنٍ سِتِّيْنَ مَرَّةً، مِنْ بَيْنِ حِجَّةٍ
وَعُمْرَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: مائَةَ مَرَّةٍ، كما ونُقِل عنه أنه كَانَ إِذَا
رُئِيَ، ذُكِرَ اللهُ(4) لما يظهر عليه من السكينة والخشوع.
كيف يتجاوز العزم الصادق حدود العجز الجسدي؟
الصورة الظاهرة
في قصة عمرو بن ميمون صورة جسد يحتاج إلى سند، لكن القراءة الأعمق تكشف عن نفس
امتلكت وضوحًا عاليًا في المعنى، فالإنسان حين يرتبط هدفه الداخلي بقيمة كبرى
يستطيع أن يبحث عن حلول تتجاوز العوائق الطبيعية.
لقد كان الحائط
والوتد والحبل أدوات مادية بسيطة، لكنها أدت وظيفة نفسية وروحية كبيرة؛ فقد أعادت
ترتيب العلاقة بين الضعف والقدرة، فالشيخوخة لم تصبح إعلانًا عن نهاية العطاء، بل
أصبحت مرحلة تحتاج إلى إدارة جديدة للقدرة.
وهذا المعنى
يلتقي مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)؛ فالمجاهدة لا تبدأ في صورة مواجهة ظاهرة،
بل تكون أولاً في مواجهة النفس وحملها على الثبات والاستمرار، ومن الأمثلة التي
ترسم هذه الصورة بوضوح ما ثبت عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: «لَمَّا خَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيْلُ
بْنُ جَابِرٍ، وَهُوَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ، وَثَابِتُ
بْنُ وَقْشٍ فِي الْآطَامِ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا
لِصَاحِبِهِ، وَهُمَا شَيْخَانِ كَبِيرَانِ: مَا أَبَا لَكَ، مَا تنْتَظر؟ فو الله
لَا بَقِيَ لِوَاحِدِ مِنَّا مِنْ عُمْرِهِ إلَّا ظِمْءُ حِمَارٍ (مِقْدَار مَا
يكون بَين الشربتين)، إنَّمَا نَحْنُ هَامَةُ (مثال للموت) الْيَوْمِ أَوْ غَدٍ،
أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمَّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمَّ خَرَجَا، حَتَّى
دَخَلَا فِي النَّاسِ»(5).
ففي هذا المثال
تتضح مواجهة المسلم لنفسه وحملها على تحويل ضعفها الجسدي إلى قوة داخلية دافعة إلى
العبادة والسعي في سبيل الله، بل إن جيل الصحابة الكرام كانوا يجعلون من هذا الضعف
الجسدي وسيلة لتيسير دخول الجنة، فلا يبخلون بجهد أو عمل، وإذا واجههم أحد بضعفهم
فإنهم يعلنون رغبتهم للعمل مع هذا الضعف، فهذا عمرو بن الجموح رضي الله عنه الذي
حوّل ضعفه وعرجه الشديد إلى قوة ودافع للشهادة، حيث قيل لَهُ يَوْم أحد: والله مَا
عليك من حرج، لأنك أعرج، فأخذ سلاحه وولى، وَقَالَ: «والله إِنِّي لأرجو أن أطأ بعرجتي
هَذِهِ فِي الجنة»(6).
وفي واقع الناس
اليوم، تظهر قيمة هذا المعنى في مواجهة مختلف أشكال الضعف؛ فالعاقل لا ينكر
محدوديته، لكنه يبحث عن الوسائل التي تمكنه من أداء رسالته، سواء في العلم أو
العمل أو التربية أو الدعوة.
لماذا يعد جهاد النفس الميدان الأول للقيادة؟
لم يجلس عمرو بن
ميمون ليشرح للناس معنى الهمة، ولم يرفع شعارًا عن مقاومة العجز، وإنما صنع ذلك
بسلوكه، ولهذا بقي المشهد محفوظًا في كتب التراجم؛ لأن الأفعال الصادقة تترك أثرًا
يتجاوز عمر صاحبها، فالقيادة الحقيقية تبدأ من قيادة الإنسان لنفسه، ومن يملك
القدرة على حمل نفسه على ما يراه حقًا يكون أقدر على التأثير في غيره، أما إذا عجز
عن الانتصار على نفسه فإنه يستسلم للعجز الكامل، وهذا هو ميدان الجهاد الأول.
فعن علي بن أبي
طالب رضي الله عنه أنه قال: «ميدانكم نفوسكم، فإن انتصرتم عليها كنتم على غيرها
أقدر، وإن خذلتم فيها كنتم على غيرها أعجز، فجربوا معها الكفاح أولاً»(7)،
فإذا انتصر الإنسان على نفسه فإن شيئا لن يعوقه عن قيادة الدنيا كلها من حوله.
كيف يوازن المسلم بين العزيمة والرخصة الشرعية؟
قد يظن بعض
الناس أن أمثال هذه الأخبار تعني رفض الرخص أو تجاهل طبيعة الجسد، وهذا غير دقيق، فالشريعة
قررت أصل التيسير ورفع الحرج، قال تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: 16).
وعَنْ عِمْرَانَ
بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ
قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى
جَنْبٍ»(8).
فالمعنى الذي
يظهر من قصة عمرو بن ميمون ليس تجاوز حدود الاستطاعة، وإنما بذل الوسع قبل
الانتقال إلى العجز، فقد كان يبحث عن معين يساعده على القيام، لا عن تكلف يناقض
مقصود الشريعة.
وهذا يربي
الإنسان على التوازن: ألا يجعل المشقة سببًا لترك الخير سريعًا، وألا يجعل طلب
الفضائل ذريعة لإهمال ما جاءت به الشريعة من رحمة وحكمة.
ولهذا أنكر
النبي صلى الله عليه وسلم على كل من تشدد في العبادة دون أن يحقق التوازن، ففي
الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ:
«مَا هَذَا؟»، قَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي، فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ
أَمْسَكَتْ بِهِ، فَقَالَ: «حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا
كَسِلَ أَوْ فَتَرَ قَعَدَ»(9)؛ ففي الحديث دعوة إلى التوازن بين طلب
العبادة والأخذ بالرخص ومراعاة الجسد.
ويظهر ذلك أيضاً
في توجيهه صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص، حين كلف نفسه مشقة صيام
الدهر وقيامه، فعن عَبْداللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ أَصُومُ الدَّهْرَ وَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ،
فَإِمَّا ذُكِرْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِمَّا
أَرْسَلَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ لِي: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ
الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ
اللَّهِ! وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا الْخَيْرَ، قَالَ: «فَإِنَّ بِحَسْبِكَ
أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ،
إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا،
وإن لزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقاً فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ نَبِيِّ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ»، قَالَ:
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَمَا صَوْمُ دَاوُدَ؟ قَالَ: «كَانَ يَصُومُ
يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا».
قَالَ: «وَاقْرَأْ
الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْر»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ
أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ عِشْرِينَ»، قَالَ: قُلْتُ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ
فِي كُلِّ عَشْرٍ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أكثر مِنْ
ذَلِكَ، قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ
لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ
حَقًّا»، قَالَ: فَشَدَّدْتُ، فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قَالَ: وَقَالَ لِي النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّكَ يَطُولُ بِكَ
عُمْرٌ»، قَالَ: فَصِرْتُ إِلَى الَّذِي قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَبِرْتُ وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ قَبِلْتُ رُخْصَةَ
نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم(10).
كيف تعين الوسائل المادية المتاحة على الطاعة؟
من أجمل
الدلالات في القصة أن الحل لم يكن معقدًا؛ لم يحتج عمرو بن ميمون إلى وسائل كبيرة،
وإنما استخدم ما توفر حوله، وهذا يكشف عن عقلية عملية ترى الإمكانات الموجودة قبل
الشكوى من النقص.
وقد دل على هذا
أيضاً فعله صلى الله عليه وسلم، حيث كان إذا أراد أن يخطب في الناس يستند إلى جذع
نخلة، ثم لما تيسر له المنبر صعد عليه، موظِّفاً ما هو متاح من الإمكانات لتحقيق
الغاية المقصودة، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، أَنَّ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ،
فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ
الْإِسْلَامَ قَدِ انْتَهَى، وَكَثُرَ النَّاسُ، وَتَأْتِيكَ الْوُفُودُ مِنَ
الْآفَاقِ، فَلَوْ أَمَرْتَ بِصَنْعَةِ شَيْءٍ لِتَشْخَصَ عَلَيْهِ، فَقَالَ
لِرَجُلٍ: «أَتَصْنَعُ الْمِنْبَرَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا اسْمُكَ؟»،
قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ: «لَسْتَ صَاحِبَهُ»، فَدَعَا آخَرَ، فَقَالَ: «أَتَصْنَعُ
الْمِنْبَرَ؟»، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَةِ هَذَا، فَقَالَ:
«نَعَمْ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، قَالَ: «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَالَ:
«خُذْ فِي صَنْعَتِهِ»، فَلَمَّا صَنَعَهُ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ(11).
إنه توظيف
للإمكانات المتاحة في خدمة الغاية التي يسعى إليها، وقد وظف هذا الجيل الفريد ما
كان متاحاً من الإمكانات لتحقيق الغايات في مواقف عديدة، فهذه أسماء بنت أبي بكر
رضي الله عنها؛ حين لم تجد أداة تربط بها سفرة الطعام وقربة الماء للنبي صلى الله
عليه وسلم، وأبي بكر ليلة الهجرة، عمدت إلى حل مادي بسيط متوفر معها، وشقت نطاقها
نصفين فجعلت أحدهما لسفرة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عصاماً للقربة، فسميت
ذات النطاقين(12).
كما كان هذا
الجيل الفريد يحرص على الاستعانة بكل ما يقوي عزمهم ويشد أزرهم للعبادة، فعن عثمان
بن أبي عاتكة قال: علق أبو مسلم سوطاً في المسجد، فكان يقول: أنا أولى بالسوط من
البهائم، فإذا فتر مشق ساقيه سوطاً أو سوطين، قال: وكان يقول: لو رأيت الجنة
عياناً أو النار عياناً ما كان عندي مستزاد(13).
كيف أدار عمرو بن ميمون ضعفه الجسدي ليصنع الثبات؟
في زمن كثرت فيه
الأعذار وتعددت وسائل الراحة، تقدم هذه القصة سؤالًا مهمًا: هل نستخدم ضعفنا لفهم
حدودنا، أم نجعله مبررًا للتراجع عن أهدافنا؟
ليس المطلوب من
الإنسان أن يكون نسخة من غيره، ولا أن يحمل نفسه ما لا تطيق، وإنما أن يعرف غايته،
وأن يبذل ما يستطيع للوصول إليها، فالإنجاز في الحياة لا يصنعه غياب العوائق، بل
حسن التعامل معها.
ولهذا، فإن أعظم
ما تعلمنا إياه قصة عمرو بن ميمون أن الإنسان قد يفقد بعض قوته الجسدية، لكنه لا
يفقد قدرته على اختيار موقفه من الحياة؛ فقد يبقى قادرًا على صناعة معنى، وعلى
تحويل الضعف إلى طريق آخر للعطاء.
ويؤسس النبي صلى
الله عليه وسلم لهذا المعنى من خلال ثباته صلى الله عليه وسلم على العبادة والصلاة
رغم ما أصابه من ألم وضعف وجراح، حيث صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا
مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا(14).
ثم توالت
المواقف العظيمة في تاريخ هذا الجيل المبارك الذي استطاع أن يدير ضعفه في المواقف
المتعددة ليحقق أعظم الثبات في ميادين الطاعة والجهاد.
فهذا عبدالله بن
أم مكتوم رضي الله عنه الصحابي الجليل الذي أحسن إدارة ضعفه، حيث لم يمنعه كف بصره
عن تحمل مسؤولية قيادة المجتمع في غياب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يستخلفه
على المدينة المنورة، كما في غزوة «الخندق» و«ذات السويق» وغيرهما(15).
وهذا عطاء بن
أبي رباح، يدير ضعفه الجسدي المتعدد بإرادة فولاذية، فبالرغم من أنه كان أسود أعور
أفطس أشل أعرج، ثم عمي، فإنه لم يستسلم، بل اجتهد وثبت حتى أصبح عالم زمانه وانتهت
فتوى أهل مكة إليه وإلى مجاهد(16).
وعَنِ ابْنِ
إِسْحَاقَ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأَسْوَدِ حَاجّاً،
فَاعْتَلَّتْ رِجْلُهُ، فَصَلَّى عَلَى قَدَمٍ حَتَّى أَصْبَحَ(17).
وهكذا يتبين أن المسلم لا يسمح لضعفه أن يقطعه عن ميادين الطاعة والجهاد، بل يستعين بما استطاع من وسائل تيسر له طريقه دون أن يتشدد أو يتجاوز حدود الاعتدال.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 86).
- 2 متفق عليه، أخرجه البخاري (4569)، ومسلم (763).
- 3 صحيح البخاري (4090).
- 4 سير أعلام النبلاء (5/ 87).
- 5 سيرة ابن هشام (2/ 87).
- 6 الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 1168).
- 7 مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار (1/ 160).
- 8 صحيح البخاري (1117).
- 9 متفق عليه، أخرجه البخاري، (1099)، ومسلم (784).
- 10 متفق عليه، البخاري، (1975)، ومسلم (1159).
- 11 المعجم الأوسط للطبراني (5211).
- 12 سيرة ابن هشام (1/ 486).
- 13 سير أعلام النبلاء (4/ 513).
- 14 سيرة ابن هشام (2/ 87).
- 15 مغازي الواقدي (2/ 441).
- 16 الطبقات الكبرى (5/ 470).
- 17 سير أعلام النبلاء (5/ 12).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً