5 حدود أخلاقية في زمن اختراق الخصوصية
في زمن تطورت
فيه حياة الإنسان بشكل متسارع، وزاد معه فضوله في معرفة أسرار وأخبار الآخرين، حتى
صارت اختراق الخصوصية في هذا الزمان أمر من عسير، نطرح سؤالاً: هل كل ما
يمكن معرفته يمكن نشره؟
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا
تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12)، وذاك نهي
صريح بعدم البحث عن معلومات عن الغير وهو ما يسمى بالتجسس أو التحسس، وقد وضعت 5
حدود لا ينبغي تجاوزها في التعامل مع الآخرين:
أولاً: لا تقتحم خصوصية أحد لمجرد أنك تقدر:
قبل اختراع الإنترنت
كانت الأبواب المغلقة والأصوات الخافتة تمثل حماية لأصحابها بمجرد الدخول لبيوتهم،
وقد وضع القرآن حداً واضحاً لحماية تلك البيوت ضماناً لعدم التلصص على الناس وكشف
خصوصياتهم، فقال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى
تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) (النور: 27).
وتوسيعاً لدائرة
حرمة البيوت قال تعالى: (وَإِنْ
قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) (النور: 28)، فقد
تكون الزيارة المفاجئة في وقت غير مناسب لأهل البيت، قد تكون ظروفهم لا تسمح
باستقبال أحد في ذلك الوقت، فعلى الزائر ألا يغضب إذا قيل له: ارجع، ويتلمس في ذلك
الأعذار.
ولذلك قال النبي
صلى الله عليه وسلم لرجل اطلع على حجرته من شق الباب وقد كان بيده شيء يحك به
رأسه: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر»
(رواه البخاري، ومسلم).
وقد تبدلت صورة
فتحة الباب التي يمكن النظر من خلالها، إلى برامج وتطبيقات مشبوهة يمكن أن تخترق
خصوصية الحسابات المحمية بكلمات المرور الخاصة، فلا تستخدم كل قدرة أتاحتها لك
التقنيات الحديثة، في اقتحام خصوصية الناس.
ثانياً: لا تجعل الفضول محركاً إلى اختراق الخصوصية:
يقول النبي صلى
الله عليه وسلم: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا
تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً» (رواه
البخاري، ومسلم).
والنهي عن تحسس
أخبار الناس مطلق كما نص الحديث، والفضول يزين الباطل بحجة أنه يريد فقط أن يعرف،
أو يتبين، فيبدأ في البحث عن تلك البرامج التي تفتح له ما لا ينبغي التلصص عليه
ليتحول الأمر فيما بعد إلى إطلاق الأحكام، ثم نشرها على أنها حقائق وواقع.
ثالثاً: السر أمانة.. فأمسك عليك لسانك وقلمك:
وقد يضيق صاحب
سر به فيفضي إلى أحدهم وهو يتلفت، أو وهو يوصيه بعدم إفشائه، وفي ذلك يقول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إذا حدَّث الرجلُ بحديثٍ ثم التفتَ فهي أمانة» (رواه أبو
داود والترمذي)، فالسر أمانة، ومن يفشه يخُن للأمانة.
تلك الدقة في
حفاظ الإسلام على أسرار الناس، لا تتناسب بحال مع من يفتحون مكبر الصوت ليسمع
الحاضرون المحادثة دون إذن من الطرف الآخر على الهاتف، أو يقومون بتسجيلها دون إذن
ليعودوا إليها في وقت آخر!
وهنا يتجلى قول
النبي صلى الله عليه وسلم: «من ستر مسلمًا في الدنيا ستره اللهُ في الدنيا والآخرة»
(رواه مسلم)، والستر هنا مقيد بالمصالح، فلا يجب ستر مجرم أو من عطل حقوق الناس،
وإنما المقصود عدم تحويل الأخطاء الشخصية التي لم يجهروا بها إلى مادة للتشهير أو
الانتقام.
رابعاً: لا تُحِل ما تعرفه لاستنزاف أو ابتزاز:
وبالبحث غير
المبرر، قد يعرف الإنسان ما يخجل أحدهم، خطأ قديماً، أو تجربة مؤلمة مرت، أو أي
نقطة ضعف، فيستخدمها ضده حين يحدث بينهما خلاف ما، وبعد أن كاد السر أن يموت،
يذكره به قائلاً: أنا أعرف عنك كذا، أو لا تنسَ أنني أعرف، ثم هو يحدث هذا وذاك.
بينما الإسلام
قد نهى عن الغيبة، فقال تعالى: (وَلَا
يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12)، ويقول النبي صلى الله عليه
وسلم: «أتدرون ما الغيبة؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما يكره»،
قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم
يكن فيه فقد بهته» (رواه مسلم)، والغيبة ذكر أخيك بما يكره وإن كان مبتلى به، وإن
لم يكن فيه فهو بهتان.
خامساً: لا تنقل خبراً لمجرد إثارته:
مما تتألم له
النفس، أن تتحول حياة الآخرين مادة لجمع الإعجابات وزيادة عدد المتابعين، خاصة إذا
كانت شخصيات معروفة، فينقل عنهم صورة خاصة، أو خبراً يثير فضول الناس، أو حتى خطأ
شخصياً يقع فيه البعض، هو ينقل قائلاً: أنا لا أكذب.
لكن النبي صلى
الله عليه وسلم يقول محذراً: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو
ليصمت» (رواه البخاري)، وهنا تتجلى أخلاق مسلم في مقاومة إغراء الأخبار المثيرة،
إن لم تكن لها نفع على المسلمين.
إننا نحتاج في
زماننا بين كل تلك التقنيات التي يسرت الاطلاع على عورات الآخرين أن نطرح على
أنفسنا تساؤلات مهمة قبل الخوض فيما يوقعنا في المحظور، علينا أن نسأل: هل هذه
المعلومة تخصني؟ هل تحتاج الأطراف التي سوف تطلع عليها إلى معرفتها؟ هل يترتب على
نشرها ضرر أو حرج؟ وهل أستطيع تحمل النتائج المترتبة على نشرها؟
الأخلاق
الحقيقية لا تظهر فقط حين نملك القدرة على الفعل، وإنما تظهر بالتجاوز والستر رغم
القدرة على الإيذاء
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً