من أسرار البيان القرآني عند الأستاذ محمد عبد الله دراز
ما الذي يميز
البيان القرآني في نظر محمد عبد الله دراز؟ قد يتبادر إلى الذهن جمال اللفظ أو عمق
المعنى، لكن صاحب كتاب «النبأ العظيم» يوجه قارئه إلى خاصية أدق: اجتماع غايات
تتباعد عادةً في كلام الناس؛ فالعبارة القرآنية موجزة وافية، قريبة من العامة غنية
للخاصة، تقنع العقل وتؤثر في الوجدان، واضحة الدلالة ومتسعة للتأمل. ومن هذه
الأزواج المتقابلة يصوغ دراز قراءته لسر التفرد البياني في القرآن الكريم.
يحدد دراز مجال
بحثه منذ البداية؛ فهو ينظر في طريقة التعبير عن المعنى، ولا يخلط بينها وبين قيمة
ما يتضمنه القرآن من معارف. ويقرر أن «الفضيلة البيانية إنما تعتمد دقة التصوير
وإجادة التعبير عن المعنى كما هو سواء عندها أن يكون ذلك المعنى من جنس ما تناوله
عقول الناس أو لا يكون، بل سواء عندها أن يكون ذلك المعنى من جنس ما تتناوله عقول
الناس أو لا يكون، بل سواء عندها أن يكون ذلك المعنى حقيقة أو خيالًا؛ وأن يكون
هدى أو ضلالًا» («النبأ العظيم»، ص 141–142). وهذه التفرقة ضرورية لفهم منهجه: فقد
يكون المعنى عظيمًا، ويبقى السؤال البياني قائمًا: كيف صُوِّر؟ وكيف انتظمت
الألفاظ لتؤديه؟
ثم يقترح النظر
إلى خصائص القرآن في القطعة الواحدة، وفي السورة، وبين السور، وفي القرآن جملةً.
والمادة التي بين أيدينا تبدأ من المستوى الأول؛ أي من مقدار قصير يؤدي معنى
تامًّا. وفيه يجد دراز ما يسميه «ملتقى نهايات الفضيلة البيانية على تباعد ما بين
أطرافها» مع تباعد أطرافها («النبأ العظيم»، ص 142–143).
البيان القرآني بين قلة اللفظ وتمام المعنى
أولى هذه
الثنائيات «القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى». يعرف الكاتب، كما يعرف القارئ،
صعوبة الجمع بينهما: إذا اختصر المتحدث كثيرًا خشي أن يترك من المعنى ما يحتاج
إليه السامع، وإذا استوفى التفاصيل طال كلامه وربما دخلته الزيادة. ويعرض دراز هذا
التوتر من واقع صنعة البيان نفسها، لا بوصفه حكمًا نظريًّا مجردًا.
ويلفت إلى أن
البلغاء يراجعون نصوصهم؛ فيحذفون لفظًا زائدًا، أو يثبتون معنى ناقصًا، أو يقدمون
عبارة ويؤخرون أخرى. وقد يبلغ الأديب غاية الإجادة في مواضع، ثم يفتر أداؤه في
مواضع غيرها. ومن هنا تتضح قيمة السؤال الذي يضعه دراز أمام القارئ: كيف يؤدي
اللفظ القليل عناصر المعنى كلها، ويبقى أداؤه محكمًا من أوله إلى آخره؟
في جوابه، يصف
البيان القرآني بأنه يقدم المعنى في صورة «نقية» مما ليس منه، و«وافية» بما يلزمه؛
فلا «تخمة الإسراف» ولا «مخمصة التقتير» («النبأ العظيم»، ص 146). واللافت أنه لا
يجعل الإيجاز مجرد قلة في عدد الكلمات، بل دقة في توزيع الوظائف بينها. فالكلمة
عنده تؤدي موضعها في الجملة، والجملة تؤدي موضعها في الآية؛ ولهذا يدعو القارئ إلى
اختبار النص بسؤال عملي: أي لفظ يمكن إسقاطه أو تبديله دون أن يتأثر الغرض؟
(«النبأ العظيم»، ص 146–147).
هذه الدعوة تمنح
القراءة البلاغية معيارًا نافعًا؛ فلا يكفي أن نقول عن آية إنها موجزة؛ بل ينبغي
أن ننظر فيما حمله هذا الإيجاز، وفي الصلات التي تجعل حذف جزء من العبارة مؤثرًا
في مجموعها.
خطاب واحد تتعدد حظوظ قارئيه
ينتقل دراز إلى
ثنائية «خطاب العامة» و«خطاب الخاصة». فكلام الناس يتفاوت عادةً بحسب المخاطَب: ما
يبسط للعامة قد يبدو للمتخصص قليل العمق، وما يصاغ للخاصة قد يحجب المعنى عن
غيرهم. أما القرآن، فيصفه دراز بأنه خطاب يجد فيه القارئ معنى قريبًا، ويجد فيه
المتأمل لطائف تتكشف بالنظر («النبأ العظيم»، ص 147–148).
لا تعني هذه
الخاصية أن جميع القراء يدركون من الآية القدر نفسه. فالقارئ يفهم هدايتها الأولى،
ثم يعود إليها صاحب العلم فينظر في نظمها ودلالاتها وصلتها بما حولها. تتفاوت
حصيلة القراءة، بينما يظل النص مفتوحًا لها جميعًا. وهنا يظهر جانب من جمال
العبارة القرآنية: سهولة الدخول إلى معناها لا تستنفد ما فيها.
وقد بنى دراز
عرضه في البيان القرآني على أسئلة ومقارنات يطلب بها من قارئه أن يشارك في النظر.
إنه لا يسرد الخصائص سردًا فحسب؛ بل ينقل القارئ من تجربة مألوفة في الكلام البشري
إلى تأمل النص القرآني. وبذلك تصبح طريقة عرض الفكرة نفسها جزءًا من قوة الفصل
وإمتاعه.
عقل يقتنع وقلب يتأثر
الثنائية
الثالثة تجمع «إقناع العقل» و«إمتاع العاطفة». يلاحظ دراز أن الخطاب الفكري قد
يقدم الحقيقة في صورة جافة، وأن الخطاب الذي يستثير الشعور قد لا يعتني بإقامة
الحجة. ثم ينظر في الآيات التي يجتمع فيها الاستدلال والتأثير النفسي، من غير أن
يأتي أحدهما على حساب الآخر («النبأ العظيم»، ص 148–150).
ومن أمثلته قوله
تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: 22).
ففي الآية استدلال على وحدانية الله، لكن لفظ «لفسدتا» يصور كذلك عاقبة التنازع
تصويرًا يثير الشعور بهولها. ويقف دراز أيضًا عند آية القصاص (البقرة: 178)؛ فهي
تبين حكمًا في قضية تمس الدماء، وتقول في أثناء ذلك: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَيْءٌ). لفظ «أخيه» يذكّر بعلاقة الإيمان في مقام قد تشتد فيه دواعي
الخصومة، ثم تأتي الدعوة إلى الاتباع بالمعروف والأداء بإحسان. لا ينفصل توضيح
الحكم هنا عن تهذيب النفس التي تتلقاه.
وفي هذا المثال
تتجاوز قراءة دراز تعداد المحسنات البلاغية؛ إذ يسأل عما تفعله الكلمة في سياقها.
فاللفظ ليس جميلًا بمعزل عن موضوع الآية، وإنما تتبين قيمته حين نرى أثره في توجيه
المخاطَبين.
وضوح المعنى واتساع الدلالة
يختم عن البيان
القرآني بثنائية «البيان» و«الإجمال»؛ فقد يؤدي تحديد المعنى في كلام الناس إلى
حصره في وجه واحد، وقد يفضي تركه مفتوحًا إلى الإبهام. ويرى دراز أن العبارة
القرآنية تمنح قارئها معنى واضحًا عند القراءة الأولى، ثم تكشف له مع العودة
والتأمل وجوهًا أخرى يحتملها اللفظ والسياق («النبأ العظيم»، ص 151–152).
ويمثل لذلك
بقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ). فالآية بينة في
أصل معناها، لكن عبارة «بغير حساب» تفتح وجوهًا من النظر في سعة الرزق، ومشيئة
الله، وما لا يبلغه تقدير الإنسان («النبأ العظيم»، ص 151، الحاشية). والشرط الذي
يحفظ هذه القراءات من التكلف أن تظل منسجمة مع اللغة والسياق؛ فاتساع الدلالة لا
يعني أن يُحمَّل النص كل معنى يخطر للقارئ.
تكشف هذه
الصفحات عن ملمح مهم في فكر دراز: بلاغة القرآن عنده لا تُختزل في لفظ جميل أو
صورة مفردة، بل تظهر في أداء يجمع مطالب قد يعسر اجتماعها. وحين يعيد القارئ النظر
في الآية، ويسأل عن وظيفة لفظها، ونصيب عقله وقلبه منها، وما تتيحه من معنى دون
إبهام، يبدأ في ممارسة القراءة التي أراد دراز أن يقوده إليها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً