قراءة في موقف ابن الحنفية من اتهامات يزيد ومنهج الحكم على الشخصيات في زمن الفتن

يزيد بن معاوية بين الشائعة والشهادة.. منهج ابن الحنفية في الحكم

صورة رمزية لمخطوط تاريخي وميزان بين روايتين، تعبر عن فحص الأدلة والإنصاف في قراءة التاريخ دون تجسيد الشخصيات.

أورد الامام الذهبي في سير أعلام النبلاء عن صخر بن جويرية، عن نافع، قال: مشى عبدالله بن مطيع وأصحابه إلى ابن الحنفية(1)، فأرادوه على خلع يزيد(2) فأبى، قال ابن مطيع: إنه يشرب الخمر، ويترك الصلاة ويتعدى حكم الكتاب، قال: ما رأيت منه ما تذكر وقد أقمت عنده، فرأيته مواظباً للصلاة، متحرياً للخير، يسأل عن الفقه، قال: ذاك تصنّع ورياء(3).

يمثل هذا الخبر جانبًا مهمًا من الجدل التاريخي حول يزيد بن معاوية، ليس لأنه يحسم جميع تفاصيل شخصيته، ولكن لأنه يكشف عن طبيعة الصراع الذي دار حوله في زمن الفتنة، فقد كان يزيد في قلب أزمة سياسية كبرى بعد توليه الحكم، وأصبح تقييم شخصيته مرتبطًا بمواقف سياسية ودينية متباينة.

ومن هنا تأتي أهمية موقف محمد بن الحنفية؛ فهو لم يدخل في القضية باعتباره طرفًا في الصراع السياسي، بل باعتباره شاهدًا يرفض أن يبني موقفًا على أخبار لم يتحقق منها، وهذا يجعل الرواية نافذة لفهم منهج التعامل مع الشخصيات التاريخية، خصوصًا تلك التي ارتبطت بأحداث كبرى.

كيف أحدث تولي يزيد حراكًا سياسيًا تاريخيًا؟

تولى يزيد بن معاوية ثاني حكام الدولة الأموية، مقاليد السلطة عقب وفاة أبيه رضي الله عنه سنة 60 هـ، في إبان مرحلةٍ كانت الأمة تمشي فيها على جمر الصراعات، وتحاول الرَّفوَ لِما انفتقَ من أسباب الفتنة، وقد اقترن اسمه بوقائعَ جِسام هزت وجدان الوجود الإسلامي؛ أخصُّها مقتل السبط الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما في أرض كربلاء، ثم وقعة «الحرّة» سنة 63هـ، وهي أحداثٌ أضفت على صورته التاريخية قِناعاً من النزاع العريض، وضاعت معها معالمُ التمييز بين النقد السياسي الحصيف والحكم المطلق الجحاف.

ولهذا، فإن استحضار شخصية يزيد يستوجب ميزاناً حَذِراً؛ فلا يصح الاستسلام لهوى الخصوم واستيراد الشائعات، كما لا يستقيم التجاهل للأحداث الثابتة وإسقاط التبعات، إنّ العدل في نقد التاريخ يقتضي جمع الأطراف، وتمييز الأصيل من الدخيل، والتفريق الحاسِم بين نقد الفِعال وتفتيش النيات.

ولطالما أرست الشريعة الغراء قواعد التحري والتجرد عبر أصولٍ منهجية ثلاثة:

1- صيانة السمع بالمعاينة والتثبت (موقف زينب بنت جحش): فعندما عصفت بالمدينة أهاويل الشائعات في فتنة «الإفك»، وركبت النفوسُ ذلول القيل والقال، لم تتأثر أم المؤمنين زينب بنت جحش، رضي الله عنها، بجرف الهواء ولا بعاطفة النساء، بل استمسكت بأمانة المعاينة قائلة للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ إلا خيراً»(4)، فلم تبْنِ شهادتها على نقل خصمٍ أو إشاعةِ مُغرض، بل وقفت عند حدِّ ما أبصرته العين ووعاه الفؤاد.

2- الإنصاف المتجرد في طيّات الخصومة (إنصاف أبي سفيان يوم الفتح): وتتجلى ذروة التجرد القيادي في التعامل مع رجالات التحولات السياسية حين أنصف النبي صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب يوم «فتح مكة»؛ فرغم سنوات العِداء الطوال ومرارات الخصومة القديمة، لم يُلْغِ صلى الله عليه وسلم مكانته بين قومه، بل أفرغ عليه ثوب الإنصاف قائلاً: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»(5)؛ تجسيداً لإعطاء كل ذي قدرٍ قدره، بعيداً عن التشفي والأحقاد.

إن قراءة التاريخ في أزمنة الفتن لا تُبنى على تأجيج العواطف أو استدعاء الضغائن، بل تُقرأ بالتثبت، والتفريق بين تقويم الأفعال الظاهرة، والافتراء على السرائر المكتومة.

لماذا قدم ابن الحنفية المعاينة على نقل الشائعات؟

إنَّ الأصلَ الأصيل في شريعة الإسلام وقواعدها الأخلاقية، أنَّ التهمةَ مرادّةٌ على قائلها، وأنّ براءةَ الذمّةِ يَقينٌ لا يزولُ بالشكّ، ولا تُنتزعُ إلا بالدليل القاطع الذي لا يتطرقُ إليه الاحتمال، ومن هذا المنطلق البديهي النابع من خوف الله والتورّع عن الحرمات، تجلّى موقف محمد بن الحنفية؛ فلم يكن دفاعُه أو امتناعُه عن الإدانة محاباةً ليزيد بن معاوية ولا خشيةً من سلطانه، بل كان صيانةً لدينه وتقوى لربّه.

فعندما أتاه عبدالله بن مطيع وأصحابه يستحثّونه على خلع يزيد، وساقوا بين يديه اتهاماتٍ غلاظاً تَمَسُّ مسلكه ودينه، لم ينسَقْ مع إغراء الاستجابة العاطفية، ولم يخلع جلباب الورع أمام أهواء النّاقلين، بل رَدَّ طوفان القيل والقال عبادةً لله بعبارةٍ ناصعة الحُجّة: «ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد أقمتُ عنده».

إن هذه الكلمة المفصلية ترسم خطاً فاكاً بين شائعةِ السَّماع وحقيقةِ العِيان؛ إذ رفض رضي الله عنه أن يستعيرَ عيونَ الخصوم ليشهدَ بها، أو أن يظلمَ أمانةَ الشهادة بغير علمٍ يقيني، فالإنسانُ في ميزان الشرع لا يُدان بالظنون الملقاة، ولا يُسلبُ أصلَ البراءة بالدعاوى المجردة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: 6)؛ وهي آيةٌ تؤسس لمنهجٍ حضاريٍّ يقي المجتمعاتِ صولاتِ الشائعات التي هي بريدُ الفتن وبذورُ الظلم.

وقد استقر هذا النهجُ الحصيفُ والورعُ الإيماني في أدبيات الأمة عبر مظهرين حاسمين:

1- تأصيل البراءة والأخذ بالظاهر المشهود (قاعدة عمر بن الخطاب): يتألق هذا الأصل في الخطبة الخالدة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أعلن على المنبر ميزانَ العدل في التعامل مع الناس قائلاً: «إن أناساً كانوا تؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم؛ فمن أظهر لنا خيراً أمِنّاه وقرّبناه وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته»(6).

فحرم رضي الله عنه التفتيش في السرائر، وأمر بالوقوف عند حدّ الظاهر الملموس.

2- إن ابن الحنفية بموقفه هذا، يعلّم الأجيالَ أن تقوى الله تقتضي ألا يُمسي المرءُ أُذُناً لكل صيحة، ولا لساناً لكل تهمة، بل عينَ عدلٍ وورعٍ لا تشهدُ إلا بما أبصرت، ولا تحكمُ إلا ببرهانٍ قاطع.

لماذا يحذر المنهج الإسلامي من محاكمة مقاصد القلوب؟

تكشفُ هذه المراجعةُ التاريخية عن مزلقٍ فكريٍّ وشرعيٍّ شديدِ الخطر؛ إذ لم يقف النزاعُ عند حدود تقويم الأفعال ومحاكمة الوقائع الظاهرة، بل تجاوزها إلى التأويل والتنقيب عن النيات، فعندما سمع عبد الله بن مطيع شهادةَ محمد بن الحنفية في بيانه لمعاينته الحسيّة ليزيد بن معاوية، انحرف بميدان الخصومة من ثَبَتِ الظاهر إلى ظنّ الباطن قاطِعاً: «ذاك منه تصنّعٌ ورياء!».

وهذا بابٌ من التجاسر على الغيب مهلكٌ للذمم؛ فإنّ القلوبَ أوعيةٌ محجوبة لا يطّلع على سرائرها إلا علامُ الغيوب، وميزانُ العدل في الشريعة إنما أُقيم على ظواهر الأعمال وسبيل الاحتجاج بالدليل، لا على ادّعاء معرفة المقاصد واختراق الحُجب.

وقد رسّخ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصلَ في حادثتين فارقتين من السيرة العطرة:

1- الزجرُ الصارمُ عن الشقّ على القلوب (إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد): يتجلى هذا التقعيد الشرعيُّ المغلّظ حين أقدم أسامة بن زيد رضي الله عنه على قتل رجلٍ في وِعاس الحرب بعدما نطق بكلمة التوحيد، متأوّلاً أنه ما قالها إلا تعوّذاً من السيف وفراراً من القتل؛ فاستشاط النبي صلى الله عليه وسلم غضباً وأخذ يكرر عليه بعتابٍ يرجف له الفؤاد: «أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟ مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟»، فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ(7)!

لقد أهدر النبي صلى الله عليه وسلم التخمين القائم على ادعاء الرياء والتصنع، وقرر زاجراً أن ألسنة الناس وعادة ظواهرهم هي المعيار الذي تُبنى عليه الأحكام، وأن السرائر موكوله إلى اللطيف الخبير.

2- الفرقُ بين تقويم المسلك ومحاكمة المقاصد (موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب بن أبي بلتعة): وتتجلى أمانةُ القضاء النبوي حين كُشف كتابُ حاطب رضي الله عنه إلى قريش يُفشي فيه سرّ المسير لفتح مكة، فبادر الفاروق عمر رضي الله عنه محاكماً نية حاطب وباطنه قائلًا: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني أضرب عنق هذا المنافق! فلم ينسق النبي صلى الله عليه وسلم مع ظن المقصد رغم عِظم جرم الفعل ظاهراً، بل وقف عند ميزان التثبت وسأله: «ما حملك على ما صنعت؟»، فلما بيّن عذره وحسن سريرته، قال صلى الله عليه وسلم: «أما إنه قد صدقكم.. لا تقولوا له إلا خيراً».

ليفرق المنهجُ النبوي تفرقةً حاسمة بين مناقشة الخطأ السياسي أو الإداري، والقطع بإحاطة الخيانة بالنوايا والسرائر.

إن تطبيق هذا الميزان الشرعيّ في قضية يزيد بن معاوية يضع الأمور في نصابها الصحيح؛ فهنالك فرقٌ منهجي بين نقد القرارات والتصرفات السياسية والوقائع التاريخية التي جرت في عهده وتقويمها بالعدل، والقفز إلى التفتيش في قلبه وتصنيف نيته بالرياء أو النفاق، فالأولى بابُها البحثُ والنقدُ والدليل، والثانيةُ بابُها الغيبُ الذي احتجن اللهُ بفرده علمه.

حدود مسؤولية الحاكم عما يقع خلال فترة حكمه

يرجعُ امتدادُ السجال التاريخي وتطاولُ الجدل حول شخصية يزيد بن معاوية إلى اشتباك عدة محاور شائكة؛ طبيعةُ المحطة السياسية الانتقالية التي تولى فيها الحُكم، والأحداثُ الدموية الفاجعة التي وقعت في عهده كفاجعة كربلاء ووقعة الحَرّة، فضلاً عن تباين المناهج النقدية لدى المؤرخين والفقهاء في تقييم درجات المسؤولية وتبعاتها.

فبينا يذهبُ طائفةٌ من الباحثين إلى تحميل رأس السلطة المسؤوليةَ الكلية والمباشرة عن كل ما يقعُ في نطاق دولته وزمانه، يرى المحققون من أهل العلم ضرورةَ التفكيك والتمييز الحاسم بين ما باشره القائد بنفسه وأمر به، وما جرى في سلطانه دون ثبوت علمه أو مشيئته؛ فإنّ الحاكم يُسأل عن أفعاله وموجب تصرفه بقدر علمه وقدرته وإرادته، ولا يصحّ شرعاً ولا عقلاً أن تُبنى أدبياتُ التاريخ على الظنون المجرّدة وتأويل المتأخرين.

وقد أرست أئمةُ الهدى قواعد التثبت والتأني في هذه المسائل المعقدة عبر أصلين راجحين:

1- النزاهةُ عن لغتي التشفي والتقديس (منهج عمر بن عبدالعزيز): يتجلى هذا الانضباطُ الفقهي في مسلك الخامسةِ الميمونة عمر بن عبدالعزيز؛ إذ كان يرفض رفضاً قاطعاً الخوض في الشخصيات التاريخية الموحية بالخلاف بغير علمٍ أو عدل، وزجر من سلك مسلك الغلو والتقديس كما زجر وضبط من انحرف إلى لغة التشفي والسباب الجزاف، موضحاً أن التقييم التاريخي مقامُ شريعةٍ وعلمٍ، صيانةً لوعي الأمة من أهواء الخصومات العاطفية.

2- التؤدةُ عند ورود الشبهات وتقلب الفتن (موقف ابن مسعود والحسن البصري): وتتأكد الحكمة الشرعية في وصية الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه إذ قال: «إنها ستكون أمورُ شبهات، فعليكم بالتؤدة؛ فإنك أن تكون تابعةً في الخير خيرٌ من أن تكون رأساً في الشر»(8).

وهو ما فسّره التابعي الحسن البصري في أثر الفتن التاريخية قاطِعاً: «إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل»، ليؤصلا أن التريث واعتزال التحزّب هو الاعتصامُ الواجب عند تطاير شرر الاختلاف.

وفي هذا الميزان الرصين الذي يقطع دابر التخرّص، وينأى عن العجلة في إصدار الأحكام على الرجال والوقائع قبل استيفاء الخبر وسبر البواطن، يقول الشاعر أبو العيال الهذلي:

فَبَعْضُ الأَمْرِ أصْلِحْهُ بِبَعْضٍ ... فَإِنَّ الغَثَّ يَحْمِلُهُ السَّمِينُ

وَلا تَعْجَلْ بِظَنِّكَ قَبْلَ خَبْرٍ ... فَعِنْدَ الخَبْرِ تَنْقَطِعُ الظُّنُونُ

تَرَى بَيْنَ الرِّجَالِ العَيْنُ فَضْلاً ... وَفِيمَا أَضْمَرُوا الفَضْلُ المُبِينُ

كَلَوْنِ المَاءِ مُشْتَبِهاً وَلَيْسَتْ ... تُخْبِرُ عَنْ مَذَاقَتِهِ العُيُونُ

إنّ ميزان العدل الذي سار عليه المحققون من علماء الأمة يقوم على التثبت الصارم، والتحقيق في الحوادث بدليلها، ونبذ لغتي المداهنة الجاهلة أو الشتيمة الحاقدة؛ فالعدلُ هو الحاكمُ على التاريخ، لا التاريخُ هو الحاكمُ على العدل.

كيف تؤثر القرارات المصيرية في الاستقرار الاجتماعي المستقبلي؟

تكشفُ قراءةُ تحولات عصر يزيد بن معاوية عن درسٍ قياديٍّ جليلٍ يتجاوزُ حدودَ الزمن؛ إذ لم يكن الانتقالُ السياسي من عهد معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه، إلى ابنه يزيد مجردَ تبديلٍ في الأشخاص، بل كان تحولاً مفصلياً في نَهْجِ إدارة الدولة ونظامِ الحكم؛ ولهذا أثارَ اعتراضاتٍ واسعةً لدى أعيان الصحابة والتابعين.

إنّ القرارات السياسية الكبرى لا تُوزنُ بصلحِ نيات أصحابها أو دوافعهم اللحظية لاستتباب الأمن العاجل، بل يُقضى عليها بـ«حجم آثارها الاجتماعية ومآلاتها التاريخية الممتدة»؛ فقد يرى المسؤولُ في قرارٍ ما مصلحةً آنيةً لحسم نزاعٍ قائم، غير أنه بإغفاله للمآل يفتحُ أبواباً من الخلاف المستطير تُعسرُ معالجتها على الأجيال المتعاقبة.

وقد تجلّى هذا الفهمُ القياديُّ الرفيع في ميزان الشريعة وسلوك أكابر الأمة عبر مظهرين حاسمين:

1- التحرّزُ من القرارات المؤسِّسة للانقسام (موقف عمر بن الخطاب عند وفاته): يسطعُ هذا الورعُ السياسي حين أُحيط بالفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهو على فراش الموت، وأشار عليه بعضُ الصحابة باستخلاف ابنه عبدالله بن عمر لما يجمع عليه الناسُ من المحبة والعلم؛ حُسماً لمادة الخلاف، فأبى عمر رضي الله عنه إباءً قاطعاً قائلًا: «بِحَسْبِ آلِ عمرَ ما تَحمَّلوه.. لا أتحمَّلها حيّاً وميّتاً»(9)! وجعل الأمر شورى بين ستة؛ حذراً من أن يتخذ قراراً فردياً يُقرأُ على أنه تأسيسٌ لعُرف التوريث، أو سابقةٌ تصنعُ انقساماً ممتداً في بديهيات الحكم الراشد.

2- إدراك المآلات الاجتماعية وقطع أسباب الشقاق (حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة «المريسيع»): وتتألق العظمةُ القيادية المعصومة حين كاد نداءُ الجاهلية أن يُشطرَ جندَ المسلمين في غزوة «المريسيع» («يا للمهاجرين»، «يا للأنصار»)؛ فلم يقف النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود معالجة اللفظ، بل بادر بإبطال أثر القرار والموقف الاجتماعي حازماً: «دعوها فإنها منتنة»(10)، ثم أعملَ فقهَ المآل فشغل الجيش بسيرٍ شاقٍّ يقطعُ التفكير في النزاع؛ حمايةً للمؤسسة والمجتمع من انشطار اللحمة الداخلية.

إنّ أثمنَ ما يستوعبه القادةُ والمصلحون من هذه الشواهد، هو أنّ أمانة المسؤولية تقتضي ألا يُقاس الحزمُ بقطف المصلحة القريبة، بل بالسعة التي تحمي المبادئ الاستراتيجية وتمنع خرقَ النسيج الاجتماعي، فالقرارُ الحكيم هو الذي يجمعُ الشمل ويحفظ الهوية، لا القرارُ الذي يسكنُ ألمَ اللحظة ليصنعَ انقسامَ الغد.

قواعد الإنصاف في نقد الشخصيات التاريخية دون انفعال

تُقدّم لنا قراءةُ محطة يزيد بن معاوية وما أحاط بها من أحداث، قاعدةً منهجيةً راسخةً في كيفية التعاطي مع رجالات التاريخ؛ فلا يصحّ شرعاً ولا عقلاً أن نُحوّلَ الشخصياتِ التاريخية إلى رموزٍ مطلقةٍ من الشرّ المَحض أو الخيرِ المُطلق، بل الواجبُ دراسةُ أفعالهم في سياقاتها الظرفية، ومحاكمتها بميزان الشريعة والدليل.

فإنّ الإنصافَ لا يعني التغاضيَ عن النقد وإهدارَ المآخذ، كما أنّ النقدَ لا يبيحُ الظلمَ والافتراء، والباحثُ المنصفُ الذي يرتجي الحقَّ يطرحُ بين يديْ تحليله أسئلةً أربعة حاسمة؛ ما الذي ثبت بالدليل القطعي؟ وما الذي شابه الخلافُ وتطرق إليه الاحتمال؟ وما حدودُ مسؤوليةِ الشخص الفعلية؟ وما القدرُ الذي يسوغُ الجزمُ به دون خوضٍ في الغيب؟

إنّ شهادة محمد بن الحنفية لا تُقدّم حكماً نهائياً مُغلقاً على يزيد، بل تُهدينَا درساً أخلاقياً خالداً في أدبيات إصدار الأحكام: ألا صُدورَ للأحكام بالشائعات، ولا بالعاطفةِ العارضة، ولا بضغطِ المجموع، وإنما بالعلمِ والعدل والتثبت، فالشخصياتُ التاريخيةُ الكبرى لا تُقرأُ بكلمةٍ عابرة، وإنما تُفهمُ عبرَ أفقِ الأحداث والقرائن الحافة، مع لزومِ القِسْطِ الذي أمر اللهُ به أن يُقام.

الهوامش
  • 1 السَّيِّدُ، الإِمَامُ أبي القَاسِمِ وَأبي عبد الله محمد بن الإِمَامِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ شَيْبَةَ بنِ هَاشِمٍ عَمْرُو بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلاَبٍ القُرَشِيُّ، الهَاشِمِيُّ، المَدَنِيُّ، أَخُو الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، وَأُمُّهُ: مِنْ سَبْيِ اليَمَامَةِ زَمَنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ، وَهِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ الحَنَفِيَّةُ، وُلِدَ فِي العَامِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ أبي بَكْرٍ، وَرَأَى عُمَرَ، وَرَوَى عَنْهُ، وَعَنْ: أَبِيْهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُثْمَانَ، وَعَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَغَيْرِهِم.
  • 2 يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب، الْأمَوِي الْقرشِي، أَبُو خَالِد، ولقبه الْمُسْتَنْصر، وَأمه مَيْسُونُ الْكَلْبِيَّة، بُويِعَ يزِيد بالخلافة لما مَاتَ أَبوهُ مُعَاوِيَة فِي رَجَب سنة سِتِّينَ من الْهِجْرَة، وَكَانَ (يزِيد) فَاسِقًا، قَلِيل الدّين، متهتكا، غير أهل للخلافة، وَهُوَ أحد فحول شعراء قُرَيْش فِي الْإِسْلَام، وشعره مَشْهُور وَأَكْثَره فِي الخمريات، وَقد اخْتلف الْفُقَهَاء والأصوليين فِي لَعنه اخْتِلَافا كثيرا، فَمنهمْ من ذكر أقوالا كَثِيرَة، إِلَى أَن قَالَ: وَالأَصَح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور عُلَمَاء الْإِسْلَام أَنه لَا يجوز لَعنه؛ لِأَنَّهُ من الْمُسلمين (المصليين)، وَقد نهى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن لعن المصليين، بل يجوز «لعن» من تحقق كفره، ثمَّ قَالَ: وَقد أجَاز أَصْحَابنَا -يَعْنِي (السَّادة) الشَّافِعِيَّة- اللَّعْن على من قتل الْحُسَيْن، أَو أَمر بقتْله، أَو أجَازه، أَو رَضِي بِهِ.
  • 3 سير أعلام النبلاء (4/ 36).
  • 4 أخرجه مسلم (2770)، وأحمد (25623)، والنسائي في «الكبرى» (8882) بنحوه.
  • 5 أخرجه أبو داود (3022)، والبيهقي (18325) كلاهما بلفظه مطولا، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (486) مختصراً.
  • 6 أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (3069)، والبيهقي (16934) واللفظ لهما.
  • 7 أخرجه أبو داود (2643) واللفظ له، وأخرجه البخاري (4269)، ومسلم (96) باختلاف يسير.
  • 8 الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 328).
  • 9 الكامل في التاريخ (2/ 441).
  • 10 أخرجه ابن حبان (5990) واللفظ له، والبخاري (4905)، ومسلم (2584) باختلاف يسير.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة