لماذا لا ينتهي الدور بالشيخوخة؟ موقف يزيد بن الأسود الجرشي

عبدالله السيد

25 أغسطس 2026

150

"رسم تعبيري عن يزيد بن الأسود الجرشي ومعنى العزيمة رغم الشيخوخة"

روى الإمام الذهبي في ترجمته ليزيد بن الأسود الجرشي(1): قال يونس بن ميسرة، قلت له: يا أبا الأسود، كم أتى عليك؟ قال: أدركت العزى تُعبد في قرية قومي(2).

قيل: إنه قال: قلت لقومي: اكتبوني في الغزو، قالوا: قد كبرت، قال: سبحان الله! اكتبوني فأين سوادي في المسلمين؟ قالوا: أما إذ فعلت فأفطر وتقو على العدو، قال: ما كنت أراني أبقى حتى أعاتب في نفسي، والله لا أشبعها من الطعام، ولا أوطئها من منام حتى تلحق بالله(3).

يمثل هذا الخبر صورة نادرة من صور التفاعل بين طول العمر وقوة التكليف؛ فهو لا يعرض مجرد رغبة رجل كبير في المشاركة، بل يكشف عن إنسان تشكل وعيه في مرحلة انتقال تاريخية كبرى؛ من مجتمع الجاهلية إلى مجتمع التوحيد، ومن عبادة الأصنام إلى حمل رسالة الإسلام، وتأتي أهمية الموقف من كونه يبرز كيف يمكن للإيمان أن يعيد بناء علاقة الإنسان بعمره وجسده ودوره في الجماعة.

أثر معايشة الجاهلية في تعميق الإحساس بنعمة التوحيد

إن عبارة يزيد بن الأسود: «أدركت العزى تُعبد في قرية قومي» ليست مجرد إشارة إلى قدم عمره، بل تحمل دلالة تاريخية عميقة؛ فهو شاهد على زمن تغيرت فيه منظومة الاعتقاد والقيم، لقد عاش مرحلة الانتقال من تصورات الجاهلية إلى أفق التوحيد، ولذلك كان شعوره بالمسؤولية مختلفًا؛ فالإنسان الذي أدرك ظلمة الماضي ثم رأى نور الإسلام لا ينظر إلى الطاعة باعتبارها عادة، بل باعتبارها نعمة ومسؤولية.

وهذا التحول من بيئة الشرك إلى أفق التوحيد لا يظهر أثره في الوعي وحده، بل قد يعيد تشكيل حياة الإنسان كلها، كما يتجلى في سيرة سهيل بن عمرو رضي الله عنه، فقد كان في «صلح الحديبية» من أشد المعترضين على كتابة «رسول الله»، ثم لما هداه الله للإسلام تبدلت حاله، وأقبل على العبادة إقبالاً شديداً، فكان يصلي ويصوم ويتصدق ويبكي عند سماع القرآن، حتى عاهد نفسه ألا يترك موقفاً ولا نفقة كان ينفقها مع المشركين إلا وقف مثلها وأنفقها مع المسلمين(4).

وهكذا يكشف موقف سهيل عن المعنى نفسه الذي تحمله عبارة يزيد بن الأسود؛ فمعرفة الإنسان بالماضي الذي خرج منه قد تجعل شعوره بنعمة الهداية أعمق، وتدفعه إلى تحويل هذه النعمة إلى عمل ومسؤولية، فالإسلام لم يكن عند هؤلاء مجرد انتقال في الانتماء، بل تحولاً أعاد ترتيب علاقتهم بالعبادة والإنفاق والعمر كله؛ ولذلك يصبح إدراك فضل الهداية باعثاً على العمل، لا مجرد ذكرى لمرحلة مضت.

وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)، حيث تتحول حياة المؤمن كلها إلى مجال للعبودية، فلا يكون العمر الطويل سببًا للركون، بل فرصة لمزيد من العمل.

ماذا تعني مقولة يزيد: «أين سوادي في المسلمين؟»؟

حين قال قومه له: «قد كبرت»، كانوا ينظرون إلى جانب القدرة البدنية، أما هو فنظر إلى جانب الانتماء والمسؤولية، لم يسأل: هل أستطيع أن أقدم ما يقدمه الشاب؟ بل سأل: هل وجودي في صف المسلمين له معنى؟

ولهذا جاء تعبيره البليغ: «فأين سوادي في المسلمين؟»، والسواد في لغة العرب قد يدل على الجماعة والكثرة، والمعنى هنا أن حضور الفرد داخل الصف له قيمة، حتى لو لم يكن أثره متمثلًا في القوة البدنية وحدها.

وهذا المعنى لا يختص بكِبَر السن، بل يتسع ليشمل كل من قد يظن أن نقص قدرته البدنية يعني انتهاء دوره في خدمة الجماعة، ومن أبلغ الأمثلة على ذلك موقف الصحابي الجليل ابن أم مكتوم رضي الله عنه، فقد كان أعمى، ومع ذلك لم ينظر إلى عجزه عن بعض صور المشاركة باعتباره سبباً للغياب، بل رأى أن لحضوره في الصف قيمة تتجاوز القدرة البدنية، فقال: «ادفعوا إليَّ اللواء؛ فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين»(5).

فكما قال يزيد بن الأسود: «فأين سوادي في المسلمين؟»، أدرك ابن أم مكتوم أن وجوده نفسه يمكن أن يكون رسالة ثبات؛ فالمشاركة ليست دائماً فيما يستطيع الإنسان أن يفعله بيده، وإنما قد تكون في حضوره، وثباته، واستعداده لتحمل المسؤولية بما يقدر عليه، وهنا يتضح أن الجماعة القوية لا تُقصي من تغيرت قدراته، بل تعرف كيف تحول خبرته وحضوره وثباته إلى مصدر قوة ومعنى.

وهذا يكشف عن فهم عميق لطبيعة الجماعة؛ فالأمم لا تبنى فقط بأصحاب القدرات الخارقة، بل أيضًا بأصحاب الثبات الذين يمنح حضورهم الآخرين يقينًا وعزيمة، وفي واقع الناس اليوم يظهر هذا المعنى في ميادين كثيرة؛ فالكبير في السن أو صاحب الخبرة لا يفقد دوره لمجرد تغير قدراته، لأن التجربة والقدوة قد تكونان من أعظم صور العطاء.

كيف واصل يزيد بن الأسود مجاهدة نفسه في مرحلة الشيخوخة؟

لم ينظر يزيد إلى عمره باعتباره نهاية للدور، بل باعتباره رصيدًا من التجربة، فالسنوات الطويلة التي عاشها لم تنتج لديه شعور الانسحاب، بل عمقت إحساسه بقيمة ما بقي من الوقت.

وهذا لون من إعادة ترتيب الأولويات؛ فالإنسان حين يعرف غايته الكبرى لا يجعل الراحة هدفًا نهائيًا، ولذلك قال: «والله لا أشبعها من الطعام، ولا أوطئها من منام حتى تلحق بالله»، وهذه العبارة تصور شدة مجاهدته لنفسه، لا على معنى إهمال البدن أو إبطال حقوقه، وإنما على معنى ألا تتحول المباحات إلى سبب للغفلة عن الغاية.

ويظهر هذا المعنى كذلك في موقف الربيع بن خثيم رحمه الله، حين لم يجعل كِبَر سنه وإصابته بالفالج سببًا للانقطاع عن العبادة، بل كان يُهادى بين رجلين ويُحمل إلى المسجد ليشهد صلاة الجماعة، فلما قيل له: قد رُخّص لك، لم يجعل الرخصة سببًا للانسحاب، وإنما أجاب بقوله: «إني أسمع المنادي يقول: حي على الفلاح، فمن سمع المنادي فليجبه ولو زحفًا أو حبواً»(6).

فكما لم يرَ يزيد بن الأسود أن العمر الطويل مبرر للتراجع، رأى الربيع أن ضعف البدن لا يلغي ما بقي للإنسان من قدرة على الطاعة، وكلا الموقفين يكشف أن قيمة العمر لا تقاس بقوة الجسد ولا بعدد السنوات، وإنما بما يبقى فيه من همة صادقة، وأن مجاهدة النفس تعني أن يسعى الإنسان إلى الطاعة بما يستطيع، مع مراعاة ما شرعه الله من رخص ورحمة.

وقد قرر القرآن أصل مجاهدة النفس في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69)، فالمجاهدة ليست مقصورة على ميدان واحد، بل تشمل مقاومة ما يضعف الصلة بالله.

كيف يصنع الموقف العملي إلهامًا يفوق الخطب الطويلة؟

لم يكن يزيد يمتلك مشروعًا قياديًا بالكلام، لكنه مارس نوعًا من القيادة الصامتة؛ إذ إن رؤية رجل كبير يطلب المشاركة في وقت يراه الناس وقت راحة وانسحاب تحمل رسالة قوية.

وهذا النوع من القيادة الصامتة يظهر بوضوح في موقف أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه، حين قرأ قول الله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا) (التوبة: 41)، فقال: «استنفرنا الله شيوخًا وشبابًا، جهزوني»(7)، وحين قال له بنوه: «قد غزوت على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر، ونحن نغزو عنك»، لم يرَ أن تقدّم السن سبب كافٍ للتراجع، بل أصر على المشاركة، وغزا في البحر وهو شيخ كبير حتى مات في السفينة.

فكما كان موقف يزيد بن الأسود رسالة عملية لمن حوله، كان موقف أبي طلحة كذلك؛ إذ لم يكتفِ بأن يوصي غيره بالبذل، بل جعل من نفسه نموذجًا لما يؤمن به، وهنا تتجلى قيمة القدوة: أن يتحول المبدأ من كلمات تُقال إلى سلوك يُرى، فيتعلم من حول الإنسان أن تغير الظروف لا يعني بالضرورة انتهاء العطاء، وأن القيادة قد تبدأ من موقف صادق يوقظ الهمم أكثر مما تفعل الخطب الطويلة.

فالقيادة ليست دائمًا منصبًا أو سلطة، بل قد تكون موقفًا يغير تصورات الآخرين، وقد كان الصحابة والتابعون يدركون أثر القدوة العملية، ولذلك كانت سيرهم تربي الأجيال أكثر مما كانت تخطب فيها.

وفي المجتمعات المعاصرة، تحتاج المؤسسات والأسرة ومجالات التعليم والدعوة إلى هذا النوع من النماذج؛ فالشخص الذي يستمر في العطاء بعد تغير الظروف يرسل رسالة مفادها أن القيمة لا ترتبط فقط بالظروف الخارجية، بل بصدق الغاية.

متى تتحول الرخص الشرعية إلى ذريعة لتعطيل الطاقات؟

عرض قوم يزيد عليه أن يفطر ويتقوى على العدو، وهو عرض يدل على مراعاة حاله، لكنه رأى في نفسه رغبة في بذل المزيد، وهنا يظهر الفرق بين الحكم العام على الناس وبين اختيار الإنسان لنفسه من أبواب الاجتهاد الشخصي.

فالشريعة جاءت بالتيسير ورفع الحرج، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: 286)، لكنها كذلك ربت أصحاب الهمم العالية على استثمار طاقتهم في الخير.

ويؤكد هذا المعنى موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، الذي لم يرَ في الشيخوخة وطول العمر سببًا للانقطاع عن ميادين البذل، بل ظل حاضرًا في الغزو في سبيل الله حتى بلغ به الأمر أن خرج وهو شيخ كبير طاعن في السن، واستمر في ذلك حتى توفي عند أسوار القسطنطينية ودُفن هناك.

واللافت في هذا الموقف أن الدافع لم يكن تجاهل مشقة السن، وإنما إدراك أن ما بقي من القدرة يمكن أن يوظف في خدمة الغاية التي يؤمن بها الإنسان، وهذا يفتح بابًا مهمًا في فهم الهمة: فليست العبرة بأن يقتحم المرء ما يعجز عنه، وإنما أن يستثمر ما يستطيع، وألا يجعل الرخص والتسهيلات التي شُرعت رحمةً به ذريعةً إلى تعطيل طاقته حين يكون قادرًا على مزيد من الخير.

ولهذا، فإن الدرس المستفاد ليس أن يحمّل الإنسان نفسه ما لا يطيق، وإنما أن يعرف قدرته وألا يجعل التسهيلات بابًا للكسل إذا كان قادرًا على البذل.

كيف يرفع حضور الفرد الواحد معنويات الجماعة؟

تكشف كلمة «سوادي في المسلمين» عن وعي اجتماعي مهم؛ فالفرد داخل الجماعة ليس رقمًا مهملًا، وقد جاء في الحديث: «من كثر سواد قوم فهو منهم» وهو حديث ذكره أهل العلم في أبواب المعاني المتعلقة بالانتماء والمشاركة، مع اختلاف أهل الحديث في درجته.

الأفضل هنا أن نربط بين «سوادي في المسلمين» وأثر حضور الفرد في رفع معنويات الجماعة، ثم يأتي موقف الزبير نموذجًا عمليًا للقوة التي لا تنفصل عن أثرها الجماعي، مع تجنب الصياغة المتكررة التي أشرت إليها.

ومن صور هذا الأثر الجماعي أن يتحول حضور الفرد إلى مصدر ثبات لمن حوله، وهو ما يظهر في موقف الزبير بن العوام رضي الله عنه يوم اليرموك، حين قال له أصحابه: «ألا تشد فنشد معك؟»، فحمل على الروم وحده، وشق صفوفهم حتى جاوزهم ثم رجع(8).

ولم تكن قيمة هذا الموقف في الجرأة الفردية وحدها، وإنما فيما يصنعه هذا النوع من المواقف من أثر في الجماعة؛ فحين يرى الناس أحد أفرادهم يتقدم عند موضع التردد، تتولد في الصفوف ثقة تدفع الآخرين إلى الثبات والمبادرة، وهنا تتسع دلالة قول يزيد: «فأين سوادي في المسلمين؟»؛ فوجود الإنسان بين إخوانه قد يكون في ذاته مشاركةً معنوية، وقد يتحول حضوره حين يقترن بالشجاعة والثبات إلى قوة تدفع الجماعة كلها إلى الأمام.

ومعنى الفكرة ظاهر من جهة الاجتماع الإنساني؛ وجود الأشخاص في الصفوف يعطي الجماعة قوة معنوية، ويصنع شعورًا بالتماسك، وهذا لا يقتصر على ميادين القتال، بل يظهر في العمل التطوعي، والتعليم، والدعوة، وبناء المجتمعات.

حين تتجاوز إرادة الروح حدود ضعف الجسد

تجسد حال يزيد المعنى الذي عبر عنه أبو الطيب المتنبي:

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً      تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ

وتتجلى هذه الفكرة في موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يوم «أُحد»، حين جعل جسده فداءً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقاتل دونه حتى نُزف وجُرح بضعًا وسبعين ضربة وطعنة ورمية، وقُطعت إصبعه، ومع ذلك لم يتحول الألم والضعف البدني إلى تراجع في عزيمته(9).

وفي مثل هذه المواقف يتضح أن قوة الإنسان لا تُقاس بسلامة جسده وحدها، فقد ينهك البدن بينما تبقى الإرادة قادرة على الصمود والبذل، غير أن الهمة الراشدة ليست اندفاعًا مجردًا، وإنما طاقة يوجهها الإيمان والوعي بالمسؤولية؛ ولذلك كانت همة طلحة رضي الله عنه في تلك اللحظة قوة مسخرة لحماية النبي صلى الله عليه وسلم، لا مجرد طلب للمواجهة أو إظهار للشجاعة.

فالعلاقة بين قوة الروح وقدرة الجسد ليست دائمًا علاقة تطابق؛ فقد يضعف البدن بينما تبقى الإرادة حية، لكن القيمة الحقيقية أن تتحرك هذه الإرادة في إطار الحكمة والشرع ومعرفة حدود الإنسان.

تقدم قصة يزيد بن الأسود الجرشي نموذجًا للإنسان الذي لم يسمح للزمن أن يحوله من صاحب رسالة إلى متفرج عليها، فقد رأى أن العمر الطويل ليس عذرًا للانسحاب، بل أمانة تستحق أن تُستثمر حتى النهاية.

إن أعظم ما تكشفه هذه السيرة أن الإنسان لا يقاس فقط بما يملكه من قوة ظاهرة، بل بما يحمله من يقين، وما يتركه من أثر، وما يقدمه من حضور في ميادين الخير، فحين ترتبط الحياة بمعنى أعلى من الراحة، يصبح حتى العمر المتقدم مجالًا للعطاء والتجدد.

الهوامش
  • 1 يزيد بن الأسود الجرشي من سادة التابعين بالشام، يسكن بالغوطة بقرية زبدين، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وله دار بداخل باب شرقي.
  • 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص134.
  • 3 المرجع السابق، ج4، ص134.
  • 4 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج1، ص34-35.
  • 5 تاريخ الإسلام للذهبي، ج3، ص145.
  • 6 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج2، ص12.
  • 7 سير أعلام النبلاء، ج2، ص29.
  • 8 المرجع السابق، ج1، ص63.
  • 9 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج1، ص17-18.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة