منع الحجاب في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.. معركة هوية لا زيّ

جمال خطاب

18 أكتوبر 2026

27

منع الحجاب في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.. معركة هوية لا زيّ

في عام 1921م، قامت مجموعة من نساء مصر المعروفات بخلع الحجاب في ميدان الإسماعيلية في قلب القاهرة، لم تكن مصر آنذاك شيوعية أو حتى اشتراكية، بل كانت دولة رأسمالية ليبرالية.

وبعد ذلك بسنوات قليلة وفي عام 1927م، صعدت امرأة أوزبكية تُدعى تورسنوي منصة خشبية وسط مجموعة من الجماهير التي حشدت بشكل شبه قسري في وادي فرغانة، وقامت بخلع حجابها وإحراقه، تماماً كما فعلت نساء مصر منذ سنوات قليلة، ولكن ما حدث هناك كان استجابة لحملة أطلقها الحزب الشيوعي السوفييتي لاجتثاث مظاهر التدين من حياة شعوب آسيا الوسطى والقوقاز.

في مصر، تحولت هدى شعراوي التي قادت حركة خلع الحجاب إلى محررة للمرأة، ما زال العلمانيون يحتفلون بها حتى الآن، ولكن تورسنوي قتلت بعد أسابيع قليلة على يد رجال من قومها، لا كراهية فيها، بل رفضًا لامتهانها للهوية الوطنية ومحاولتها إقناع الجماهير بالانقطاع عن جذورهم.

واليوم، وبعد زهاء قرن من ذلك المشهد، تقف طفلة في العاصمة الأذرية باكو، أو في مدينة ألماتي الكازاخية، أمام بوابة مدرستها الحكومية، لتخير بين نزع غطاء رأسها أو الحرمان من حقها (الدستوري!) في التعليم.

كيف وصلت دول يدين أكثر من 99% من سكانها بالإسلام إلى اعتبار الحجاب تهديداً أمنياً ومشكلة داخل أروقة مؤسساتها التعليمية؟!

جذور الأزمة

الصراع الدائر في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق حول الزي المدرسي ليس مجرد خلاف تنظيمي حول اللوائح التربوية، بل هو مواجهة فكرية وسياسية عميقة بين الفكر العلماني الشيوعي الوافد والفكر الإسلامي الأصيل، فالفكر العلماني الذي ورث الشيوعية البائدة يرى أن مستقبل الأمة يكمن في إبعاد الدين عن المجال العام، بينما ترى الشعوب أن الإسلام ليس مجرد عقيدة فردية حبيسة الضمير، بل هو الإطار الحضاري الشامل الذي منح شعوب المنطقة هويتها وألقها التاريخي.

لقد عمل النظام السوفييتي طوال 70 عاماً على تجريف المؤسسات الدينية؛ ففي طاجيكستان وأوزبكستان وحدها، سحقت أكثر من 26 ألف مسجد أو مؤسسة إسلامية، وحظرت الكتابة بالحرف العربي الذي كان جسر التواصل الحضاري مع دينهم لقرون طويلة، وبعد استقلال هذه الجمهوريات عام 1991م عن روسيا، ورثت النخب الحاكمة في أذربيجان وكازاخستان وطاجيكستان وأوزبكستان تلك الرؤية الإقصائية؛ حيث اعتبرت أن التحديث يعادل القسر العلماني، وأن الاستقرار السياسي لا يبنى إلا باستبعاد الدولة للدين.

عودة التدين وانتشار الحجاب في صفوف الشابات لم يكن استيراداً لأيدولوجيات عابرة للحدود كما تروج البيانات الرسمية، بل كان محاولة مجتمعية تلقائية لاستعادة هوية تاريخية تعرضت للقمع والإقصاء عقودًا طويلة، والمستورد هو الشيوعية والعلمانية بكل أطيافها.

علمانية قسرية في أذربيجان

تعتبر الحالة الأذربيجانية نموذجاً شارحاً لهذه الإشكالية، حيث أصدرت السلطات قرارات صارمة تفرض زياً مدرسياً موحداً يحظر ارتداء الحجاب داخل المدارس الحكومية؛ ما حرم آلاف الطالبات من الدراسة وأشعل احتجاجات شعبية واسعة.

يستند الموقف الرسمي للدولة إلى مبررات تتعلق بحماية العلمانية البنيوية، وبناء هوية مدنية محايدة تمنع التمييز بين الطلاب، ومواجهة ما تسميه السلطات بالنفوذ الأيديولوجي الخارجي، ولكن التيار الإسلامي يرى بحق أن الدولة تتجاوز دورها الطبيعي ومهامها التنظيمية عندما تمارس وصاية قسرية، وتكره الأسر المسلمة التي تشكل الأغلبية الساحقة من السكان على المفاضلة بين قيمها الدينية والحق الطبيعي لأبنائها في التعليم داخل مؤسسات تمولها أموال دافعي الضرائب.

ردود فعل غاضبة

أثارت القرارات الأذربيجانية ردود فعل حادة كشفت عن الأبعاد الحضارية والأيدولوجية للأزمة، فقد نظرت إيران إلى القيود المفروضة على الحجاب باعتبارها استهدافاً مباشراً للهوية الدينية والأغلبية الشيعية في أذربيجان، واعتبرت الدوائر الدينية هناك أن هذه السياسات تمثل قطيعة مع الثوابت الإسلامية.

وعلى الصعيد التركي، استحضرت البلاد تجربتها المريرة والطويلة في مقاومة حظر الحجاب في الجامعات والمؤسسات العامة، ورأت في القرارات الأذربيجانية استعادة لسياسات إقصائية اعتقد كثيرون أنها أصبحت جزءًا من الماضي السلبي.

ما زالوا أوفياء للشيوعية البائدة في آسيا الوسطى

يمتد هذا المشهد بحدة أكبر في دول آسيا الوسطى ككازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان؛ حيث تعكس القيود المفروضة على الحجاب خشية الأنظمة السياسية من تنامي الحضور الإسلامي المستقل عن رقابة الدولة، وتنظر هذه الحكومات إلى الصحوة الإسلامية باعتبارها تحدياً لاحتكار الفضاء العام، بينما يراها قطاع واسع من المجتمع عودة طبيعية للجذور بعد عقود من الهيمنة الأيديولوجية الغربية.

وتبرز هنا مفارقة أساسية حين تصف الحكومات الحجاب بأنه رمز وافد أو تعبير عن تأثيرات خارجية دخيلة، فكيف يكون الحجاب غريباً عن بلاد مثل سمرقند وبخارى، وهي الأراضي التي أهدت الحضارة الإسلامية قممًا فكرية خالدة؟ فقد دخل الإسلام هذه البقاع منذ قرون طويلة قبل قيام الاتحاد السوفييتي الساقط، والحجاب ليس ثقافة أجنبية بقدر ما هو امتداد أصيل للهوية الدينية والحضارية لشعوب المنطقة.

المنع القسري للحجاب.. هل يبني استقراراً؟

تضعنا هذه التطورات أمام إشكالية فكرية أوسع: هل يمكن بناء هوية وطنية مستقرة عبر منع الدين وإبعاده قسرًا عن المجال العام؟

الشواهد التاريخية والاجتماعية تؤكد أن محاولات الفصل القسري بين المجتمع المسلم وهويته الدينية لا تقود إلى التحديث المنشود، بل تؤدي إلى تعميق الانقسام الحاد بين الدولة ومواطنيها، وعندما تعامل المظاهر الدينية الطبيعية بريبة أمنية، فإن الفجوة تتسع، ويندفع المجتمع نحو حالة من الاغتراب العميق، إن نهضة الأمة لا تبنى على أنقاض هويتها، بل على المصالحة بين الدولة ومجتمعها.

عودة إلى بوابة المدرسة

معركة الحجاب في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ليست حول قطعة قماش، بل حول سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الأمة وهويتها: هل لا يمر طريق النهضة إلا عبر مزيد من القطيعة مع الموروث الإسلامي ومحاكاة النماذج الغربية الوافدة، أم أن المصالحة الشجاعة مع الجذور الحضارية التي صنعت تاريخ المنطقة لقرون طويلة؟ التاريخ يخبرنا بأن الشعوب التي تتنكر لجذورها تفقد مناعتها، وأن النهضة الحقيقية تنبثق حتمًا من عمق الهوية لا من هوامش التغريب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة