تزييف الفتاوى بالذكاء الاصطناعي.. من يُفتي؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
قد يظهر عالِم
على الشاشة بوجهه المعروف وصوته المألوف، يستشهد بآية ويصدر حكماً شرعياً، لكن
ماذا لو لم يكن أي من ذلك حقيقي؟
هنا تبرز خطورة
تزييف الفتاوى بالذكاء الاصطناعي؛ إذ لم يعد التلاعب يقتصر على اختلاق معلومة أو
تحريف قول، بل أصبح قادراً على محاكاة صوت العالم وصورته، ونسبة أحكام شرعية إليه
لم تصدر عنه.
وتزداد المشكلة
خطورة لأن الصوت والصورة لم يعودا دليلاً كافياً على هوية المتحدث، فقد وجدت دراسة
منشورة عام 2025م أن المشاركين اعتبروا هوية الصوت المولد بالذكاء الاصطناعي
مطابقة لصاحبه الحقيقي في نحو 80% من الحالات، ولم ينجحوا في التعرف إلى الصوت
الاصطناعي إلا في نحو 60% منها.
تزييف صوت العالِم
أظهرت دراسة في «Nature Communications»، شملت آلاف المشاركين، أن بعض التزييفات الصوتية المعتمدة على
تحويل النص إلى كلام كانت أصعب في الاكتشاف؛ إذ بلغت دقة المشاركين في تمييز بعضها
72% فقط.
وهذا يعني أن
المقطع الديني الذي قد تظنه مألوفاً قد يحتاج هو نفسه إلى تحقق، وهنا يخبرنا
القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن
جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6).
فعدم التثبت من
الأخبار قد يكون سبباً في إلحاق الضرر بالآخرين ثم الندم على ذلك، وهذا المعنى
يصبح أكثر إلحاحاً عندما يكون المقطع المنسوب إلى عالِم قادراً على الإضرار
بسمعته، أو إشعال خلاف بين أتباع المدارس والمذاهب، أو إثارة خصومة بين المسلمين،
أو تغيير موقف الناس من مؤسسة دينية بأكملها.
الفتوى ليست معلومة مجرّدة
يحتاج إصدار
الفتوى إلى فهم النصوص، ومعرفة أوجه الاتفاق والخلاف، وإدراك واقع السائل، والقدرة
على تنزيل الحكم على حالته.
وينقل ابن القيم
عن الإمام الشافعي أن المفتي يحتاج إلى معرفة كتاب الله وعلومه، وحديث النبي صلى
الله عليه وسلم، واللغة، واختلاف أهل العلم، وما يؤهله للكلام في الحلال والحرام.
ومن هنا يظهر
الفرق بين أداة تساعد الباحث وعالِم حقيقي يتصدر للإفتاء، وقد أكد قرار المجمع
الفقهي الإسلامي الدولي (258) الصادر عام 2025م، أن الأصل في استخدام الذكاء
الاصطناعي الإباحة، بشرط مشروعية الاستخدام، وتحقيق المنفعة ودفع الضرر، وحماية
الحقوق، والالتزام بالصدق والتوثيق والشفافية.
وعليه، ليست
المشكلة في استخدام الذكاء الاصطناعي للبحث أو الفهرسة، وإنما في إنتاج فتاوى
مختلقة تظهر كفتوى موثوقة، ثم تُنسب إلى عالم أو مؤسسة لم تصدرها.
تزييف الفتاوى بالذكاء الاصطناعي وانتحال سلطة العالِم
خطر تزييف
الفتاوى بالذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند تزوير كلام عالِم حقيقي؛ فقد بدأت تظهر
شخصيات دينية مصطنعة تُقدَّم للجمهور عبر المنصات الرقمية باعتبارها مصادر للمعرفة
الدينية، وفي أغسطس 2026، تناولت «Religion News Service» نماذج
لشخصيات دينية مولدة بالذكاء الاصطناعي، من بينها شخصية تحمل اسم «Shaykh AI»، وتعلن أنها نظام اصطناعي.
قد لا يعتقد
المستخدم أن هذه الشخصية إنسان حقيقي، لكنه قد يمنحها تدريجياً سلطة العالِم لأنها
متاحة دائماً، وسريعة، وتتحدث بلغة واثقة، وهنا يبرز خطر آخر؛ أن تتحول القدرة على
إنتاج إجابات مقنعة إلى مصدر لسلطة دينية لم تُبنَ على علم أو أهلية.
يقول تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)؛ أي أن الأصل هو الرجوع إلى أهل
العلم، لا إلى أي مصدر متاح يعطي إجابات مقنعة.
كما حذر النبي صلى
الله عليه وسلم من تصدر غير المؤهلين للفتوى فقال: «إن الله لا يقبض العلم
انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً
اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (صحيح البخاري،
100)
كيف نتحقق من الفتوى قبل نشرها؟
في عصر التزييف،
لا يكفي أن يكون الصوت مألوفاً أو الصورة مقنعة، ينبغي البحث عن التسجيل الكامل،
والرجوع إلى الحساب الرسمي للعالم أو المؤسسة التي يمثلها، ومقارنة المقطع بالنص
المكتوب أو النسخة الأصلية، وعدم نشر أي فتوى لا يمكن التحقق من نسبتها.
وهذا مهم خصوصاً
للشباب؛ فقد وجدت «اليونسكو» في استطلاع عالمي عام 2024م أن 62% من صناع المحتوى
الرقمي الذين شملهم الاستطلاع لا يجرون تحققاً صارماً ومنهجياً من المعلومات قبل
مشاركتها.
ويؤكد القرآن
هذا المعنى بقوله تعالى: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء: 36)، وقال النبي صلى
الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» (صحيح مسلم، 5).
ولا تقع مسؤولية
التحقق من المعلومات على الجمهور وحده، فالمؤسسات الدينية مطالبة أيضاً ببناء حضور
رقمي موثوق؛ من أرشفة الفتاوى والمحاضرات، وتوثيق الحسابات الرسمية، وتوفير نسخ
أصلية من المواد، وإتاحة قناة واضحة لنفي المقاطع المزيفة، كما يمكن استخدام
تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها في الفهرسة والبحث والكشف عن التلاعب، بدلاً من ترك
المجال لمن يستخدمها للتضليل.
التثبت من مصدر الفتوى
لم يكن الإسلام
ضد وسائل نقل المعرفة، بل وضع قواعد لحمايتها، ومن أعمق ما تكشفه علوم الحديث أن
نسبة الكلام إلى قائله ليست أمراً هامشياً؛ ولذلك نشأت عناية دقيقة بالرواة وطرق
النقل، ولا يصح مساواة مقطع رقمي بإسناد الحديث، لكن المبدأ الذي يجمعهما واضح: لا
تُنسب الأقوال إلى أصحابها بلا تثبت.
ومن ثم، فإن
مواجهة تزييف الفتاوى بالذكاء الاصطناعي لا تعني رفض التكنولوجيا أو الخوف منها،
وإنما تعني وضعها في موضعها الصحيح؛ بحيث تكون أداة يمكن أن تخدم البحث والمعرفة،
لكنها لا تملك بذاتها أهلية الإفتاء ولا سلطة العالِم.
فالعالِم
الحقيقي يمكن أن يُسأل ويُراجع ويصحح قوله، وتُعرف مؤلفاته وشيوخه ومؤسساته؛ أما
الشخصية المصطنعة، فقد لا تكون سوى صوت وصورة صمما لخداعك!
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً