نتنياهو.. بين رهانات البقاء وكلفة القرار
منذ عودته إلى
رئاسة الحكومة «الإسرائيلية»، لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد رئيس وزراء يدير شؤون
دولة، بل تحول إلى محور تتقاطع عنده أزمات النظام السياسي وتناقضاته البنيوية،
فالرجل الذي نجح لعقود في تقديم نفسه باعتباره «سيد الأمن» وصاحب القدرة الفائقة
على المناورة السياسية، يجد نفسه اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى،
فالحفاظ على البقاء السياسي في ظل بيئة داخلية وخارجية تزداد اضطراباً، دون أن
تتحول قراراته إلى عبء إستراتيجي على «إسرائيل» نفسها.
فهم سلوك نتنياهو لا يكتمل من خلال التركيز على شخصيته أو خياراته الآنية فقط، بل يتطلب
قراءة أعمق للبنية السياسية التي أنتجته وأعادت إنتاجه، فنتنياهو ليس مجرد فاعل
سياسي مستقل، بل هو أيضاً تعبير عن تحولات عميقة شهدها المجتمع «الإسرائيلي» خلال
العقود الثلاثة الأخيرة، حيث تصاعد نفوذ اليمين القومي والديني وتراجعت التيارات
الليبرالية التقليدية وأصبحت الاعتبارات الأمنية والهوياتية المحدد الرئيس للسلوك
الانتخابي.
ضمن هذا السياق،
تبدو قرارات نتنياهو مرتبطة دائماً بمنطق البقاء، فكل أزمة سياسية تتحول إلى معركة
وجودية بالنسبة له، وكل استحقاق أمني يصبح جزءاً من معادلة الحفاظ على السلطة،
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية، فكلما سعى إلى تعزيز بقائه السياسي ارتفعت الكلفة
السياسية والمؤسساتية والإستراتيجية التي تدفعها الدولة.
البقاء السياسي كمنطق حاكم للقرار
يصعب الفصل بين
القرارات الكبرى التي اتخذها نتنياهو، وهاجس البقاء في السلطة، فمنذ سنوات باتت
الحكومات «الإسرائيلية» تعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، حيث تتفكك الائتلافات
بسرعة وتتكرر الانتخابات بصورة غير مسبوقة، وفي ظل هذا الواقع أصبح رئيس الوزراء
أسيراً لتحالفات هشة تعتمد على أحزاب دينية وقومية متطرفة تمتلك قدرة كبيرة على
الابتزاز السياسي.
هذه البنية
الائتلافية دفعت نتنياهو إلى تبني سياسات لا تعكس بالضرورة رؤيته الشخصية فقط،
وإنما تعكس أيضاً ضرورات المحافظة على تماسك الحكومة، فكل تنازل يقدمه لشركائه
يضمن استمرار بقائه، لكنه في المقابل يوسع نفوذ القوى الأكثر تشدداً داخل النظام
السياسي.
من هنا يمكن فهم
الكثير من القرارات التي أثارت جدلاً واسعاً داخل «إسرائيل» وخارجها، فالقرار لم
يعد مجرد استجابة لحسابات المصلحة الوطنية بالمعنى التقليدي، بل أصبح مرتبطاً
بحسابات البقاء الشخصي والحزبي، وهذا ما أدى إلى تداخل غير مسبوق بين المجالين
العام والخاص، إذ باتت مصلحة الائتلاف الحاكم تتقدم أحياناً على اعتبارات الدولة
ومؤسساتها.
وتبرز هذه
الإشكالية بصورة أوضح في العلاقة المتوترة بين نتنياهو والمؤسسات القضائية،
فالصراع الذي دار حول إصلاحات القضاء لم يكن مجرد خلاف قانوني، بل عكس صداماً بين
رؤيتين للدولة؛ الأولى تسعى إلى تعزيز سلطة الأغلبية السياسية وتقليص دور المؤسسات
الرقابية، والثانية ترى أن استقلال القضاء يشكل ضمانة أساسية للتوازن الديمقراطي.
لقد كشف هذا
الصراع عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام «الإسرائيلي» نفسه، فبدلاً من أن تكون
المؤسسات إطاراً مستقلاً فوق الصراعات السياسية، أصبحت جزءاً من الاستقطاب الحاد
الذي يعيشه المجتمع، وفي هذا المناخ، تحول نتنياهو إلى رمز لمعركة تتجاوز شخصه،
معركة تتعلق بمستقبل الدولة وهويتها السياسية.
الكلفة الإستراتيجية وتآكل القدرة على إدارة الأزمات
إذا كان منطق
البقاء قد وفر لنتنياهو فرصاً متكررة للاستمرار في الحكم، فإنه في المقابل فرض
كلفة متزايدة على المستوى الإستراتيجي، فالدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها
نموذجاً للاستقرار المؤسسي في الشرق الأوسط، أصبحت تعاني انقسامات داخلية حادة
تهدد تماسكها الاجتماعي والسياسي.
لقد أظهرت
الأزمات الأخيرة أن التحدي الأكبر الذي يواجه «إسرائيل» ليس فقط في محيطها
الإقليمي، بل أيضاً داخل بنيتها الداخلية، فحالة الاستقطاب بين اليمين واليسار، والعلمانيين
والمتدينين، والمركز والأطراف، أصبحت أكثر حدة من أي وقت مضى ومع كل جولة من
الصراع السياسي تتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وتتراجع قدرة الدولة على إنتاج
توافقات وطنية واسعة.
على المستوى
الدولي ساهمت سياسات نتنياهو في زيادة الضغوط على «إسرائيل»، فبينما كان يعتمد في
السابق على شبكة واسعة من العلاقات الدولية تمكنه من المناورة، أصبحت حكومته تواجه
انتقادات متزايدة من شركاء تقليديين، ويعود ذلك إلى أن العديد من السياسات
المرتبطة بالاستيطان أو بإدارة الصراع الطيني أو بإعادة تشكيل المؤسسات الداخلية
باتت تُقرأ خارجياً باعتبارها مؤشرات على انزياح «إسرائيل» نحو نموذج أكثر قومية
وأقل ليبرالية.
أما على المستوى
الأمني، فإن الاعتماد المفرط على الأدوات العسكرية أثار تساؤلات متزايدة حول حدود
القوة نفسها، فالتفوق العسكري رغم أهميته لا يوفر بالضرورة حلولاً مستدامة للأزمات
السياسية، وكلما طال أمد المواجهات ارتفعت الكلف الاقتصادية والاجتماعية
والإنسانية، وتراجعت قدرة القيادة على تقديم رؤية إستراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا الإطار،
تبدو معضلة نتنياهو أكثر تعقيداً من مجرد الفوز في انتخابات أو الحفاظ على ائتلاف
حكومي، فالتحدي الحقيقي يتمثل في أن القرارات المصممة لضمان البقاء الآني قد تنتج
آثاراً بعيدة المدى يصعب احتواؤها لاحقاً، وهذا ما يعرف في العلوم السياسية بمشكلة
«النجاح التكتيكي والفشل الإستراتيجي»، حيث يحقق القائد مكاسب قصيرة الأجل لكنه
يضعف قدرة النظام على مواجهة التحديات المستقبلية.
النقطة المركزية
اليوم لا تتعلق فقط بمصير نتنياهو السياسي، بل بمصير النموذج الذي يمثله، فهل
يستطيع النظام «الإسرائيلي» الاستمرار في الاعتماد على إدارة الأزمات بدلاً من
حلها؟ وهل يمكن لمنطق البقاء الشخصي أن يتعايش طويلاً مع متطلبات الدولة
والمؤسسات؟
في المحصلة، يقف
نتنياهو عند تقاطع لحظة تاريخية حساسة، فهو من جهة يسعى إلى الحفاظ على موقعه في
السلطة وسط ضغوط غير مسبوقة، ومن جهة أخرى يواجه واقعاً تتزايد فيه كلفة القرارات
التي يتخذها، وبين رهانات البقاء وكلفة القرار تتكشف أزمة أعمق من مجرد أزمة
قيادة، إنها أزمة بنيوية تمس طبيعة النظام السياسي «الإسرائيلي» وحدود قدرته على
التكيف مع التحولات الداخلية والخارجية.
ولذلك، فإن
مستقبل نتنياهو لن يتحدد فقط بقدرته على المناورة السياسية، بل بقدرة الدولة نفسها
على تحمل نتائج هذه المناورات في السنوات المقبلة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً