هل بدأت «إسرائيل» الفصل الأخير لتصفية «الأونروا»؟

هل بدأت «إسرائيل» الفصل الأخير لتصفية «الأونروا»؟

ليس اقتحام قوات الاحتلال «الإسرائيلي»، مؤخراً، مركز قلنديا للتدريب المهني التابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في كفر عقب شمال القدس المحتلة، وإخراج موظفيه بالقوة وإبلاغهم بعدم العودة إليه، تمهيداً للسيطرة عليه وهدمه، نزاعاً على عقار أو خلافاً إدارياً عابراً بين «دولة» ومؤسسة دولية؛ بل هو حلقة جديدة في مسار سياسي وقانوني متدرج يستهدف إخراج «الأونروا» من القدس، وتصفية أحد أهم الشواهد الدولية على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194).

صحيح أن حق العودة لا يستمد وجوده القانوني من استمرار «الأونروا»، ولا يسقط بحلها أو تعطيلها، لكن الوكالة تمثل اعترافاً دولياً مستمراً بأن قضية اللاجئين لم تُحل، وأن آثار التهجير القسري ما زالت قائمة؛ ولذلك، فإن استهدافها يتجاوز مبانيها وخدماتها، ليطال الذاكرة القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية، ويكشف في الوقت نفسه عجز المنظومة الدولية أمام سياسة فرض الوقائع بالقوة.

من التشكيك في الوكالة إلى اقتحام مقارها

تأسست «الأونروا» بموجب قرار الجمعية العامة رقم (302)  الصادر في 8 ديسمبر 1949م، لتقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة والتشغيل للاجئين الفلسطينيين، وبعد احتلال عام 1967م، نظمت اتفاقية كوماي–ميكلمور العلاقة بين الوكالة والسلطات «الإسرائيلية»، وألزمت الأخيرة بتسهيل عمل «الأونروا» واحترام امتيازاتها وحصاناتها.

غير أن استهداف الوكالة لم يبدأ باقتحام مقارها، بل سبقته حملة سياسية ممتدة لتجفيف تمويلها، والطعن في تعريف اللاجئ الفلسطيني، والمطالبة بنقل اختصاصاتها إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وفي عام 2018م أوقفت الإدارة الأمريكية تمويلها للوكالة، في خطوة ارتبطت بمحاولات تقليص أعداد اللاجئين المسجلين وإنهاء الطابع السياسي لقضيتهم.

واتخذ الاستهداف منحى أخطر بعد 7 أكتوبر 2023، عندما اتهمت «إسرائيل» عدداً من موظفي الأونروا بالمشاركة في الهجمات، وسرعان ما انتقلت الحملة من اتهام أفراد إلى وصم الوكالة وموظفيها بالإرهاب، وكأن الاتهام الفردي يكفي لإدانة مؤسسة تضم عشرات الآلاف من العاملين ومعاقبة ملايين اللاجئين.

وشملت التحقيقات الأممية 19 موظفاً؛ فلم يُعثر في إحدى الحالات على دليل يؤيد الاتهام، وكانت الأدلة في 9 حالات أخرى غير كافية، بينما اعتُبر أن المعلومات المتاحة في 9 حالات قد تشير إلى احتمال تورط أصحابها، فأنهيت خدماتهم، كما أكدت مراجعة كاترين كولونا المستقلة أن «الأونروا» تمتلك آليات متقدمة لضمان الحياد، مع حاجتها إلى تعزيز الرقابة والتنفيذ، وهذه النتائج لا تعفي أي موظف تثبت مسؤوليته، لكنها تؤكد أن المسؤولية شخصية، ولا تبرر تجريم وكالة كاملة أو معاقبة اللاجئين بقطع الخدمات عنهم.

ثم انتقل التصعيد من التحريض والتجفيف المالي إلى استهداف المنشآت، ففي مايو 2024م، تعرض مقر «الأونروا» في الشيخ جراح للحرق المتعمد، ثم تحركت السلطات «الإسرائيلية» لوضع اليد على أرضه ضمن مخطط لإقامة 1440 وحدة استيطانية، وأقر الكنيست قانونين يحظران عمل الوكالة ويمنعان السلطات «الإسرائيلية» من التواصل معها، وفي 20 يناير 2026م، اقتحمت القوات «الإسرائيلية» المقر وهدمت أجزاء منه، وأنزلت علم الأمم المتحدة ورفعت العلم «الإسرائيلي» مكانه، وأخيراً، جاء اقتحام مركز قلنديا وإخلاء موظفيه ليؤكد أن الأمر لم يعد استهدافاً لمقر واحد، بل محاولة لإنهاء الوجود المؤسسي لـ«الأونروا» في القدس.

لماذا تريد «إسرائيل» إنهاء «الأونروا»؟

لا تفسر الملاحظات المتعلقة بأداء الوكالة أو حياد بعض موظفيها حجم الحملة الموجهة ضدها، فالهدف الأعمق هو تفكيك الصلة بين اللاجئ الفلسطيني وحقه السياسي والقانوني، وتحويل قضيته من مسألة اقتلاع وعودة وتعويض إلى حالة إنسانية يمكن إدارتها عبر جمعيات إغاثية متفرقة.

إنهاء «الأونروا» أو نقل خدماتها إلى مؤسسات أخرى يسمح لـ«إسرائيل» بالقول: إن قضية اللاجئين لم تعد قائمة بوصفها قضية سياسية مستقلة، وإن احتياجاتهم يمكن تلبيتها من دون الاعتراف بسبب لجوئهم أو بحقهم في العودة، كما يتيح إخراج الوكالة من القدس إحكام السيطرة «الإسرائيلية» على المدينة، وإزالة مؤسسة أممية تذكّر يومياً بأن القدس الشرقية أرض محتلة وليست جزءاً مشروعاً من السيادة «الإسرائيلية».

لذلك تتكامل الاتهامات الأمنية مع الحظر التشريعي والمصادرة والهدم؛ فوصم الوكالة بالإرهاب يوفر المبرر السياسي لتجفيف تمويلها، والحظر القانوني يمهد لإغلاق منشآتها، ثم يأتي الهدم ليحوّل القرار الداخلي المخالف للقانون الدولي إلى واقع مادي يصعب التراجع عنه.

بطلان الإجراءات وعجز النظام الدولي

يمثل اقتحام منشآت «الأونروا» ومصادرتها انتهاكاً مركباً للقانون الدولي، فالمادة (105) من ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946م تكفلان حرمة مقار المنظمة وممتلكاتها وأصولها، وتحظران تفتيشها أو مصادرتها أو إخضاعها للتدخل التنفيذي.

كما أن القدس الشرقية أرض محتلة تخضع لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة، ولا تتمتع «إسرائيل» فيها بسيادة قانونية، وقد أكد مجلس الأمن، ولا سيما في قراره رقم (478)، بطلان الإجراءات الرامية إلى تغيير مركز المدينة وطابعها، وعليه، فإن التشريعات والقرارات «الإسرائيلية» المستندة إلى ادعاء السيادة على الأرض المحتلة لا تنشئ حقاً مشروعاً ولا يترتب عليها أثر قانوني دولي.

ولا يجوز لـ«إسرائيل» التذرع بقوانين الكنيست للتنصل من التزاماتها، وفق المادة (27) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، كما أكدت محكمة العدل الدولية، في فتوى لها واجب احترام وجود الأمم المتحدة ووكالاتها وامتيازاتها وحصاناتها في الأرض الفلسطينية المحتلة.

ورغم وضوح هذه القواعد، اقتصر الموقف الدولي على عبارات القلق والتنديد والدعوة إلى احترام القانون، من دون استخدام أدوات الردع، كالعقوبات وتعليق الامتيازات التجارية وتقييد التعاون العسكري، والإدانة التي لا تترتب عليها كلفة سياسية أو قانونية لا توقف الجرافات، بل تمنح، من حيث النتيجة، وقتاً إضافياً لفرض الوقائع.

هل تنجح «إسرائيل» في تصفية «الأونروا»؟

قد تنجح «إسرائيل» عملياً في إغلاق منشآت «الأونروا» داخل القدس، ومنع موظفيها من الوصول إليها، والاستيلاء على أراضيها، وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات، وقد تنجح كذلك في إنهاك الوكالة مالياً ودفع بعض الدول إلى تقليص دعمها، لكنها لا تستطيع، من الناحية القانونية، إلغاء ولاية أنشأتها الجمعية العامة، ولا إسقاط صفة اللجوء عن الفلسطينيين أو إنهاء حقهم في العودة بإغلاق مدرسة أو هدم مقر.

الخطر الحقيقي ليس في نجاح «إسرائيل» في محو الحق قانونياً، فهذا غير ممكن، بل في قدرتها على تفريغه عملياً من مضمونه، عبر تغيير الوقائع وترك اللاجئين بلا مؤسسة دولية تحمل قضيتهم وتقدم لهم الخدمات.

المعركة، إذاً، ليست على مبنى في الشيخ جراح أو مركز في قلنديا، بل على ما تبقى من صدقية المنظومة الدولية، فإذا استطاعت دولة عضو في الأمم المتحدة، وهي الدولة الوحيدة التي قُبلت عضويتها على أساس التزامها بشرطين، أن تجرّم وكالة أنشأتها الجمعية العامة، وتقتحم مقارها وتهدمها دون مواجهة تدابير عقابية فعلية، فإن العلاقات الدولية تنتقل من حكم القانون والاتفاقيات إلى منطق القوة الغاشمة.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة