كيف يصنع القرآن قدوة ؟ أبو تميم الجيشاني نموذجاً
يروي الإمام الذهبي في ترجمته: قال يزيد بن أبي حبيب: كان من أعبد أهل مصر.
حدثنا ابن لهيعة،
حدثني ابن هبيرة، سمعت أبا تميم الجيشاني، يقول: أقرأني معاذ القرآن حين بعثه
النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن.
وروى الأعمش، عن
إبراهيم قال: قال ابن مسعود: جاء معاذ فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرئه»،
فأقرأته ما كان معي، ثم كنت أنا وهو إلى رسول الله يقرئنا.
قال سعيد بن
عفير: توفي أبو تميم سنة سبع وسبعين.
تبدو ترجمة أبي
تميم الجيشاني(1) في كتب الرجال قصيرة في ألفاظها، واسعة في دلالاتها؛
فبين قول يزيد بن أبي حبيب: «كان من أعبد أهل مصر»، وقوله هو: «أقرأني معاذ القرآن
حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن»، تتشكل صورة إنسان لم تكن عظمته في
كثرة الأخبار عنه، بل في قوة الأثر الذي تركه فيمن حوله.
فنحن أمام تابعي
نشأ في مرحلة انتقالية من تاريخ الأمة؛ مرحلة خرج فيها الإسلام من نطاق الجزيرة
إلى الأمصار، وانتقلت معها علوم القرآن والهداية من جيل الصحابة إلى جيل التابعين،
ولا يعني قلة التفاصيل الواردة عنه غياب العمق، بل إن بعض الشخصيات تُقرأ من خلال
الإشارات القليلة التي تكشف عن بناء طويل من التربية والمجاهدة.
كيف صنع التلقي القرآني شخصية أبي تميم الجيشاني؟
العبارة التي
نقلها أبو تميم الجيشاني عن نفسه ليست مجرد ذكرى تاريخية؛ «أقرأني معاذ القرآن حين
بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن»، إنها شهادة على طبيعة التكوين العلمي
في الجيل الأول؛ حيث لم تكن المعرفة منفصلة عن الصحبة والتربية.
فهو لم يتلق
القرآن من كتاب مجرد أو تعليم نظري فقط، بل أخذه من معاذ بن جبل رضي الله عنه،
الذي كان من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم علماً وفقهاً، وهذا النوع من
التلقي كان يصنع شخصية متكاملة؛ لأن المعلم لم يكن ينقل ألفاظاً فقط، بل ينقل
حالاً وسلوكاً ومنهجاً في فهم الدين.
ويزداد معنى هذا
التلقي وضوحاً بما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: «جاء معاذ فقال لي النبي صلى
الله عليه وسلم: «أقرئه»، فأقرأته ما كان معي، ثم كنت أنا وهو إلى رسول الله
يقرئنا»، فالرواية تشير إلى شبكة علمية مبكرة كان فيها القرآن ينتقل بين الصحابة
بإشراف نبوي، ثم يصل إلى التابعين عبر سلسلة من التربية المباشرة.
ولم يكن هذا
الأسلوب مقتصرًا على معاذ بن جبل رضي الله عنه، بل كان منهجًا نبويًا في بناء
الأجيال؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث أصحابه إلى القبائل والأمصار
ليعلموا الناس القرآن بالتلقي المباشر والصحبة العملية.
ومن أوضح
الشواهد على ذلك إرساله مصعب بن عمير، وعبدالله بن أم مكتوم، رضي الله عنهما، إلى
أهل المدينة قبل الهجرة، حيث كانا يتعاقبان على إقراء الناس القرآن، ويقودان عملية
تربيتهم علميًا وسلوكيًا(2)، فكان التعليم في ذلك العهد بناءً للإنسان
قبل أن يكون مجرد نقلٍ للمعلومات.
ومن هنا يظهر أن
صناعة العلماء والعابدين في الإسلام لم تقم على كثرة المعلومات وحدها، بل على جودة
المصدر، وقوة الصلة بالقدوة، وتحول العلم إلى بناء داخلي.
من مجالس اليمن إلى محراب العبادة بمصر
وصف أبي تميم
الجيشاني بأنه «من أعبد أهل مصر» يكشف عن المرحلة الثانية بعد التلقي؛ مرحلة
التفاعل مع القرآن؛ فالقرآن في حياة هؤلاء لم يكن مادة للحفظ فحسب، بل كان قوة
تغيير، وقد ربط القرآن بين العلم الحقيقي والخشية فقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، فالعلم الذي لا يثمر خشية وعملًا يبقى
ناقص الأثر.
إن انتقال أبي
تميم الجيشاني من مجلس التعليم في اليمن إلى مقام العبادة المشهود له بها في مصر
يكشف عن قاعدة مهمة في بناء الإنسان؛ أن المعرفة إذا استقرت في القلب تحولت إلى
سلوك، وأن أعظم أثر للعلم يظهر في حياة صاحبه قبل أن يظهر في كلامه.
ويؤكد هذا
المعنى ما عُرف عن التابعي العابد عامر بن عبد قيس البصري؛ فقد قال فيه كعب
الأحبار: «هذا راهب هذه الأمة»، ولم يكن ذلك لوصف كثرة عبادته مجردًا، بل لأنه جمع
بين تعليم القرآن والعمل به؛ فكان يُقرئ الناس القرآن من الصبح إلى الظهر، ثم يقوم
فيصلي، فاجتمع في حياته نشر العلم، وكمال العبادة، وصدق الخشية، وهكذا يتحول
القرآن حين يرسخ في القلب من معلومات تُحفظ إلى حياة تُعاش، ومن ألفاظ تُتلى إلى
سلوكٍ يراه الناس(3).
وفي واقع الناس
اليوم، تظهر الحاجة إلى هذا المعنى بوضوح؛ فكثرة الاطلاع لا تكفي لصناعة الإنسان
المتزن، ما لم تتحول المعرفة إلى عادات أخلاقية، وانضباط عملي، ومراقبة لله في
السر والعلن.
كيف حافظ أبو تميم الجيشاني على مساره لعقود؟
توفي أبو تميم
الجيشاني سنة 77هـ، بعد رحلة طويلة من الحياة في صدر الإسلام، وهذه الاستمرارية
تحمل دلالة مهمة؛ فالعظمة ليست في لحظة بداية مشرقة، بل في القدرة على المحافظة
على الاتجاه عبر السنين.
كثير من الناس
يملكون بدايات قوية، لكن القليل يحافظون على حرارة البداية بعد مرور الزمن، أما
أبو تميم الجيشاني فظل مرتبطاً بالقرآن الذي تلقاه في شبابه حتى أصبح مضرب مثل في
العبادة.
ويظهر هذا
المعنى جليًا في سيرة الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله؛ فقد لم يكن ثباته على
العبادة موقفًا عارضًا، بل أصبح نظام حياة لازمَه عشرات السنين، حتى قال مولاه
بَرْد: «ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد»(4)، وهي
صورة تؤكد أن أعظم الإنجازات الإيمانية لا تُبنى بالاندفاع المؤقت، وإنما
بالمواظبة التي تتحول مع الزمن إلى سمة راسخة في شخصية الإنسان.
وهذا المعنى
يلتقي مع قوله تعالى: (وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69)؛ فالمجاهدة
ليست موقفاً عابراً، وإنما مسار مستمر يثبت فيه الإنسان على طريقه.
ولهذا، فإن بناء
الشخصية المؤثرة لا يحتاج فقط إلى قوة الانطلاق، بل يحتاج إلى نظام حياة يحفظ
الاتجاه، ويجعل القيم جزءاً من الهوية لا مجرد مرحلة مؤقتة.
حين تغني قوة النموذج العملي عن السلطة
لم يكن أبو تميم
الجيشاني والياً ولا قائداً عسكرياً، ولم تُذكر له سلطة سياسية، ومع ذلك أصبح من
الشخصيات البارزة في مصر، وهذا يكشف نوعاً آخر من القيادة: القيادة بالقدوة.
فالإنسان قد
يمتلك تأثيراً واسعاً من خلال صدقه وثباته واستقامته، لأن المجتمعات لا تحتاج فقط
إلى أصحاب المناصب، بل تحتاج إلى نماذج ترى فيها معنى القيم التي تؤمن بها.
كانت عبادة أبي
تميم الجيشاني رسالة صامتة؛ فالناس يرون العالم العامل قبل أن يسمعوا منه، ويرون
أثر القرآن في سلوكه قبل أن يسمعوا تفسيره.
وليس هذا اللون
من التأثير مقصورًا على أصحاب الولايات أو المناصب، بل حفظت لنا السيرة نماذج صنعت
مكانتها بما قدمته من عمل صالح وإحسان خفي، ومن ذلك ما روي عن الصحابي سهل بن حنيف
رضي الله عنه، فقد كان رجلًا من عامة المسلمين، لا واليًا ولا قائد جيش، ومع ذلك
ترك صورة بليغة في القيادة بالقدوة؛ إذ كان يعمد ليلًا إلى أوثان قومه فيكسرها،
ويجعلها حطبًا، ثم يحمله إلى أرملة مسلمة لا زوج لها، دون انتظار ثناء أو طلب
منزلة(5).
وهكذا يصنع
الإخلاص أثرًا قد تعجز عنه كثير من المناصب، لأن الناس يثقون بمن يرون صدق عمله
قبل أن يسمعوا كلامه.
وهذا النوع من
التأثير حاضر في كل زمان؛ فالمربي في أسرته، والمعلم في مدرسته، والداعية في
مجتمعه، قد يترك أثراً أعظم من خلال سيرته اليومية من خلال خطابه النظري وحده.
حين يحتاج التوسع العمراني لنماذج إيمانية تضبطه
كان انتقال أبي
تميم الجيشاني إلى مصر جزءاً من حركة تاريخية واسعة؛ فقد أصبحت الأمصار الإسلامية
بعد الفتوحات مراكز جديدة للعلم والعبادة، وانتقل إليها الصحابة والتابعون يحملون
معهم علوم الوحي.
وتظهر مصر
مثالًا واضحًا لهذه الحركة العلمية؛ فبعد فتحها انتقل إليها عدد من كبار الصحابة،
منهم عمرو بن العاص، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم،
وأسهموا في تأسيس الفسطاط لتكون مركزًا لنشر التوحيد، وتعليم القرآن، ورواية
الحديث، وإحياء العبادة(6)، وفي هذا المناخ العلمي والإيماني برز
التابعون الذين حملوا ميراث الصحابة، وكان أبو تميم أحد الوجوه التي واصلت بناء
هذا الوعي وترسيخه في المجتمع المصري.
وفي هذه البيئات
الجديدة ظهرت الحاجة إلى شخصيات تحفظ التوازن؛ فالمجتمع الذي يتوسع عمرانياً
واقتصادياً يحتاج إلى نماذج تربطه بالغاية الروحية التي قام عليها المشروع
الإسلامي.
ومن هنا يمكن
فهم مكانة أبي تميم في مصر؛ فلم يكن مجرد عابد منعزل، بل كان وجوده جزءاً من بناء
الوعي الديني في مجتمع يتشكل.
كيف رسمت ملازمة الشيوخ منهج التلقي الإسلامي؟
تظهر في ترجمة
أبي تميم الجيشاني أهمية اختيار المربي الأول، فالشخصية لا تُبنى فقط بما تقرأه،
بل بمن تتلقى عنه، وبالبيئة التي تتكون فيها.
إن معاذ بن جبل
يمثل نموذج المعلم الذي يجمع بين العلم والعمل، ومن يتلقى عن أمثاله لا يرث
معلومات فقط، بل يرث طريقة نظر إلى الحياة؛ ولهذا كانت مدارس السلف تقوم على
الصحبة والملازمة؛ لأن الإنسان يتأثر بالقدوة الحية، ويكتسب من أخلاق شيخه كما
يكتسب من علمه.
ولم يكن هذا
المنهج خاصًا بمعاذ بن جبل رضي الله عنه، بل هو سمة ظاهرة في المدرسة العلمية
الأولى، فقد لازم عبدُالله بن عباس النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فنهل من علمه
وهديه، ثم أصبح هو نفسه مدرسة يقصدها التابعون، ومن أبرزهم مجاهد، الذي قال: «عرضت
القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة»، وفي رواية: «ثلاث مرات أوقفه عند كل آية أسأله
عنها»(7)، كما أخذ عنه عطاء وطاووس وغيرهما، في صورة تكشف أن العلم في
ذلك الجيل كان يُبنى بالملازمة، وكثرة المراجعة، وطول الصحبة، قبل أن يُبنى بكثرة
الكتب أو تنوع المصادر.
وفي عصرنا، حيث
كثرت مصادر المعرفة، يبقى سؤال المصدر من أهم الأسئلة: من الذين نسمح لهم بتشكيل
عقولنا؟ وما النماذج التي نقتدي بها في طريق البناء؟
أمانة الأفراد.. الحصن الداخلي لحماية ثمار النصر
تكشف سيرة أبي
تميم الجيشاني أن الحضارات لا تبنى بالأنظمة والماديات وحدها، بل تبنى أيضاً
بالإنسان الذي يحمل القيم ويجسدها؛ فالأمم تحتاج إلى أصحاب مهارات، لكنها تحتاج
كذلك إلى أصحاب مبادئ يحفظون المعنى الأخلاقي للمسيرة.
ولذلك، لم يكن
ازدهار الحضارة الإسلامية قائمًا على اتساع الفتوحات أو كثرة الأموال وحدها، بل
على القيم التي حملها رجالها، ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما وقع بعد فتح المدائن،
حين جيء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتاج كسرى وسواريه، فقال: «إن قوماً أدوا
هذا لأمناء»، فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنك عففت فعفت رعيتك، ولو
رتعت لرتعوا»(8)، فكانت الأمانة والعفة هي التي حفظت ثمار النصر،
وأثبتت أن البناء الحضاري يبدأ باستقامة الإنسان قبل أن يكتمل بالمظاهر المادية.
وقد كان أمثال
أبي تميم الجيشاني جزءاً من القوة الروحية التي حفظت للمجتمع الإسلامي توازنه في
مراحل التوسع والانتشار.
إن أعظم ما يمكن
أن يفعله الإنسان في حياته ليس فقط أن يضيف معلومات إلى العالم، بل أن يصبح هو
نفسه شاهداً على أثر تلك المعرفة.
وتبقى صورة أبي تميم الجيشاني ماثلة؛ شاب تلقى القرآن من أحد رجال المدرسة النبوية، ثم حمل أثر ذلك التلقي عقوداً حتى شهد له أهل مصر بالعبادة، إنها قصة انتقال القرآن من المصحف إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك، ومن السلوك إلى الأثر.
الهوامش
- 1 أبو تميم الجيشاني، من أئمة التابعين بمصر واسمه عبدالله بن مالك بن أبي الأسحم، وهو أخو سيف، ولدا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقدما المدينة زمن عمر، حدث عن عمر، وعلي، وأبي ذر، ومعاذ بن جبل، وقرأ القرآن على معاذ. روى عنه عبدالله بن هبيرة، وكعب بن علقمة، ومرثد بن عبدالله اليزني، وبكر بن سوادة، وغيرهم، سير أعلام النبلاء، ج4، ص74.
- 2 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص8،14.
- 3 سير أعلام النبلاء، ج4، ص15-20.
- 4 صفة الصفوة، ابن الجوزي، ج2، ص31.
- 5 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص72،73.
- 6 البداية والنهاية، ج9، ص34.
- 7 المرجع السابق، ج13، ص6.
- 8 المرجع السابق، ج9، ص11.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً