بين الإنصات والمشاركة الواعية..
كيف يفتح العالِم باب السؤال؟ موقف عكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ أَبي مَسْلَمَةَ سَعِيْد بن يَزِيْد قَالَ: سَمِعْتُ
عِكْرِمَةَ يَقُوْلُ: مَا لَكُم لَا تَسْأَلُوْنِي! أَفْلَسْتُم؟(1).
أورد الذهبي هذا الأثر وهو يحفظ دعوة عكرمة إلى السؤال، لكنه لا يحدد مكان المجلس وتاريخه، ولا يبين أسباب صمت الحاضرين؛ فلا يصح أن نحوله إلى تشخيص لنفوسهم، أو دليل على فتور عام في الحياة العلمية يومئذ، ومع ذلك، فإن عبارته القصيرة تفتح قضية واسعة: ماذا يصنع العالم حين لا يُسأل؟ وماذا يفوت المتعلم حين تحول الهيبة أو التردد بينه وبين الاستفهام؟
إننا أمام عالم لا ينتظر ورود الأسئلة فحسب، بل يدعو إليها؛ وكأن
مجلس العلم لا يكتمل بحضور المتكلم والسامع حتى يجد الفهم طريقه بينهما.
لماذا يعد طرح المسائل مفتاحًا لخزائن المعرفة؟
يمكن قراءة لفظ
«الإفلاس» هنا بوصفه استعارة توقظ الانتباه: أَنَفِدت المسائل التي تحتاجون إلى
بيانها؟ إنها تنقل معنى الفوات من عالم المال إلى عالم المعرفة، وتدعو السامعين
إلى مراجعة ما عندهم من أسئلة، بدل الاكتفاء بالحضور الصامت.
ويضيء هذا
المعنى قول الزهري: «العلم خزائن وتفتحها المسائل»(2)، فالمسألة ليست
مجرد وعاء يَظهر فيه جهل السائل، بل مفتاح يستخرج بيانًا قد لا يصل إليه المجلس
بغيرها.
ومن هنا يمكن أن
تتغير نظرتنا إلى السؤال: ليس اعتراف الإنسان بحاجته إلى الفهم نقصًا ينبغي
إخفاؤه، وإنما بداية عمل يعالج ذلك النقص، أما التظاهر بالاكتفاء فقد يحفظ صورةً
مؤقتة عن صاحبه، لكنه لا يمنحه المعرفة التي يحتاج إليها.
وفي الدراسة
والبحث، يحسن بالطالب أن يحضر ومعه مواضع محددة لم يفهمها، وأن يفرق بين ما حفظ
عبارته وما أدرك معناه، وليس المقصود صناعة أسئلة لإثبات الحضور؛ فقيمة السؤال
فيما يكشفه من إشكال، لا في عدد المرات التي يستأثر فيها صاحبه بالكلام.
أسباب سكوت المتعلم بين الاستيعاب وذهاب المسائل
ليست كل قلة في
السؤال علامة استغناء أو زهد، فقد يصمت المرء لأنه يستمع، أو يرتب أفكاره، أو لم
يستحضر ما أراد السؤال عنه، والدعوة إلى المشاركة لا تستلزم إصدار حكم على كل
ساكت.
ومن ألطف
الشواهد ما ثبت عن أيوب السختياني: أنه كان يريد الرحلة إلى عكرمة، ثم لقيه في سوق
البصرة، فلم يستحضر مسائله، وقال: «ذهبت مني المسائل»، ومع ذلك وقف قريبًا منه
يحفظ أجوبته للسائلين(3)، فهذا حريص على التعلم، حالت لحظة اللقاء دون
إظهار أسئلته، ولم تحل دون انتفاعه.
وفي المقابل،
ينبغي ألا يصبح الحياء عذرًا دائمًا لترك الاستفهام؛ فقد علّق البخاري عن مجاهد:
«لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر»(4)، في كتاب العلم، باب الحياء في
العلم، والمقصود الحياء الذي يمنع تحصيل المعرفة، لا الأدب الذي يحسن به السؤال.
ويتحقق التوازن
حين يُهيئ الطالب سؤاله بالكتابة، ويختار الوقت المناسب لطرحه، ولا يفسر تعثره
الأول بأنه عجز ثابت، كما يحسن بالمعلم أن يتيح أكثر من طريق للاستفسار، دون
مطالبة الجميع بأن يتكلموا بالطريقة نفسها، فالمقصود وصول الفهم، لا التشابه في
مظاهر المشاركة.
المعلم يفتح الطريق للمتعلم قبل إلقاء اللوم عليه.. عكرمة نموذجاً
يبدأ نداء عكرمة
من جهة العالم نفسه؛ فهو الذي يطلب الأسئلة، ويمكن استلهام مسؤولية تربوية من ذلك؛
ألا يُترك المتعلم وحده أمام مهمة اكتشاف ما ينبغي سؤاله، ثم يُلام لأنه لم يعرف
كيف يبدأ.
ولهذا نظير في
خبر معمر مع الزهري؛ فقد ذكر أنه أتاه بالرصافة، ولم يكن أحد يسأله عن الحديث،
فكان الزهري يلقي عليه العلم ابتداءً(5)، فلم يصبح غياب السؤال سببًا
لتعطيل الإفادة.
وفي السنة شاهد
على تقديم حاجة المتعلم؛ إذ جاء أبو رفاعة يسأل عن دينه والنبي صلى الله عليه وسلم
يخطب، فأقبل عليه وعلمه، ثم عاد فأتم خطبته(6)، واستنبط النووي منه:
المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهم الأمور فأهمها(7).
وفي واقع التعليم، يستطيع الأستاذ أن يقترح مواضع للنقاش، أو يعرض مثالًا يكشف الفروق بين المعاني، أو يسأل الطلاب عما بقي ملتبسًا.
وفي العمل، يمكن لصاحب الخبرة أن يشرح
أسباب قراراته، لا أن يكتفي بإعلان نتائجها، فالدعوة إلى السؤال تصبح أصدق حين
يصحبها ما يساعد الآخرين على صياغته.
لماذا تفشل القسوة في علاج صمت الطلاب؟
قوة عبارة عكرمة
لا تمنح كل معلم إذنًا بتقريع طلابه، فالخبر لا يصف نبرة صوته، ولا طبيعة علاقته
بالمخاطبين؛ ومن الخطأ اقتطاع الكلمة من سياقها، ثم جعلها أسلوبًا ثابتًا لإحراج
الصامتين.
والميزان الأوضح
هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة جاهلًا
بحكم ذلك، فقد علمه دون إهانة، حتى قال معاوية: «ما نهرني ولا ضربني ولا شتمني»(8)،
ففي الحديث دليل على الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، وتقريب الصواب إلى فهمه.
وقال النووي:
ينبغي له أن يرفق بمن يقرأ عليه، وأن يرحب به، ويحسن إليه بحسب حاله»(9)،
فالتعليم ليس نقل المعلومة وحدها؛ إنه أيضًا طريقة استقبال من يحتاج إليها.
ولهذا يحسن أن
يقابل السؤال بمحاولة فهمه، لا بتصنيف صاحبه، وقد يحتاج السؤال المضطرب إلى إعادة
صياغة، والسؤال المتكرر إلى بيان آخر، والسائل المتردد إلى طمأنة، وليس المطلوب
إلغاء التنبيه إلى التقصير، بل أن يُقال ما يعين على تجاوزه؛ فلا يعالج المعلم صمت
طلابه بما يجعل الكلام أشد كلفة عليهم.
كيف يرفع استفسار الطالب الجهل عن الحاضرين؟
لا تنحصر فائدة
السؤال في صاحبه؛ فقد يستخرج جوابًا يحتاج إليه آخرون، أو يبين أصلًا غاب عنهم، أو
يصحح فهمًا اشتركوا فيه، ومن هذه الزاوية، يصبح السائل مشاركًا في تعليم المجلس،
لا مجرد مستفيد منه.
وأظهر شواهد ذلك
حديث جبريل عليه السلام؛ فقد سأل عن الإيمان والإسلام والإحسان، ثم قال النبي صلى
الله عليه وسلم: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم»(10)، ونقل ابن حجر
عن ابن المنير أن في الحديث دلالة على أن السؤال الحسن يسمى علمًا وتعليمًا(11).
وهكذا لا تكون
المبادرة إلى السؤال خدمة للنفس وحدها؛ فقد يؤدي شخص واحد ما احتاج إليه الجمع،
ويمنحهم فرصة الاستيضاح دون أن يعيد كل منهم السؤال نفسه.
وفي مجالس
التدريب والاجتماعات العلمية، يمكن للخبير أن يسأل عن أصل يعرفه، ليستبينه من لم
يعرفه، دون تعالٍ أو استعراض، ويمكن لمن يدير الحوار أن يجمع الأسئلة المتشابهة،
ويرتبها من الأصل إلى التفصيل، فحسن إدارة السؤال يحفظ وقت المجلس، ويجعل المشاركة
طريقًا إلى فهم مشترك، لا سباقًا على الظهور.
ضوابط التوقف والمراجعة عند مواجهة الأسئلة المشكلة
ليست الدعوة إلى
السؤال دعوة إلى المراء أو إغراق المجلس بما لا يخدم غايته، كما أن القدرة على
مواجهة الأسئلة لا تقاس باستعداد المجيب للكلام في كل شيء.
قال ابن رجب:
فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل»(12)،
فالتمييز هنا متعلق بوجهة الطلب: أيراد به الوصول إلى الحق والانتفاع، أم إحراج
المسؤول وإدامة الخصومة؟ وليس في ذلك منع للسؤال الدقيق أو مراجعة الدليل.
ومن جهة المجيب،
نقل الذهبي عن عبد الله بن يزيد بن هرمز قوله: «ينبغي للعالم أن يورث جلساءه قول:
لا أدري»(13)، فتعليم الناس حدود المعرفة جزء من تعليمهم المعرفة
نفسها.
وبهذا يكتمل
معنى موقف عكرمة: فتح باب السؤال فضيلة، لكن اختراع الجواب ليس من مقتضياتها، وليس
من العدل أن نجعل العالم الذي يستمهل للمراجعة أقل منزلة من متكلم يسارع إلى كل
جواب.
وفي واقع البحث
والإعلام، يحتاج السائل إلى وضوح مقصده وعبارته، ويحتاج المجيب إلى حرية الاعتراف
بما لم يتحقق منه، فالمجلس الآمن للمعرفة هو الذي يسمح بسؤال صادق، وبجواب متثبت،
وبقول «لا أعلم» دون أن تُعامل بوصفها هزيمة.
لماذا لا تسقط مرتبة الأستاذية فريضة المراجعة؟
لا ينبغي أن
ترسم لنا عبارة عكرمة عالمًا مكتفيًا بنفسه في مقابل طلاب محتاجين دائمًا؛ فالقدرة
على التعليم لا تنهي الحاجة إلى التعلم، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم
بقوله: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي
عِلْمًا) (طه: 114)، وفسرها ابن كثير بطلب المزيد من العلم من الله تعالى(14).
ومن المواقف
الدالة على دوام الطلب ما رواه ابن عبد البر: أن ابن المبارك سُئل إلى متى يطلب
العلم، فقال: «حَتَّى الْمَمَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً
أُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: «لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ
أَكْتُبْهَا بَعْدُ»(15).
وعن صالح بن
أحمد بن حنبل، قال: رأى رجل مع أَبي مِحْبَرَة، فقال له: يا أَبا عبد الله، أَنت
قد بلغت هذا المبلغ، وأَنت إِمامُ المسلمين، فقال: مع المِحبرة إلى المَقْبرة(16)،
فلم يجعل التقدم في المعرفة حدًّا تنتهي عنده الرحلة.
وهذا المعنى
يحمي علاقة العالم بالمتعلم من الجمود: قد يكون المرء أقدر على البيان في باب،
ويحتاج إلى سؤال غيره في باب آخر؛ وقد يكشف سؤال المبتدئ موضعًا يحتاج المعلم إلى
مراجعة عرضه.
وفي المؤسسات،
يستطيع المدير أن يكون صاحب قرار وطالب معرفة في الوقت نفسه، كما يستطيع المعلم أن
يحفظ مكانته وهو يقول: سأراجع هذه المسألة، وليس احترام الخبرة في إغلاق باب
مراجعتها، بل في حسن الانتفاع بها مع بقاء الدليل والفهم غايتين مشتركتين.
مراتب تحصيل العلم
إذا كان السؤال
يفتح باب المعرفة، فإن الدخول منه يحتاج إلى ما بعده، فليس من اغتنام العالم أن
نكثر استفهامه ثم ننشغل عن جوابه، أو نحفظ ألفاظه دون فهم، أو نجمع الفوائد دون أن
يظهر أثرها.
قال ابن القيم:
«وللعلم ست مراتب أولها حسن السؤال» ثم ذكر الإنصات والفهم والحفظ والتعليم، وجعل
العمل بالعلم ومراعاة حدوده ثمرته(17)، فالسؤال عنده بداية طريق، لا
غايته.
ومن هنا تظهر
مسؤولية السائل في استكمال ما بدأه: يصغي إلى الجواب، ويستوضح موضع الإشكال، ويضبط
ما فهمه، ولا ينسب إلى المجيب ما لم يقله، ثم ينظر كيف ينتفع بالعلم في تصحيح
اعتقاد أو عبادة أو خلق أو عمل.
وفي الدروس
واللقاءات المهنية، يمكن أن يتحول هذا المعنى إلى ممارسة بسيطة: تدوين السؤال
وجوابه في سياقه، ومراجعة ما يحتاج إلى تحقق، ثم حفظ النتيجة بصورة يسهل الرجوع
إليها، فليست قيمة المجلس في كثرة ما قيل فيه وحدها، بل فيما خرج به أهله من فهم
موثوق وقدرة على الانتفاع.
ويعيدنا نداء
عكرمة إلى مسؤولية مشتركة: عالم يبذل ويفتح الباب، ومتعلم يسأل ويحسن الاستماع،
ومجلس يصون كرامة الطرفين، فلا العالم مطالب بادعاء الإحاطة، ولا الطالب مطالب
بإخفاء حاجته، ولا الصمت يُدان لمجرد كونه صمتًا.
إنما الذي يستحق المراجعة هو أن تبقى الحاجة إلى الفهم قائمة، ويظل طريق السؤال مغلقًا مع إمكان فتحه، فالغنى العلمي ليس أن نستغني عن السؤال، بل أن نحسن السؤال، ونعرف من نسأل، ونؤدي حق ما تعلمنا.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء (5/ 18).
- 2 حلية الأولياء (3/ 363).
- 3 تهذيب الكمال (20/ 274).
- 4 صحيح البخاري (1/ 38).
- 5 حلية الأولياء (3/ 363).
- 6 صحيح مسلم (876).
- 7 شرح النووي على مسلم (6/ 165).
- 8 صحيح مسلم (537).
- 9 التبيان في آداب حملة القرآن، ص 38.
- 10 صحيح البخاري (50).
- 11 فتح الباري (1/ 125).
- 12 جامع العلوم والحكم (1/ 244).
- 13 سير أعلام النبلاء (8/ 77).
- 14 تفسير ابن كثير (5/ 281).
- 15 جامع بيان العلم وفضله (1/ 406).
- 16 مناقب الإمام أحمد، ص 37.
- 17 مفتاح دار السعادة (1/ 169).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً