ضمير الشاهد قبل الحكم القضائي..

كيف تحمي أمانة الشهادة العدالة؟ موقف شريح القاضي

مشهد رمزي لشريح القاضي وهو يذكّر الشهود بمسؤوليتهم عن الحق والعدل.

أورد الذهبي عن ابْن سِيْرِيْنَ قَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ يَقُوْلُ لِلشَّاهِدَيْنِ: إِنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ أَنْتُمَا، وَإِنِّي لَمُتَّقٍ بِكُمَا فاتقيا(1).

يمثل هذا الأثر القصير صورة مكثفة عن فلسفة شريح بن الحارث الكندي في القضاء؛ فهو لا ينظر إلى المحكمة على أنها مكان يصدر فيه القاضي حكمه بسلطته المجردة، وإنما يراها منظومة دقيقة تتوزع فيها المسؤوليات بين القاضي والشاهد وصاحب الدعوى.

وقد نشأ هذا الفقه القضائي في بيئة الكوفة، تلك المدينة التي كانت من أهم مراكز العلم والسياسة والتجارة في صدر الإسلام، وفيها اجتمعت أجناس مختلفة، وتنوعت المصالح والمعاملات؛ ما جعل الحاجة شديدة إلى قضاء يجمع بين قوة النظام ورقابة الضمير.

وشريح القاضي الذي تولى القضاء زمنًا طويلًا أصبح نموذجًا للقاضي الذي يفهم أن أخطر ما يهدد العدالة ليس ضعف السلطة، وإنما فساد المعلومات التي تُبنى عليها الأحكام؛ ولذلك، كانت كلماته للشهود تربية لهم قبل أن تكون توجيهًا لهم.

كيف أعاد شريح القاضي تعريف مسؤولية الشاهد في صناعة القرار؟

حين قال شريح القاضي للشاهدين: «إنما يقضي على هذا الرجل أنتما»، لم يكن يقصد أن يعفي نفسه من مسؤولية الحكم، بل كان يضع كل طرف أمام موقعه الحقيقي، فالقاضي يحكم بما يظهر له من البينات، ولا يملك الاطلاع على خفايا النفوس، ولهذا فإن الشهادة الصادقة تصبح أساسًا في إقامة العدل، بينما تكون الشهادة الزائفة سببًا في قلب الحقائق.

والناظر في السيرة النبوية الشريفة يجد أن «حادثة الإفك» قد جمعت بين شهادتين متناقضتين، الأولى: أدت إلى قلب الحقائق وتزوير الأحداث، وهي شهادة عبدالله بن أبي بن سلول بوقوع الفاحشة، والشهادة الثانية: كانت لعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، والجارية بريرة للتثبت من الشهادات والوقائع المادية الظاهرة، ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في «حادثة الإفك» بناءً على الظنون أو الشبهات الشائعة ولا على أمور الغيب، بل توقف ولم يجزم بشيء حتى تحرّى واستشار.

وقد أكدت السُّنة النبوية الشريفة أن القاضي لا يحكم بما يظهر له لأول وهلة، بل يرجع إلى الشهود لإثبات الوقائع، ثم أوضحت السُّنة مسؤولية كل قائل عن قوله ومحاسبته عليه، فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ ‌يَكُونَ ‌أَلْحَنَ ‌بِحُجَّتِهِ ‌مِنْ ‌بَعْضٍ، فَأَقْضِي نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»(2).

فالرسول صلى الله عليه وسلم يبين أن القضاء البشري يعتمد على الظاهر من الحجج، أما علم السرائر فإلى الله تعالى، ومن هنا تظهر دقة عبارة شريح؛ فقد أراد أن ينقل الشاهد من موقع المتفرج على إجراء قضائي إلى موقع الشريك في صناعة نتيجة قد تمس حياة إنسان وحقوقه.

ويدل على هذا ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان كبر على مارية أم إبراهيم في ابن عم لها يزورها ويختلف إليها قبطي، قال: «خذ هذا السيف وانطلق فإن وجدته عندها فاقتله»، فقلت: يا رسول الله، أكون في أمرك كالسكة المحماة (حديدة المحراث إذا أحميت في النار، فهي تكون أسرع غوراً في الأرض) لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌بل ‌الشاهد ‌يرى ‌ما ‌لا ‌يرى ‌الغائب»، فأقبلت متوشحاً السيف فأجده عندها، فلما رآني اخترطت سيفي فعرف أني أريده، اشتد في نخلة فرقاً فيها حتى إذا كان في نصفها ودنوت منه رمى بنفسه على ظهره، ثم شغر برجله فإذا أنه لأمسح أجب ما له مما للرجال قليل ولا كثير، فغمدت السيف ثم جئت رسول صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فقال: «الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت»(3).

وهذا المعنى لا يختص بالمحاكم وحدها؛ فكل بيئة قرارها يعتمد على معلومات يقدمها أشخاص آخرون، فالموظف الذي يرفع تقريرًا، والخبراء الذين يقدمون توصياتهم، والمعلم الذي يقيم طالبًا، كل هؤلاء يشاركون بدرجات مختلفة في صناعة النتائج.

كيف جعل شريح  القاضي التقوى نظام حماية للقضاء؟

قول شريح القاضي: «وإني لمتقٍ بكما فاتقيا» يحمل معنى دقيقًا؛ فهو لا يعفي نفسه من المسؤولية، ولا يلقيها على الشهود، وإنما يبين أن العدالة منظومة مشتركة، فالقاضي يتقي الله في حكمه، لكنه يعتمد على أمانة من يقدم له المعلومات، والشاهد يتقي الله في شهادته، لأنه يعلم أن كلماته قد تغيّر حياة إنسان، وهذا ينسجم مع قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: 2)، وقال سبحانه: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة: 283)، فالشهادة في التصور القرآني ليست مجرد إجراء قانوني، بل عبادة ومسؤولية.

ومن أعمق ما في منهج شريح القاضي أنه لم يعتمد على هيبة منصبه وحدها، بل بنى حول القضاء سياجًا أخلاقيًا؛ لأن القوانين مهما بلغت دقتها تحتاج إلى ضمير يحرسها، ولهذا فإن المجتمعات لا يحفظ عدلها كثرة الأنظمة فقط، وإنما يحفظه وجود أشخاص يستشعرون أثر أفعالهم.

وقد أوضح الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مظاهر التقوى في القضاء كنظام حماية للقاضي والخصوم، فقال في رسالته إلى أبي موسى الأشعري:

«بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبدالله بن قيس: سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّة متّبعة، فافهم إذا أدلى إليك، وانفذ إذا تبيّن لك، فإنه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحلّ حراما، أو حرّم حلالا، ولا يمنعنّك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك، ‌أن ‌ترجع ‌إلى ‌الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب الله ولا سُنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادّعى حقّاً غائباً أو بيّنة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بيّنته أخذت له بحقّه، وإلّا استحللت عليه القضية، فإن ذلك أنفى للشك، وأجلى للعمى، وأبلغ في العذر»(4).

إدارة شريح القاضي الوقائية لأخطار الخطأ في القضاء

القاضي يواجه دائمًا خطرين؛ أن يظلم بسبب نقص المعلومات، أو أن يتأثر بضغط المجتمع والخصوم، وقد واجه شريح القاضي هذا الخطر بطريقة وقائية؛ فلم ينتظر ظهور الخطأ، بل بدأ بمعالجة مصدره قبل أن يصدر الحكم.

فعبارته للشاهدين تشبه التنبيه المبكر الذي يراجع الإنسان فيه موقفه قبل اتخاذ القرار، إنها دعوة للتوقف والتأمل: هل ما أقوله حق؟ هل أدرك أثر شهادتي؟ هل أستطيع أن ألقى الله بها؟

وهذا النوع من الإدارة الوقائية هو من سمات القيادات الناجحة؛ فالمدير الحكيم لا ينتظر فشل المشروع حتى يبحث عن السبب، بل يبني من البداية ثقافة الصدق والمراجعة وتحمل المسؤولية.

وفي المؤسسات المعاصرة، قد يكون أكبر أسباب الخطأ ليس ضعف القرار النهائي، بل ضعف البيانات التي سبقت القرار، ولذلك فإن صناعة بيئة صادقة للمعلومات تعد جزءًا من صناعة العدالة نفسها.

كيف فكك شريح القاضي ضغط الجماعة عن الشهود؟

من أخطر المؤثرات في الشهادة تأثير الجماعة؛ فقد يميل الإنسان إلى موافقة المحيط أو حماية علاقة اجتماعية أو مصلحة مشتركة.

وقد أدرك شريح القاضي هذا البعد الإنساني، ولذلك خاطب الشاهدين بصفتهما الفردية: أنتما من سيقع أثر شهادتكما، وأنتما من تتحملان مسؤوليتها.

وهذه الطريقة تعيد الإنسان إلى وعيه الأخلاقي المستقل، وتمنعه من الاختباء خلف الجماعة.

وممن تحرر من ضغط الجماعة ومألوفاتها وخرج لينطق بالحق رغم المواجهة الشديدة من الحشود المحيطة زيد بن أرقم رضي الله عنه، في غزوة «بني المصطلق»؛ حيث سمع عبدالله بن أبي بن سلول يقول لقومه: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، وقوله: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا»، فنقل زيد الخبر للرسول صلى الله عليه وسلم بوعي أخلاقي مستقل، ولم يخضع لضغط قومه الذين لاموه وعاتبوه واستنكروا قوله، حتى أنزل الله سورة «المنافقين» لتصديقه وتفكيك ضغط الجماعة عنه(5).

ومن المواقف التي تدل على التحرر من ضغط الجماعة والحرص على إظهار الحق ما كان في موقف أسماء بنت عميس رضي الله عنها حين دخل عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال أمام الحاضرين: «سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله منكم»، فلم تخضع لضغط الجماعة ولا لهيبة الخطاب الجماعي، بل تحررت من التبعية وقالت بثبات فردي: كلا والله، كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء بالحبشة، وايم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، وَاللهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «فَمَا قُلْتِ لَهُ؟»، قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ، وَلَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ»(6).

وفي واقع المؤسسات والمجتمعات، تظهر أهمية هذا المبدأ عند انتشار ثقافة الصمت أو المجاملة؛ فالنزاهة تحتاج إلى أفراد يدركون أن مسؤوليتهم لا تسقط لأن الجميع يفعلون الشيء نفسه.

ومن الأمثلة على ذلك ما كان من ثبات أبي حازم سلمة بن دينار وحيداً أمام الخليفة سليمان بن عبدالملك وجلسائه في المجلس، فلما انتقده أحد الحاضرين قاطعاً له ليتماهى مع ضغط السلطة والجماعة بقوله: «بئس ما قلت يا شيخ»، خاطبه أبو حازم بوعيه الفردي المستقل قائلًا: «كذبت، إن الله تعالى أخذ على العلماء لتبيننه للناس ولا تكتمونه»(7).

كيف أيقظت كلمات شريح الموجزة ضمير الشاهد؟

من جمال أسلوب شريح أنه جمع معنى واسعًا في عبارة موجزة: «إنما يقضي على هذا الرجل أنتما، وإني لمتقٍ بكما فاتقيا».

فهي جملة قصيرة، لكنها تحمل عدة طبقات من المعنى: تحديد المسؤولية، وإثارة التقوى، والتنبيه إلى خطورة الكلمة، وربط الحكم الأخروي بالحكم الدنيوي، وهذا من خصائص الخطاب الحكيم؛ فالكلام المؤثر ليس بكثرته، وإنما بقدرته على إصابة المعنى في موضعه.

ومن ذلك عبارة النبي صلى الله عليه وسلم البليغة لأسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما جاء يشفع في الحد: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟»(8)، فهي كلمة موجزة أيقظت الضمير وحسمت موقف الأمة تجاه خطورة المحاباة في تطبيق النظام.

وقد كان علماء السلف يعتنون بجوامع الكلم، لأن الموقف القضائي أو التربوي لا يحتمل دائمًا الإطالة، وإنما يحتاج إلى عبارة توقظ القلب وتوجه العقل.

لماذا تفشل القرارات العادلة مع البيانات المضللة؟

يقدم موقف شريح درسًا ممتدًا لكل من يشارك في صناعة قرار؛ فالعدل لا يبدأ عند لحظة إصدار الحكم، بل يبدأ قبل ذلك عند لحظة نقل المعلومة.

فالقائد الذي يعتمد على فريقه يحتاج إلى صدقهم وأمانة المعلومة التي بين أيديهم كما يحتاج القاضي إلى صدق الشهود.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي عينا على هوازن وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام فيهم، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره الخبر(9).

والمؤسسة التي تريد النجاح تحتاج إلى بيئة لا تخاف من كشف الحقيقة، لأن المعلومات المضللة قد تصنع قرارات خاطئة مهما كان صاحب القرار نزيهًا.

كما أن المسؤول الناجح لا يجعل سلطته سببًا في الاستعلاء، بل يجعلها وسيلة لإقامة المعايير، وهذا ما يظهر في منهج شريح؛ فقد لم يكن يبحث عن تثبيت نفوذه، وإنما عن حماية الحق.

إن قضاء شريح يذكرنا بأن العدالة ليست كرسيًا يجلس عليه القاضي، بل أمانة يحملها كل من يملك كلمة تؤثر في مصير إنسان.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 50).
  • 2 متفق عليه، أخرجه البخاري، (7169)، ومسلم (1713).
  • 3 السير والمغازي: ابن إسحاق، ص 271.
  • 4 جمهرة رسائل العرب في عصور العربية (1/ 225).
  • 5 راجع: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون (3/ 78).
  • 6 صحيح البخاري (4230).
  • 7 تاريخ دمشق: ابن عساكر (22/ 39).
  • 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (2348)، ومسلم (1688).
  • 9 سيرة ابن هشام (2/ 440).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة