الخوارزميات.. كيف غيَّرت سلوكنا؟

مصطفى محمود

14 ديسمبر 2025

749

الخوارزميات.. كيف غيَّرت سلوكنا؟

في السنوات الأخيرة، أصبح المحتوى الذي يصل إلى الناس لا يعتمد على اختياراتهم الفردية فقط، بل تقوده قوة خفيّة تعمل في الظلام تُسمّى الخوارزميات، ومع صعود منصّات مثل «تيكتوك» و«يوتيوب»، تغيّر شكل المشاهدة، وتقلّص زمن الانتباه، وتحوّلت العقول إلى مساحات تُعاد برمجتها لحظة بلحظة، وبات تأثير الخوارزميات على سلوك الجمهور أكبر من تأثير الإعلام التقليدي، وأعمق من قدرة الإنسان على إدراكه.

كيف تغيّر الخوارزميات سلوك الجمهور؟

يحدث تأثير الخوارزميات على سلوك الجمهور عندما تتولى الأنظمة الذكية مهمة اختيار ما يُعرض على الشاشة، وفقًا لتفضيلات المستخدم وسلوكه السابق ومعدل تفاعله والعديد من البيانات التي تم تخزينها أثناء استخدامه لهذه الأنظمة.

فبدلًا من أن يبحث الإنسان عمّا يريد، أصبح يعيش داخل دائرة مغلقة من المحتوى، تُشبه غرفة صدى تُكرر ما يحبه وما ينجذب إليه، حتى يتحول ذلك إلى جزء من عاداته ورغباته اليومية، بهذه الطريقة تتشكّل الأذواق دون وعي، وتتغيّر الاتجاهات الثقافية والاجتماعية وفق ما تفرضه المنصّات، لا وفق اختيار المستخدم الحقيقي.

تأثير «تيك توك» و«يوتيوب» على زمن الانتباه

مع انتشار الفيديو القصير، أصبح المستخدم مهيأً لاستقبال محتوى سريع، ومباشر، ومكثّف، لا يمنحه فرصة للتفكير أو التحليل أو النقد، فالمشاهِد الذي اعتاد على 10 ثوانٍ من الحركة والإثارة البصرية، يجد صعوبة شديدة في متابعة محتوى طويل أو محاضرة عميقة أو حتى قراءة مقالة قصيرة أو فقرة واحدة.

ولذا، تغيّر الزمن الذي يستطيع فيه العقل الحفاظ على التركيز، واتّسع مفهوم «الملل السريع»، ليصبح الشخص غير قادر على الاستمرار في أي نشاط إلا إذا قدّم له نفس الجرعة السريعة التي اعتاد عليها، فالمنصات والصفحات الاجتماعية مثل «تيك توك» و«يوتيوب» لم تغير فقط شكل المحتوى، بل أعادت تشكيل طريقة تعامل العقل مع المعلومات.

كيف تتعامل الشركات مع خوارزميات لا ترحم؟

تواجه الشركات اليوم تحديًا كبيرًا في بيئة رقمية تتحكم فيها خوارزميات متغيّرة لا تُظهر المحتوى إلا لمن يستحقه وفق معايير دقيقة؛ لذلك أصبحت الشركات مضطرة أو مجبرة على مواءمة هذه القواعد من خلال إنتاج محتوى قصير وسريع الجذب، واستخدام عناوين مشوقة، ومتابعة التحليلات اليومية لمعدلات المشاهدة، ومواكبة «الترندات»، وإلا اختفت في زحام المنصات.

فالعبرة لم تعد في جودة المحتوى بقدر مدى توافقه مع الإيقاع السريع الذي تفرضه تلك الخوارزميات، والشركات التي لا تفهم هذا الواقع أو تأبى الاستسلام له، تجد نفسها خارج دائرة الانتباه والمنافسة، مهما كانت قيمة ما تقدمه.

البعد الإسلامي في التعامل مع المحتوى

من منظور إسلامي، يُذكّرنا القرآن بأن الإنسان مسؤول عما يراه ويسمعه، قال تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، وهذا يعني أن المسلم مطالب بأن يكون واعيًا بالمحتوى الذي يستهلكه، لا أن يترك نفسه تحت رحمة تأثير الخوارزميات على سلوك الجمهور.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وهي قاعدة ذهبية لحماية العقل من التشتت والإدمان والمحتوى الذي لا يضيف قيمة (المحتوى التافه)، فالتوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية النفس من سيطرتها جوهر الوعي الرقمي الإسلامي.

من هنا يتبين أن الوسائل الرقمية أصبحت قوة قادرة على تحديد ما نراه وما نفكر فيه وما نهتم به؛ ما يجعل تأثير الخوارزميات على سلوك الجمهور أخطر مما نتخيل؛ لذا يجب أن تكون لدينا قدرة على اختيار ما يفيدنا، لا ما تفرضه علينا تلك الخوارزميات.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة