قراءة في كرامات الصالحين وقوة التوكل وفن القيادة في لحظات الاختبار

أبو مسلم الخولاني .. اليقين والتوكل في مواجهة الخوف

مشهد تاريخي تعبيري لرجل صالح في أجواء إيمانية قرب نهر هائج، يرمز إلى الثبات والثقة بالله ومواجهة الخوف.

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد الطويل، أن أبا مسلم(1) أتى على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فذهب عليها، ثم حمد الله وأثنى عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البحر، ثم لهز(2) دابته، فخاضت الماء، وتبعه الناس حتى قطعوها، قال: هل فقدتم شيئاً من متاعكم فأدعو الله أن يرده عليَّ؟

وروى عنبسة بن عبدالواحد: عن عبدالملك بن عمير، قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا استسقى سقي.

وروى بقية عن محمد بن زياد: عن أبي مسلم، أن امرأة خببت(3) عليه امرأته، فدعا عليها، فعميت، فأتته فاعترفت وتابت، فقال: اللهم إن كانت صادقة، فردد بصرها، فأبصرت،

وروى ضمرة بن ربيعة عن بلال بن كعب، أن الصبيان قالوا لأبي مسلم الخولاني: ادع الله أن يحبس(4) علينا هذا الظبي فنأخذه، فدعا الله، فحبسه، فأخذوه.

وعن عطاء الخراساني، أن امرأة أبي مسلم قالت: ليس لنا دقيق، فقال: هل عندك شيء؟ قالت: درهم بعنا به غزلاً(5)، قال: ابغينيه(6) وهاتي الجراب، فدخل السوق، فأتاه سائل، وألح، فأعطاه الدرهم، وملأ الجراب نشارة مع تراب، وأتى وقلبه مرعوب منها، وذهب، ففتحته، فإذا به دقيق حواري، فعجنت وخبزت، فلما جاء ليلاً، وضعته، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدقيق، فأكل وبكى(7).

تمثل هذه الأخبار جانبًا من سيرة أبي مسلم الخولاني رحمه الله، وهو من كبار التابعين الذين اشتهروا بالعبادة واليقين والزهد، وقد نقل أهل التراجم أخبارًا متعددة عنه في أبواب العبادة والكرامات، وهذه الروايات تُقرأ في إطارها العلمي باعتبارها أخبارًا مروية عن أحوال الصالحين، مع التفريق بين ثبوت أصل فضائل الرجل وبين تفاصيل كل قصة من جهة الرواية.

وتكشف هذه المواقف المتنوعة عن شخصية لم يكن إيمانها مجرد شعور داخلي، بل تحول إلى طريقة نظر للحياة؛ يرى الأسباب، لكنه لا يحصر قدرة الله فيها، ويباشر العمل، لكنه يربط قلبه بمسبب الأسباب.

عبور دجلة.. حين يهزم اليقين شلل الإرادة

في قصة دجلة يظهر مشهد شديد الدلالة؛ نهر هائج يحمل الخشب من شدة اندفاع الماء، والناس أمام حاجز طبيعي مخيف، ثم يتقدم أبو مسلم فيعبر، لكن اللافت في الرواية ليس مجرد العبور، بل ما سبقه من معنى إيماني؛ فقد ذكر مسير بني إسرائيل في البحر قبل أن يخوض الماء، فهو لم يتعامل مع الخطر باعتباره حقيقة مادية فقط، بل استحضر ذاكرة الإيمان التي تجعل الإنسان يرى وراء الأسباب قدرة الله.

إن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، حين اتخذت قرار الهجرة وحيدة من مكة إلى المدينة في هدنة «الحديبية»، متوكلة على الله في مواجهة خطر الطريق والرجال، فركبت مع رجل غريب من خزاعة لم يكلمها كلمة حتى أوصلها، وقالت متوكلة ومواجهة لواقعها: «إني فررت إليك بديني فامنعني ولا تردني إليهم يفتنوني ويعذبوني»؛ فخرج في إثرها أخواها؛ الوليد، وعمارة، فما زالا حتى قدما المدينة، فقالا: يا محمد، وفِّ لنا بشرطنا، فقالت: أتردني يا رسول الله إلى الكفار يفتنوني عن ديني ولا صبر لي، وحال النساء في الضعف ما قد علمت؟ فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {10} وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إلى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) (الممتحنة)(8) فكان يقول: «آلله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام، ما خرجتن لزوج ولا مال»، فإذا قلن ذلك، لم يرجعهن إلى الكفار، فعصمها الله والنساء من قريش وفتنتهن إياهن.

وهذا المعنى يذكر بقصة موسى عليه السلام حين قال الله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) (الشعراء:63)، والدرس هنا ليس دعوة الإنسان إلى اقتحام الأخطار بلا حساب، فالشريعة جاءت بالأخذ بالأسباب، وإنما المعنى أن المؤمن لا يجعل صعوبة الطريق سببًا لشلل الإرادة، فهو يتحرك بما يستطيع، ويعلم أن فوق كل سبب قدرة الله.

وفي واقع الناس اليوم، تظهر هذه المعادلة في مواجهة الأزمات الكبرى؛ فالمطلوب ليس إنكار صعوبة الواقع، ولا الاستسلام له، بل الجمع بين التخطيط والثقة بالله.

اقتحام النهر.. لماذا يسبق سلوك القائد تعليماته؟

تكشف قصة عبور دجلة عن نموذج قيادي واضح؛ فالقائد في لحظة الخوف لا يكتفي بالكلمات، بل يتقدم بالفعل، لقد خاض أبو مسلم الماء أولًا، ثم تبعه الناس، وهذه إحدى أهم قواعد التأثير؛ أن السلوك القيادي يسبق التعليمات، فالناس قد تنسى الخطب، لكنها تتذكر من وقف معها في لحظة الخطر.

إن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم «حُنَينٍ» إذ جاءَتْه وُفودُ هَوازنَ، فقالوا: يا محمَّدُ، إنَّا أَصلٌ وعَشيرةٌ، فمُنَّ علينا، مَنَّ اللهُ عليك؛ فإنَّه قد نزَلَ بنا مِن البَلاءِ ما لا يَخفَى عليك، فقال: «اختاروا بين نِسائِكم وأموالِكم وأبنائِكم»، قالوا: خيَّرْتَنا بين أحسابِنا وأموالِنا، نختارُ أبناءَنا، فقال: «أمَّا ما كان لي ولِبَني عبدِالمطَّلبِ، فهو لكم، فإذا صلَّيتُ الظُّهرَ، فقولوا: إنَّا نَستشفِعُ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على المؤمنينَ، وبالمؤمنينَ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في نِسائِنا وأبنائِنا»، قال: ففعَلوا.

فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «أمَّا ما كان لي ولِبَني عبدِالمطَّلبِ، فهو لكم»، وقال المُهاجِرونَ: وما كان لنا، فهو لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالتِ الأنصارُ مِثلَ ذلك، وقال عُيَينةُ بنُ بَدرٍ: أمَّا ما كان لي ولِبَني فَزارةَ، فلا، وقال الأَقرَعُ بنُ حابسٍ: أمَّا أنا وبَنو تَميمٍ، فلا، وقال عبَّاسُ بنُ مِرداسٍ: أمَّا أنا وبَنو سُلَيمٍ، فلا، فقالتِ الحَيَّانِ: كذَبْتَ، بل هو لِرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «يا أيُّها النَّاسُ، رُدُّوا عليهم نِساءَهم وأبناءَهم، فمَن تمسَّكَ بشيءٍ مِن الفَيءِ، فله علينا ستَّةُ فَرائضَ مِن أَوَّلِ شيءٍ يُفيئُه اللهُ علينا»، ثُمَّ ركِبَ راحلتَه.

إن النبي صلى الله عليه وسلم ما رد سائلاً قط في حياته، ولم يكن ليمنع مغنماً غنمه صحبه في فيء أفاءه على نبيه والذين معه، لكنه صلى الله عليه وسلم علم ما يكون من فعل أصحابه الذين تربوا على يديه وهو يتنازل عن حقه وهو القائد النبي الكريم، بل ويتنازل عما لقرابته من بني عبدالمطلب، فلم يدع لأحد مجالاً للتنازل عن فيئه طواعية لله ورسوله، وعندما تمسك بعضهم بما أخذ، أعلمهم أنه إنما يريد النساء والأبناء لا المال، ووعدهم بأن له من أول شيء يفيء الله به عليه فأنهى أمراً في ساعة من نهار ما لو تأخر القضاء فيه يوماً واحداً ما استطاع أحد أن يسترجعهم كلهم في غير ما بأس.

ولهذا كان من صفات القادة المؤثرين قدرتهم على تحويل الخوف الجماعي إلى طاقة حركة، وذلك لا يكون بالصوت المرتفع فقط، وإنما بامتلاك الثبات الداخلي الذي يمنح الآخرين شعورًا بالأمان، وفي المؤسسات والمجتمعات، يبقى القائد الحقيقي هو الذي يظهر عند لحظات الاختبار، لا عند لحظات الراحة.

التخبيب.. كيف واجه محاولة هدم استقرار أسرته؟

في قصة المرأة التي سعت في تخبيب زوجته، يظهر جانب آخر من شخصية أبي مسلم؛ جانب الحزم في حماية الأسرة، ثم الرحمة عند ظهور التوبة، والتخبيب منهي عنه في السُّنة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من خبَّبَ عبدًا على أَهْلِهِ فليسَ منَّا، ومن أفسدَ امرأةً على زوجِها فليسَ منَّا»(9)، فإفساد العلاقات الزوجية ليس أمرًا اجتماعيًا بسيطًا؛ لأنه يضرب وحدة الأسرة التي هي أساس المجتمع، ومن هنا جاء موقف أبي مسلم في مواجهة هذا الفعل، لكن اللافت أنه لما اعترفت المرأة وتابت، لم يبق أسيرًا للغضب، بل دعا الله لها بالشفاء، وهذا يبرز توازنًا مهمًا؛ حماية الحق لا تعني إغلاق باب الإصلاح.

فالنبي صلى الله عليه وسلم الحازم والرحيم مع حاطب بن أبي بلتعة، حين أخطأ بمراسلة قريش، فغضب عمرُ وقال: فاخترطتُ سيفي ثمَّ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أمكِنِّي من حاطبٍ فإنَّه قد كفر فأضربَ عنقَه، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا بنَ الخطَّابِ، ما يدريِك لعلَّ اللهَ اطلَّع على هذه العصابةِ من أهلِ «بدرٍ» فقال: اعملوا ما شئتُم فإنِّي قد غفرتُ لكم»(10)؛ إن الخطأ الذي يرتكبه الإنسان على عظمه لا يخرجه من حالة التراجع عن خطئه ومحاولة تصحيحه وتدارك خطئه، فهذا أحق ما تبنى به المجتمعات؛ حيث إن المجتمعات لا تبنى بالرفق فقط ولا بالحزم فقط، بل بالحال المنضبط المتزن بينهما.

وعن إبراهيم النخعي، قال: ارتد الأشعث في ناس من كندة، فحوصر، وأخذ بالأمان، فأخذ الأمان لسبعين، ولم يأخذ لنفسه، فأتي به الصديق، فقال: إنا قاتلوك، لا أمان لك، فقال: تمن علي وأسلم؟ قال: ففعل، وزوجه أخته، زاد غيره: قال لأبي بكر: زوجني أختك، فزوجه فروة بنت أبي قحافة. (رواه أبو عبيد في «الأموال»)، فلعل أباها فوض النكاح إلى أبي بكر.

وعن ابن أبي خالد، عن قيس، قال: لما قدم بالأشعث بن قيس أسيراً على أبي بكر أطلق وثاقه، وزوجه أخته، فاخترط سيفه، ودخل سوق الإبل، فجعل لا يرى ناقة ولا جملاً إلا عرقبه، وصاح الناس: كفر الأشعث! ثم طرح سيفه، وقال: والله ما كفرت؛ ولكن هذا الرجل زوجني أخته؛ ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة، انحروا وكلوا! ويا أهل الإبل، تعالوا خذوا شرواها(11)، بهذا تتحول الحالات الفردية في المجتمع من عناصر فاسدة قد تفسد غيرها، إلى عناصر صالحة وربما مصلحة.

وهذا المعنى يحتاجه الناس اليوم في التربية والإدارة؛ فالمؤسسة أو الأسرة تحتاج إلى الحزم أمام الخطأ، لكنها تحتاج كذلك إلى فتح أبواب العودة لمن صدق في إصلاح نفسه.

حبس الظبي.. سر تفاعل العابد مع الأطفال

قد تبدو قصة الظبي مع الصبيان أمرًا صغيرًا، لكنها تكشف جانبًا إنسانيًا مهمًا في شخصية أبي مسلم، فالعظمة الحقيقية لا تعني الانفصال عن الناس أو احتقار اهتماماتهم الصغيرة، فقد تفاعل مع الأطفال، واستمع إلى طلبهم، وربط قلوبهم بمعنى الدعاء والافتقار إلى الله.

وقد ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على اهتمامه بالنشء المسلم الذي يعتبر هو ثروة هذا المجتمع المسلم؛ فنراه صلى الله عليه وسلم كيف اهتم بحديث جانبي من أبي طلحة وخبر قد لا يكون مهماً عند بعض القادة الذين لا يحسنون امتلاك أنفس أصحابهم من دقائق أرواحهم، فيسمع من صاحبه أنه قد رزق بمولود فلم يبارك له فقط، إنما أمره أن يأتيه به، بل وحنّكه وجعل أول ما يدخل إلى جوفه شيء من ريقه المبارك العذب؛ إن أبا طلحة تعود على أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأدق تفاصيله حياته طمعاً في بركة النبي صلى الله عليه وسلم، فربما أخبره خبراً يفوز فيه بدعوة منه، ففاز بها وبأكثر من تلك الدعوات الطيبات التي كان يدعوها لأصحابه، يخبر أنس وهو يحدثنا بهذا الخبر كيف اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بحال أمه؛ فيقول: فلَمَّا رَآني قال: «لَعَلَّ أُمَّ سُلَيمٍ ولَدَت؟»، قُلتُ: نَعَم.

إن حال النبي مع الصبية هذا أثر في بنائهم النفسي فاحتملوا مفهوم الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعتقد أحد أن طفلاً يحمل واجب الدفاع عنه، ففي «المستدرك» على الصحيحين: كَانَتْ نَفْحَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُخِذَ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَخَرَجَ بِالسَّيْفِ مَسْلُولًا حَتَّى وَقَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟»، فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ مَنْ أَخَذَكَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَلِسَيْفِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ سَيْفٍ سُلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

إن التربية الناجحة هي التي تبنى على العطاء فكيفها كنت لهم مثالاً على العطاء؛ أصبحت قدوة لهم فيحرصون على البذل والعطاء والاقتداء بعطائك لهم.

والتربية الناجحة تبدأ أحيانًا من المواقف البسيطة؛ فالمعلم والمربي لا يصنع الأثر فقط في المجالس الكبرى، بل في اللحظات العابرة التي يشعر فيها الطفل أن الكبار يرونه ويهتمون به، ولهذا كان التعامل الرحيم مع الناشئة جزءًا من بناء المجتمع؛ لأن الطفل الذي يرى معاني الإيمان مجسدة أمامه ينشأ وقد ارتبطت القيم في ذهنه بالواقع لا بالكلمات المجردة.

لماذا تصدق بدرهمه الوحيد وجمع نشارة الخشب؟

أما قصة الدقيق فتقدم صورة عميقة عن معنى التوكل والكرم؛ حيث كان لدى الأسرة درهم واحد يمثل موردًا محدودًا، ثم جاء سائل فأعطاه أبو مسلم الدرهم، وبعد ذلك وقع ما وقع من القصة التي تذكر تحول الجراب إلى دقيق، ومن زاوية تربوية، فإن المشهد يكشف عن قلب يرى أن ما عند الله أوسع من الحسابات الضيقة، وهذا المعنى يلتقي مع قول الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

لكن التوكل في الإسلام لا يعني ترك الأسباب، بل يعني اعتماد القلب على الله مع بذل الممكن، ولهذا كانت قصة أبي مسلم نموذجًا في قوة الثقة بالله، لا دعوة إلى إهمال التخطيط أو المسؤولية.

إن العطاء الذي قام به أبو مسلم الخولاني تربى فيه على فعل الصحابة، فيسوق شهاب الدين في «المستطرف» خبراً عن علي بن أبي طالب فيقول: وأتى أعرابي إلى عليّ رضي الله عنه، فسأله شيئاً، فقال: والله ما أصبح في بيتي شيء فضل عن قوتي، فولى الإعرابي وهو يقول: والله ليسألنك الله عن موقفي بين يديك يوم القيامة، فبكى عليّ رضي الله عنه بكاء شديداً، وأمر برده، وقال يا قنبر: ائتني بدرعي الفلانية، فدفعها إلى الإعرابي، وقال: لا تخدعن عنها فطالما كشفت بها الكروب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قنبر: يا أمير المؤمنين، كان يجزيه عشرون درهماً، فقال: يا قنبر، والله ما يسرني أن لي زنة الدنيا ذهباً وفضة، فتصدقت به، وقبل الله مني ذلك، وإنه يسألني عن موقف هذا بين يدي.

وفي عالم اليوم، حيث يسيطر القلق المادي على كثير من الناس، تذكرنا هذه المعاني بأن الإنسان لا ينبغي أن يحصر رزقه في الحسابات الظاهرة فقط، مع قيامه بالأسباب المشروعة، فإنه لما ثبت هذا اليقين في قلب أبي مسلم صارت النشارة دقيقاً خبزت منه زوجه وطعم منه أبو مسلم.

اليقين الحقيقي.. دافع عملي لمواجهة تحديات الحياة

تكشف مواقف أبي مسلم الخولاني عن شخصية اجتمع فيها عمق الإيمان وقوة الحضور الإنساني، فقد عبر النهر حين احتاج الناس إلى الثبات، ودعا فأظهر معنى الافتقار إلى الله، وتعامل مع الطفل كما يتعامل مع الكبير، وحفظ حق الأسرة ثم فتح باب التوبة، وأنفق القليل وهو يعلم أن خزائن الله لا تنفد.

إن أعظم ما تقدمه هذه السيرة للإنسان المعاصر أن اليقين ليس فكرة في القلب فقط، بل قوة تصنع طريقة التعامل مع الخوف، والشدائد، والمسؤوليات، فحين يرتبط الإنسان بالله يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة دون أن يفقد رحمته أو توازنه.

الهوامش
  • 1 عبدالله بن ثوب، وَيُقَال: ابْن عَوْف، وَيُقَال: ابْن مشْكم أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ الشَّامي، قارئ أهل الشَّام، غلبت عَلَيْهِ كنيته، أدْرك الْجَاهِلِيَّة وأتى المدينة وقد قبض النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واستخلف أَبُو بَكْر، وَكَانَ فاضلا عابدا ناسكا، لَهُ فضائل مشهورة.
  • 2 ضرب دابته ليحثها على السير.
  • 3 خَبَّبَ على فلان زوْجَه: أَفسدها عليه، وفي الحديث: «من خَبَّبَ امرَأَةً أو ممْلوكاً على مسلِمٍ فليس مِنَّا».
  • 4 حبَسَ الشَّخصَ أو الشَّيءَ: منَعَه وأمسَكَه وأخّره، ضدّ خلاَّه.
  • 5 ما تصنع النساء من الصوف والشعر والوبر فيصير غزلا يباع.
  • 6 ائتني به، وفي الحديث: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا أَوْ نَحْوَهُ، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ».
  • 7 سير أعلام النبلاء (4/ 8).
  • 8 سير أعلام النبلاء (2/ 277).
  • 9 أخرجه أبو داود (5170) بنحوه، والنسائي في «السنن الكبرى» (9214) واللفظ له، وأحمد (9157) باختلاف يسير.
  • 10 أخرجه البزار (197)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (4436)، والحاكم (6966) جميعهم بلفظه.
  • 11 سير أعلام النبلاء (2/ 37).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة