الحرم الإبراهيمي.. كيف يفرض الاحتلال واقعاً جديداً؟
تعيد مشاهد رقص
المستوطنين في باحات الحرم الإبراهيمي، التي أدانتها الأوقاف الفلسطينية مطلع
أكتوبر 2026، طرح قضية تتجاوز انتهاك حرمة المسجد إلى التحكم في مستقبله.
فالمكان الذي
يُمنع المصلون من الوصول إليه يمكن أن يتغير دوره تدريجيًا حين تجتمع سلطة البوابة
مع سلطة الإدارة والبناء.
ومن هنا، يحتاج
فهم هذه المشاهد إلى تتبع المسار الذي جعل الصلاة وصيانة المبنى وشؤونه اليومية
خاضعة لإجراءات الاحتلال.
وقد أُدرجت
البلدة القديمة على قائمة التراث العالمي عام 2017م، وتظهر التكية الإبراهيمية،
التي تطعم الفقراء والزوار، كيف امتدت الصلة بالمكان إلى التكافل وحياة المدينة
اليومية، فأصبحت حمايته متصلة باستمرار هذه الوظائف.
من تداعيات مجزرة 1994 إلى قيود العبادة
كان فجر الجمعة 15
رمضان 1414هـ/ 25 فبراير 1994م، نقطة تحول حاسمة، فقد أطلق المستوطن باروخ
غولدشتاين النار على المصلين داخل الحرم، فقتل 29 فلسطينيًا على الأقل وأصاب أكثر
من 90 آخرين، وفق التوثيق الأممي.
وأدان مجلس
الأمن المجزرة في قراره (904)، ودعا إلى حماية الفلسطينيين ومنع عنف المستوطنين.
وأعقب المجزرة
تقسيم الحرم إلى قسم للمسلمين وآخر لليهود، وترتيبات تخصص الموقع لأتباع ديانة
واحدة خلال أيام محددة، ثم أبقى بروتوكول الخليل عام 1997م الحرم ضمن منطقة «H2» الخاضعة
للسيطرة الأمنية «الإسرائيلية»، وهكذا ارتبط وصول الفلسطينيين بإجراءات عسكرية، مع
بقاء اختصاصات مدنية فلسطينية.
وتوضح إغلاقات
خريف 2026م أثر هذا التنظيم على الأرض، فقد وثقت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا)
إغلاق الحرم أمام الفلسطينيين، في 28 سبتمبر، لتأمين احتفالات «عيد العرش»، ثم
إغلاقه والمحلات التجارية في البلدة القديمة في 3 أكتوبر، وسجلت وكالة «الأناضول»
عودة المصلين في اليوم التالي بعد إعادة فتحه.
وتكشف هذه
الوقائع اتصال تقييد العبادة بحركة المدينة وأسواقها، كما توضح أن فتح الأبواب
مؤقتًا لا يضمن انتظام الوصول إليها، ويمتد التحكم إلى تفاصيل أداء الشعائر نفسها،
ففي سبتمبر 2026م، أفاد مدير الحرم بأن منع رفع الأذان استمر نحو 90 يومًا متتالية،
إلى جانب القيود على الموظفين والمصلين، وتكمن دلالة ذلك في أن السماح بالصلاة
يرتبط بشروط متغيرة تفرضها الجهة المسيطرة.
ومع تكرار
المنع، يصبح الحفاظ على الحضور الفلسطيني اليومي أكثر صعوبة، حتى عندما تظل الصلة
الدينية والتاريخية بالمكان راسخة في وجدان أهله.
التخطيط والبناء والصيانة.. أدوات تغيير واقع الحرم الإبراهيمي
واتسع هذا
المسار ليشمل صلاحيات التخطيط والبناء، ففي يونيو 2026م، نقلت «رويترز» إعلان
سحبها من السلطات الفلسطينية فيما يتعلق بالموقع، ووصف وزير المالية بتسلئيل
سموتريتش الخطوة بأنها تعمق السيادة «الإسرائيلية».
ويكشف هذا
التصريح البعد السياسي للقرار؛ إذ تمنح صلاحية البناء قدرة على إحداث تغييرات
مادية طويلة الأثر، وتقلص دور المؤسسات الفلسطينية في تقرير مستقبل معلم ديني
وتاريخي يرتبط بهويتها.
ويبرز مشروع
تسقيف الصحن الداخلي مثالًا على هذا المسار المتدرج، ففي مايو 2026م، رفضت المحكمة
العليا «الإسرائيلية» الالتماس الفلسطيني ضد قرار الاستيلاء على سقف الباحة، ووثقت
«وفا» في يوليو إدخال جسور حديدية لتنفيذ الأعمال، ويُبرَّر المشروع بحماية
المصلين من الأمطار، بينما تحذر الأوقاف من تغيير الطابع التاريخي للمكان، ويتصل
الخلاف كذلك بالجهة التي تملك صلاحية إقرار هذه التغييرات، ودور المؤسسات
الفلسطينية المختصة في إدارة الموقع وحماية تراثه.
وتكشف مسألة
الصيانة جانبًا آخر من المشكلة، فقد أورد ملف «يونسكو» لعام 2026م، نقلًا عن
التقرير الفلسطيني، تعذر أعمال صيانة وترميم المسجد خلال 2025م بسبب الإغلاقات.
وبذلك، قد تتعرض
حماية الأثر للتعطيل من جهتين؛ تدخلات إنشائية تعترض عليها مؤسساته، وصعوبة تنفيذ
أعمال العناية اللازمة به، ويصبح ضمان وصول المختصين وتمكينهم من العمل شرطًا
عمليًا للحفاظ على المبنى، إلى جانب متابعة أي تغيير في معالمه.
وقد واجهت هذه
الإجراءات إدانات وتحركات في مراحل مختلفة، فأدانت منظمة التعاون الإسلامي مخططات
نقل الإدارة والإشراف في يوليو 2025م، وأدان الأردن سحب صلاحيات التخطيط والمصادقة
الأحادية على التسقيف في يناير 2026م، وتوضح هذه المواقف أن النزاع أسبق من مقاطع
أكتوبر الأخيرة، كما أن استمرار الإجراءات يضع سؤال الفاعلية أمام التحركات
الدبلوماسية والقانونية: ما الذي تستطيع تغييره في واقع المصلين والعاملين داخل
الحرم؟
ومن هنا، يحتاج
التضامن إلى أهداف يمكن متابعة تحققها؛ مثل انتظام دخول المصلين، وتمكين الأوقاف
من أداء وظائفها، وحماية أعمال الترميم من التعطيل، وإخضاع التدخلات الإنشائية
لتقييم تراثي مختص، أما انتشار المقاطع على المنصات، فيكشف اهتمامًا بالمشهد، لكنه
لا يكفي وحده لقياس حجم التحرك أو نتائجه، وتكتسب المتابعة قيمتها حين تربط كل
مطالبة بإجراء محدد وأثر ملموس في حياة الناس والمكان.
تبقى قيمة أي
تحرك لحماية الحرم الإبراهيمي في قدرته على ضمان استمرار صلته بأهله، فحفظ هويته
يقتضي أن يتمكن الناس من الصلاة فيه ورعايته وصون معالمه، وأن تصبح هذه الحقوق
ممارسة مستقرة، تتجاوز الفترات التي تسمح فيها إجراءات الاحتلال بفتح الأبواب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً