أدب المجالس العلمية بين الهيبة والبشاشة

أبو سلمة بن عبد الرحمن.. مناظرة قصيرة كشفت أخلاق العلماء

رجلان من أهل العلم يقفان بين طلابهم وهما يضحكان

أورد الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، يقول أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف(1)؛ حيث قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: أَنَا أَفْقَهُ مَنْ بَالَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْمَبَارِكِ، رَوَاهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ(2).

لم تكن مجالس العلماء في صدر الإسلام مجالس جامدة تخلو من الابتسامة، ولا كانت الهيبة العلمية تعني غياب الروح الإنسانية أو الجفاء في التعامل، فبينما كان الصحابة والتابعون يحملون أعظم مسؤولية في تاريخ البشرية لحفظ الدين ونقل الفقه، كانوا يعيشون طبيعتهم البشرية السوية؛ يمازحون، ويتبادلون العبارات الطريفة، ويستخدمون سرعة البديهة واللطف في تقويم بعضهم بعضاً والتواصي بالحق، مصداقاً للتوجيه الإلهي: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159).

ومن أجمل الحوادث التي تكشف هذه الروح الفذة الحوار القصير والمشهور الذي دار بين عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن، وبين أبي سلمة بن عبدالرحمن بن عوف، أحد كبار فقهاء المدينة المنورة، فلم يكن ذلك الموقف مجرد طرفة عابرة أو مزاح مجرد، بل صورة مشرقة من صور التربية العلمية التي تجمع بين قوة الشخصية، وسعة الصدر، وحفظ المكانة بين أهل الفضل.

اللقاء العلمي بين ابن عباس وأبي سلمة

كان أبو سلمة بن عبد الرحمن من أعلام الطبقة الثانية من التابعين، ونشأ في بيت شرف وسيادة وعلم؛ فهو ابن الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد أصبح أبو سلمة بن عبد الرحمن من كبار فقهاء المدينة، حتى قال عنه الإمام الزهري مبيناً قدره: «أدركت من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا سلمه بن عبدالرحمن، وعبيد الله بن عبدالله»(3).

أما ابن عباس رضي الله عنهما، فكان حبر الأمة الشريف الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالفقه في الدين، واشتهر بسعة العلم والتفسير والفتيا، كما وصفه عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بقوله: «إن ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ فَاتَ النَّاسَ بِخِصَالٍ; بِعِلْمِ مَا سَبَقَهُ، وَفِقْهٍ فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ، وَحِلْمٍ وَنَسَبٍ وَنَائِلٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ، وَلَا بِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ»(4).

فاجتماع الرجلين في مجلس واحد كان يعني التقاء قمتين ومستويين رفيعين من الفهم والخبرة؛ صحابي جليل أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وتابعي فقيه أخذ عن أكابر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واستوعب فقه المدينة.

قصة مقولة أبو سلمة بن عبد الرحمن أفقه من بال

روى عمرو بن دينار عن تلك المحاورة العلمية اللطيفة قوله: «قَالَ أبو سلمة بن عبد الرحمن: أَنَا أَفْقَهُ مَنْ بَالَ، فَقَالَ ابْنُ عَّبَّاسٍ: فِي الْمَبَارِكِ».

وهذه العبارة القصيرة تحمل من الذكاء وسرعة البديهة والروح التربوية ما يجعلها من نوادر مجالس العلم وسير الراسخين، فأبو سلمة بن عبد الرحمن لم يكن رجلاً عادياً يفتخر بما لا يملك؛ فقد كان بالفعل فقيهاً كبيراً، حجةً في الآثار، ومن أئمة أهل المدينة المتبوعين، لكن الإنسان مهما بلغت إمامته وسعة علمه قد تعتريه لحظة اعتزاز بالنفس أو انطلاق باللسان، فيأتي دور العالم الأكبر والأسبق ليربي ويعدل السلوك لا بكسر الشخصية أو إهانة الذات، بل بالتوجيه الذكي والتذكير بأصل القواعد الإيمانية: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (يوسف: 76).

فلم يرد ابن عباس رضي الله عنهما بتوبيخ قاسي أو تعنيف علني، ولم يقل له: أنت أقل مني علماً، ولم يستخدم سابقته ومكانه الصحابي لإسكاته أو تقليل شأنه، بل أجابه بكلمة لطيفة وموجزة تحمل معنى عميقاً؛ إذ أومأ له بأنه إن أردت إطلاق هذه العبارة على عمومها واستقصائها، فهناك من سبقك وأعلم منك في هذا الباب.

كيف تسهم الدعابة في تقويم الطلاب؟

تكشف هذه المحاورة عن نمط تربوي نبيل عند السلف والصحابة؛ فلم تكن كل مواقف التصحيح والتقويم تحتاج إلى خطب مطولة أو زجر شديد، بل أحياناً تكون الكلمة اللطيفة والبديهة الذكية أبلغ أثراً وأنفذ إلى الصدر من المواعظ المعقدة.

فابن عباس لم يرد أن يهدم ثقة أبي سلمة بنفسه؛ لأن الثقة بالعلم والحرص على الاستنباط أمران مطلوبان لطالب العلم والفقيه المفتي، وإنما أراد أن يذكره بأدب العلم، وأن الإنسان مهما تبحر في العلوم والتفسير يظل فوقه من هو أعلم منه وأسبق فضلاً، وهذا هو الفرق الدقيق بين التربية الحكيمة والتقريع المجرد: فالتقريع يجرح النفوس ويكسر الهمم ويورث الجفاء، أما الحكمة فتعدل المسار، وتحفظ الطاقة، وتبقي على المودة.

وكان هذا الإيناس واللطف امتداداً لهدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجالسهم؛ حيث وصف أنس بن مالك رضي الله عنه روح الصحابة وانبساطهم بقوله: «إن أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَادَحُونَ بِالْبِطِّيخِ، فَإِذَا كَانَتِ الْحَقَائِقُ كَانُوا هُمُ الرِّجَالَ»(5)، كما تجسد هذا المسلك اللطيف في الدعابة النبوية حين جاء رجل يستحمل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ»، فال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلاَّ النَّوْقُ؟»(6).

سبب اعتراف أبو سلمة بن عبد الرحمن بسعة علم ابن عباس

قد يفهم البعض عبارة أبي سلمة الظاهرة على أنها نوع من الغرور، لكن سيرته العطرة وطول ملازمته للصحابة تقدمان صورة مختلفة كلياً؛ فهذا هو الفقيه الجليل الذي أخذ عن أمهات المؤمنين وأعلام الصحابة، وصار من أئمة الفتيا بالمدينة، وروى عنه كبار التابعين وأثنى عليه الحفاظ.

ومع هذه المكانة العلمية العالية، لم تمنعه ثقته وفهمه من مراجعة نفسه عند تذكر مواقفه؛ فقد نُقل عنه في موقف آخر قوله الصريح والنادم عن ابن عباس: «لَوْ رَفَقْتُ بِابْنِ عَبَّاسٍ لَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا».

وهذه العبارة تكشف عن نضج أخلاقي وعلمي رفيع؛ فالعالم الصادق ليس هو الذي لا يخطئ أو لا يشتد في مناظرة، بل هو الذي يتواضع للحق، ويتعلم من تجربته، ويعترف بفضل مناظره وشيخه، فأبو سلمة بن عبد الرحمن الذي ناقش ابن عباس وجادله بكل اعتزاز، هو نفسه الذي اعترف بعد ذلك بسعة علم حبر الأمة، ورأى أن الرفق واللين هما المفتاح الأعظم لاستخراج درر العلوم.

الفرق بين مناقشة القول وإسقاط القائل

من ألمع المعاني التي تكشفها هذه الواقعة أن الخلاف والنقاش والمداعبة بين العلماء لم تكن تعني بحال سقوط المحبة أو انقطاع التوقير الشرعي بينهم؛ فقد كان فقهاء السلف يختلفون في أبواب الفقه، ويناظر بعضهم بعضاً بحجة وقوة، ويرد بعضهم على بعض بالدليل البرهاني، لكنهم كانوا يفرقون بدقة بين مخالفة القول وبين إسقاط صاحب القول والنيل من قدره.

تلك القاعدة هي الحصن الأكبر الذي حفظ الحضارة العلمية الإسلامية؛ فلو كان كل نقاش أو اختلاف في الفهم يؤدي إلى الخصومة والجفاء، لما بقي للمسلمين هذا التراث الفقهي العظيم.

وهذا ما صرح به الإمام الشافعي حين اختلف في مسألة فقهية مع يونس الصدفي، فأخذ بيده وقال له بقلب نقي: «يَا أَبَا مُوسَى، أَلا يَسْتَقِيمُ أَنْ نَكُونَ إِخْوَانًا وَإِنْ لَمْ نَتَّفِقْ فِي مَسْأَلَةٍ؟!»(7).

كيف تحمي البشاشةُ مجالسَ العلم الجمودَ؟

إن العلم بطبيعته وحقيقته قائم على السؤال، والنظر، والمراجعة، والافتراض الفقهي، والبيئة التعليمية التي يهاب فيها الطالب أن يسأل، أو يخشى فيها العالم من مخالفته في الرأي، تتحول سريعاً إلى بيئة جامدة تقتل الابتكار وتضعف الاجتهاد.

أما مجالس الصحابة والتابعين فكانت مجالس حية مفعمة بالحركة: فيها السؤال الجريء، وفيها المناظرة القوية، وفيها حتى الدعابة السريعة التي تكسر الجمود وتحفظ الروح الإنسانية دون أن تضيع الهيبة العلمية أو تخدش الوقار، ولهذا خرجت تلك المجالس العظيمة أئمة قادوا الأمة في العلم والعمل.

وهذا المعنى هو ما قرره علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين كان يتعهد أصحابه بالتنويع والترويح قائلاً: «أجموا هذه القلوب، والتمسوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان، والنفس مؤثرة للهوى، آخذة بالهوينى، جانحة إلى اللهو، أمارة بالسوء، مستوطنة للعجز، طالبة للراحة، نافرة عن العمل، فإن أكرهتها أنضيتها، وإن أهملتها أرديتها»(8).

كيف تدير المناظرة العلمية باحترام ومودة؟

إن إدارة المناظرة الفكرية بروح ملؤها الإجلال والتوافق ليست مجرد مهارة إجرائية، بل هي انعكاس أصيل لنضج العقل وسلامة الصدر تجاه المخالف، وتتجلى أصول هذه الإدارة الراعية لحفظ الأقدار وبقاء المودة في القواعد التالية:

1- تصحيح الأخطاء والتصرفات لا يحتاج دائمًا إلى القسوة والشدة: فالكلمة اللطيفة والبديهة الحكيمة قد تصل إلى القلب وتصلح المسار أسرع من العتاب القاسي؛ كما ثبت في قوله صلى الله عليه وسلم في الأعرابي الذي بال في المسجد: «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ»(9).

2- الثقة بالعلم والضبط لا تعني الاستغناء عن الآخرين: فطالب العلم والفقيه مهما بلغ علمه يحتاج دائماً إلى المدارسة والاستزادة ممن هو أعلم وأكبر منه سابقة وفضلاً.

3- المنافسة العلمية الشديدة لا تلغي الاحترام والقدر: يمكن للعلماء أن يناظروا بصلابة ويختلفوا في الفتيا، مع بقاء أصل المحبة والإجلال ثابتاً في قلوبهم.

4- الروح الإنسانية والبشاشة جزء من نجاح المجالس العلمية: فالهيبة الإيمانية لا تعني الجفاء والجمود، والوقار لا يتنافى مع التبسم واللطف وتليين القلوب.

وهكذا يغدو الحوار العلمي بيئة ثرية لتلاقح العقول واستخراج العلوم، حريصةً على ألا تجعل طريقتنا في طلب الحق حاجزاً يمنعنا من الانتفاع بفضلاء الرجال.

تكامل البشاشة والهيبة في مجالس العلماء

إن وجود هذه المساحة من الأنس واللطف وسرعة البديهة في مجالس التابعين هي التي جعلت حلقات العلم حواضن جاذبة للشباب وطلاب الفقه، فالعلم لا ينتشر في بيئات الخوف والتسلط، بل ينمو وينبت في مجالس تجمع بين التواضع لله، وحفظ الأقدار، وإشاعة البشاشة، حيث يجد المتعلم بغيته دون أن تنكسر همته.

تكشف لنا هذه المحاورة القصيرة والمشهورة بين ابن عباس وأبي سلمة بن عبدالرحمن جانباً إنسانياً وتربوياً عظيماً من حياة جيل التابعين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا شخصيات معزولة عن الطبيعة البشرية، بل كانوا أهل علم، وخشية، وعبادة، ومع ذلك كانت مجالسهم حافلة بالبشاشة واللطف وسرعة البديهة.

أبو سلمة بن عبد الرحمن بقي فقيه المدينة الكبير وإمامها المتبوع رغم هذه المداعبة العابرة، وابن عباس بقي الحبر المعلم والحكيم الذي عرف كيف يعظ ويصحح دون أن يكسر همة أخيه، وهكذا كانت مجالس العلم عندهم: عقول متوقدة تتنافس في الوصول إلى الحق، وقلوب زكية تحفظ الأقدار.

الهوامش
  • 1 أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف القرشي الزهري: تابعي جليل، ولد في حدود سنة 22هـ، وهو من فقهاء المدينة المنورة السبعة وأحد أئمتها، اشتهر بالحديث والفقه وتولية القضاء بالمدينة لبعض الوقت، وكان من أعلم الناس بأحكام الشريعة وآثار الصحابة، سكن المدينة المنورة وتوفي بها سنة 94هـ (وقيل: 104هـ).
  • 2 سير أعلام النبلاء (4/ 287).
  • 3 التمهيد، ابن عبد البر (4/ 268).
  • 4 البداية والنهاية (12/ 94).
  • 5 الأدب المفرد، ص102 (266).
  • 6 سنن أبي داود (4/ 457/ 4998).
  • 7 سير أعلام النبلاء (10/ 5).
  • 8 العقد الفريد (8/ 90).
  • 9 صحيح البخاري (1/ 54/ 220).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة