اليوم العالمي للغة العربية
اللغة العربية.. مجد الماضي وتحديات الحاضر
يحتفل العالم بـ«اليوم
العالمي للغة العربية» في 18 ديسمبر كل عام كما هو معروف؛ وهو اليوم الذي اعتمدت
فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغة رسمية تُستخدم في اجتماعاتها
الرسمية عام 1973م، وذلك اعترافاً منها بمكانة اللغة العربية ودورها الحضاري
والثقافي عبر تاريخها الحافل والممتد.
وقد جاء ذلك
بالتزامن مع انتصار أكتوبر المجيد، وهو ما يؤكد أن الأمة القوية والمنتصرة التي
تتمسك بهُويتها وقيمها قادرة على فرض لغتها واحترامها على جميع الأمم، ومنذ ذلك
التاريخ والاحتفالات تتوالى وتتعدد صورها وأشكالها في العالم أجمع، وهذا بلا شك من
السنن المحمودة والحسنة التي تساعد على إحياء اللغة في ضمير أبنائها ووجدانهم
وتذكرهم بماضيها العريق ومكانتها بين اللغات.
ما بعد الاحتفال.. مواجهة الأزمات والتحديات
ولا ينبغي أن
تكون احتفالاتنا باللغة العربية اجتراراً للماضي وحديثاً عن عظمة اللغة وتاريخها
المجيد فحسب، متجاهلين واقعها الراهن وما تمر به من أزمات وتحديات علينا التصدي
لها بكل شجاعة، ولا أن يكون الاحتفال وقتياً وعابراً مواكبة للمناسبة ثم ينفض
السامر ويذهب كلٌّ إلى مسعاه ظناً منه أنه أدى دوره على الوجه الأكمل، بل يجب أن
يوقظ فينا هذا الاحتفال ضرورة الاهتمام بلغة القرآن الكريم، وأن يحفزنا على
التفكير في ابتكار طرق جديدة تؤدي إلى تقريب لغتنا الجميلة إلى الأجيال الناشئة
وتيسير سبل دراستها؛ حيث يعاني أبناؤنا الطلاب من المحيط إلى الخليج من صعوبات جمة
في فهم الكثير من الألفاظ والتراكيب.
اللغة العربية في يومها العالمي.. اعتراف
دولي بمكانة حضارية وتحديات واقعية تتطلب المواجهة
ومع تعاقب
الأجيال وضعف الانتماء قد تتسع الفجوة بينهم وبين لغتهم بصورة واضحة، وهو ما يوجب
علينا أن نبحث عن أنجع الطرق التربوية والتعليمية التي تعيد الثقة في الإقبال على
هذه اللغة من جديد، ولا يكون ذلك إلا من خلال خطة واضحة الملامح يتبناها الأفراد
والمؤسسات حتى لا تذهب اجتهاداتنا أدراج الرياح.
عبقرية اللغة في عيون أبنائها والمنصفين
إن اللغة
العربية واحدة من أعرق اللغات التي عرفها البشر عبر التاريخ، وقد أثبتت هذه اللغة
الفذة قدرتها الهائلة على الصمود والبقاء بما تملكه من خصائص تؤهلها لذلك، وقد زاد
من مكانتها وتشريفها وضاعف من جمالها ورونقها نزول القرآن الكريم بها، ومهما
حاولنا وصف حسنها وبيان تفردها وتميزها، فإن الكلمات تعجز عن ذلك.
بين انتصار أكتوبر وسيادة «الضاد».. الأمة
القوية هي التي تفرض لغتها وتحمي هويتها
ونقتبس هنا ما
قاله مصطفى صادق الرافعي، وهو يصف هذه اللغة العبقرية، حيث يقول: «إن العربية أوسع
اللغات مدى، وأغزرهن مادة، وأوفاهن بالحاجة الحقيقية للدارسين، وذلك لكثرة
أبنيتها، وتعدُّدِ صيغها، ومرونتها على الاشتقاق، وكأنها خُلقت لتُطَاوِل الزمن
وتبقى على مر العصور» (انظر: تاريخ آداب العرب للرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت،
ج 1، ص 144).
ولا تظننَّ أن
أبناء العربية وحدهم هم من يشهدون لها بهذه المزايا بدافع الحب أو العصبية أو
الانتماء، بل شهد لها بهذا التفوق وهذا التميز كلُّ منصف وعارف لقدرها ومنزلتها،
وكلُّ مَنْ أوتي حظاً من الفصاحة والبيان ووقف على بعض أسرارها؛ وقد كان
للمستشرقين حظ كبير من هذا الإعجاب والإنصاف لهذه اللغة العظيمة، ونكتفي هنا
بالإشارة إلى أهم ما قيل في هذا الصدد:
- إرنست رينان: «لقد
فاقت العربية أخواتها بكثرة مفرداتها ودقّة معانيها وحسن نظام مبانيها، ولم يُعرف
لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة».
- يوهان فك
(المستشرق الألماني): «لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل
محاولة يُقصَد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم
تخطئ الدلائل فستحتفظ العربية بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدنية الإسلامية».
شهادات المستشرقين تُنصف الفصحى: لغة
عبقرية لا تعرف الشيخوخة وجمالها كأوتار العود
- وليم مرسيه
(المستشرق الفرنسي): «العبارةُ العربيةُ كالعود إذا نقرتَ على أحد أوتاره رنَّتْ
لديك جميع الأوتار وخفقت، ثم تُحرّك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى
المباشر موكباً من العواطف والصور».
- كارل
بروكلمان: «بلغت العربية بفضل القرآن الكريم من الاتساع مدى لا تكاد تعرفه أية لغة
أخرى من لغات الدنيا».
- جوستاف
جرونبوم (المستشرق النمساوي): «ما من لغة تستطيع أن تطاول اللغة العربية في شرفها؛
فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله النهائية، وليست منزلتها الروحية هي
وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، أما السعة
فالأمر فيها واضح، ومن يتّتبع جميع اللغات لا يجد فيها لغة تضاهي اللغة العربية،
ويضاف جمال الصوت إلى ثروتها المدهشة في المترادفات». (انظر: عشرة مستشرقين تغزلوا
في اللغة العربية، موقع العين الإخبارية الإلكتروني، 17/ 12/ 2018م).
إصلاح مناهج الضاد ووقف الإسفاف الدرامي..
خارطة طريق ضرورية لاسترداد عافية لغتنا
ولا شك أن هذه
الشهادات والآراء العلمية الموضوعية تؤكد خصوصية هذه اللغة وتفردها، وتلفت أنظارنا
إلى ضرورة بذل الجهد في سبيل تعلمها والحفاظ على مكانتها، كما أنها تُظهِر بوضوح
نقاط قوة هذه اللغة وفرصها على البقاء والمنافسة.
نحو رؤية واقعية للإصلاح والتمكين
وإذا كنا نتحدث
عن ماضي اللغة العربية الزاهر والمجيد على هذا النحو؛ فإن الأمانة العلمية تقتضينا
أن نشير إلى كثير من العقبات والمشكلات التي تعترض طريقها اليوم، ونحن نشير إليها
حتى نجتهد ونبذل أقصى الجهد في سبيل تذليلها وتيسير دراستها.
فلا شك أن هناك
تغيرات كثيرة طرأت على اللغة العربية لا تخفى علينا جميعاً؛ فالإقبال على تعلمها
قَلَّ وضعف، والطلاب باتوا يعانون من صعوبات حقيقية بسبب عقم المناهج الدراسية،
وهذه المشكلات يجب أن تؤخذ في الحسبان إذا أردنا معالجة هذا الخلل.
ومن خبرتنا في
مجال التدريس والتعامل مع الطلاب، نرى أن من أهم هذه التحديات التي علينا مواجهتها
مشكلة اتساع الفجوة بين الأجيال الناشئة ولغتهم؛ حيث يصر كثير من المدرسين على
الوقوف عند تخوم الماضي، ولا يبدون أي مرونة أو استعداد للتعامل مع طبيعة العصر
والأجيال الحالية، التي وضعت مقاييسها الجمالية والأخلاقية والاجتماعية وفق تصورات
مختلفة، لا تخضع بالضرورة لتجليات الماضي وإشراقاته، ومن ثم يجب أن ننظر إلى اللغة
والواقع التعليمي اليوم نظرة واقعية تراعي هذه التغيرات وهذه التحديات.
سد الفجوة بين الأجيال ولغتهم الأم
مسؤولية مشتركة بين المدرسين والمؤسسات والتشريعات الحازمة
ومن تلك
التحديات أيضاً ما نراه من ضعف في الانتماء والاعتزاز باللغة والدين، وهي أمور لا
تخطئها العين ونحن بحاجة إلى معالجتها ومعرفة أسبابها والمسؤول عنها.
إننا بحاجة ماسة
إلى:
- مؤلفات عصرية
في البلاغة والنحو والنصوص الأدبية تواكب العصر.
- تسليط الضوء
على قضايا اللغة العربية ومشكلاتها إعلامياً.
- تشريعات
حكومية تجرم كتابة الإعلانات بغير اللغة العربية، ولا تقبل هذا الإسفاف أو السخرية
من هذه اللغة أو الانتقاص من دارسيها، كما تذهب إلى ذلك بعض الأعمال الفنية
والدرامية.
ونحسب أن لغتنا
الجميلة -رغم تلك التحديات- قادرة على استرداد عافيتها ومكانتها من جديد بشرط أن
نقوم بدورنا نحوها بكل صدق وإخلاص!
اقرأ أيضا:
- اللغة.. الحارس الأمين للهوية
والتراث
- "العربية".. اللغة الصامدة
- "العربية" في المؤسسات
الأكاديمية.. تشخيص الواقع ومفاتيح النهوض
- الأثر الخالد.. القرآن الكريم
حارس العربية وسيد بلاغتها